منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من يسكب البحر في فنجان

من يسكب البحر في فنجان/ فيحاء نابلسي

0

من يسكب البحر في فنجان

بقلم: فيحاء نابلسي

للكلمة المنطوقة غالبا صوت ونسبة كلاميّة، الصوت هو صوت الحروف المُشكلّة للكلمة، أما النسبة الكلاميّة فهي الصورة المتعلقة بالصوت و التي ترتسمُ في البال حال سماع الكلمة. هذه الصورة أو الدلالة هي ليست دائما نسخة مطابقة للشيء المنطوق.
هناك دائما متعلقات تلحق بهذه الدلالة تنشأ عن: التجربة، الخبرة، العمر، البيئة، المعتقدات، المستوى العقلي والإدراكي, الحالة الصحية والنفسية، واعتبارات أخرى كثيرة تتشابك مع بعضها لتشكل الصورة أو المفهوم الشخصي المرتبط بالكلمة
الكلام السابق الذكر يتعلق بالكلمة الحسيّة، الكلمة ذات الدلالة المحسوسة، مسموعة أو مرئية.
أمّا الكلمات المجردة الدالّة على مفاهيم، أحاسيس، مشاعر أو قيم، فالنسبة الكلاميّة المتعلقة بها تنشأ في البال على شكل شعور، وأحيانا عندما تكون الكلمة مرتبطة بخبرة معينة أو تجربة ما، فإنّ ما يرتسم في البال هو غالبا صورة تلك التجربة أو الظرف.
ولتتضح الفكرة بمثال، دعنا نقول مثلا كلمة ” تفاحة ”
ستجد “أ” من الناس، ترتسم في باله صورة تفاحة، ويشعر بالسعادة لأنه يحبُ التفاح .
” ب” يشعر بالحزن، لأنّ عزيزا عليه توفي عندما شرق بتفاحة وتسببت في اختناقه.
” ج” يشعر بالاثارة لأنه تذكر خدود حبيبته الورديّة التي تشبه التفاح .
” د” يشعر بالقهر, لأن وضعه المادي لا يسمح له بشراء التفاح الذي يحبه
” هه” غير مكترث لأنه لايحب التفاح.
“و” يشعر بالحنين إلى القرية وبساتين التفاح فيها
وهناك حالات لا حصر لها من الاستجابات الشعورية التي تختلف باختلاف الأشخاص، ومن الصعب حصر الدلالة أو النسبة الكلاميّة لكلمة ما في الأشياء المحسوسة، أمّا المفاهيم المجردّة فاستجابة الأشخاص لها أكثر تنوعا وأصعب حصراً.
فكلمات مثل ( العدل، الحق، الانسانيّة، ) ستجد لها مئات التصورات وأكثر حسب اختلاف البشر وتنوع مداركهم .
وإذا كان تشابه الملامح لايتجاوز الأربعين، حسب المثل ( يُخلق من الشبه أربعين)، فإن حظ التشابه في الأفكار ليس أكثر من ذلك إن لم يكن أقل، وقد قِيلَ( يخلقُ الله أخين ولا يخلق عقلين ).
لذلك عندما تُحاورُ شخصاً، ستكون مُفرطاً في التفاؤل إذا ظننت أنه فَهمَ الأمر كما تتصوّره أنت، وأدركه بنفس الطريقة التي أدركتها به تماماً.
ولهذا السبب فإنّ الجدال في أمر غالباً ما ينتهي بمزيد من الخلاف والاختلاف.
والوصيّة النبويّة بتركِ الجدال، ليست عبثيّة، وإنما هو الحرص النبوي الكريم على سلامة الصدور التي يُعكّرُ صفوها الجدال.
ولكن إذا كان الحال كذلك من اختلاف المفاهيم والتصورات، فكيف السبيل للتعامل بين البشر وتواصلهم فكريا؟
بالدرجة الأولى, هناك طاعة ولي الأمر، وإن بدت العبارة ثقيلة على النفس، بسبب شطط من آلت إليهم الولاية في هذا الزمن، ولكن تبقى الطاعة أصلاً من أصول الدين والمنطق.
طاعة الأب، الزوج، ولي الأمر، رب العمل، المعلم ، أنظمة الدولة ويبقى مع ذلك نتيجة الطاعة ( فيما لايخالف الشرع) أكثر بركة من مشقّة المخالفة والشقاق.
هناك الشورى، عندما يتشاور جماعة في أمر من الأمور، يُرجّحُ الأكثرية رأيا يرونه أكثر ملائمة للحال، وهنا يكون توافق الرؤى وليس تطابقها.
النصيحة، عندما تنصحُ شخصا فإنك تعرض عليه رؤيتك ولكنك لا تلزمه بها، وهذا غير الجدال.
الحوار،أن تستأنس برأي الأخر وتعود لنفسك تعالج الأمر بتصوراتك وما أخذته من الأخر لتكون رؤية أشمل.
خلافاً لكل أنماط التواصل الفكري سالفة الذكر، فإنّ الجدال ليس سوى معركة كلاميّة، لايسمع فيها الانسان سوى نفسه، ولا هدف لها إلا الانتصار للنفس بغض النظر عن الحق أو الباطل.
وكل ما سبق كان في الجدال بين البشراللذين تختلف مفاهيمهم ومستويات ادراكهم فلا تجد فيهم عقلاً مجرداً عن هوى أو مصلحة أو متعلقات متغيّرة لا تثبت على حال .
فكيقَ إذاً بالمخلوق الذي يجادل الخالق؟
عندما يجادل الانسان التشريع الإلهي فإنّه بذلك يجعل من نفسه ندّاً للذات الإلهية وهو بذلك يساي بين تصوره المحدود مع التصور الإلهي اللامحدود والمحيط بكلّ شيء.
وهو بذلك كمن يحاول أن يسكب البحر في فنجان، وأنّى لمخلوق ذلك؟
عندما نفتح مجالاً للجدل فإنّنا نفتح باباً واسعاً لفوضى فكريّة، تنتج فوضى سلوكيّة، تفضي إلى بلبلة وتشويش وتشتت.
وهذه آفة وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، حيث تهيج الجموع على أمر من الأمور، ويبدأ كلّ فرد بعرض رأيه وحكمه، ليدخل الجميع في دوّامة فكريّة لا مخرج منها، كما قال المثل ( إذا مشيت في كلّ اتجاه فإنك لن تصل إلى أي مكان).
بينما لو أولينا الأمر لأهله، وقدّم العالم بالأمر رأيه حسب دراسته وخبرته، لعادت إلى الجماعة السكينة والإطمئنان العقلي والقلبي، ولما سادت البلبلة والخصام بين الناس على كلّ صغيرة وكبيرة، لِتُهدَرَ الأوقات والطاقات على أمور لا تسمن ولا تغني من جوع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.