منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هَمْسِ اللَّيْل (قصيدة)

هَمْسِ اللَّيْل (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

هَمْسِ اللَّيْل (قصيدة)

أبو علي الصُّبَيْح
**
قِفا نَبكِ من هَمْسِ ليلٍ تَكَشَّفا
بِقَلبٍ كَليمٍ مُضرَّجِ الخُفْقانِ
تُنازِعُني الأشواقُ في كلِّ مَشرِقٍ
وتُورِثُني نارَ الجوى في الجَنانِ
ألا يا ليلُ، يا كهفَ الأُلى تاهَ فكرُهم
أَجِرْ مُهجتي من غَلوةِ الطُّغيانِ
سريتُ على جَمرِ الدُّجى متقلِّدًا
سيوفَ العُلا في قبضةِ الإذعانِ
وأُقسمُ لا أُعطي الدنيّةَ موضعًا
وفي الكفِّ برقُ العزمِ كالسِّنانِ
أنا ابنُ الفلا، لا أرتضي الذلَّ مركبًا
ولا أستكينُ لِغاشمِ السلطانِ
إذا ما ادلهمَّ الليلُ قمتُ مُكابدًا
أُصارعُ أهوالي بصدقِ بياني
وأرمي بقلبي في المهالكِ صابرًا
كأني لظىً يمضي بلا استكانِ
ألا إنَّ في صدري زلازلَ نقمةٍ
تُفجِّرُ بركانَ الأسى في كياني
وأغرسُ في رملِ الصحارى عزيمتي
فتُزهرُ أشواكي سيوفًا حِسانِ
وأشربُ من كأسِ المنيّةِ باسلًا
وأضحكُ في وجهِ الردى باطمئنانِ
فإن رامني دهري بسهمِ خديعةٍ
كسرتُ نِصالَ الغدرِ قبلَ الطِّعانِ
ألا فاشهدي يا أرضُ أني مُهاجرٌ
من الذلِّ نحو العزِّ دونَ توانِ
وأنّي على عهدِ الكرامةِ ثابتٌ
كجلمودِ صخرٍ شامخِ البنيانِ
أيا ليلُ كم فيكَ استنارتْ بصيرتي
وكم فيكَ قد هانتْ عُرى الخذلانِ
إذا ضجَّ صدري من صراعِ نوازعي
وجدتُكَ صدرًا واسعَ الأركانِ
أبوحُ بما في النفسِ دونَ تردُّدٍ
فتحفظُ سرّي في خفيِّ الجَنانِ
وتكتمُ آلامي كأنك موطنٌ
لأسرارِ روحٍ ضاقَ عنها مكاني
ألا إنَّ ربّي فوقَ كلِّ مُهيمنٍ
يُدبّرُ أمري في خفاءِ الزمانِ
فإن زلَّ قلبي عادَ نحوَ رحابهِ
يُقبّلُ بابَ العفوِ بالإذعانِ
وأشهدُ أن اللهَ نورُ هدايتي
إذا ضلَّ دربي في عميقِ الدُّجاني
وأنَّ كتابَ اللهِ بحرُ بصيرتي
بهِ أرتوي من نبعِ كلِّ معاني
فيا ليلُ زِدني من سكونِكَ حكمةً
فإني رهينُ الفكرِ والهذيانِ
أنا الشاعرُ الجبّارُ أُشعلُ حرفَهُ
فتصهلُ أبياتي كخيلِ رهانِ
إذا ما نطقتُ اهتزَّ وادي قصيدتي
كأنَّ صداها زلزلةُ الطوفانِ
وأُرسلُ من صدري سهامَ قصائدي
فتُصمي قلوبَ الزيفِ والبهتانِ
فإن سُئلت عني الليالي أجابتْ
هو الحرُّ لا يرضى قيودَ الهوانِ
أُجالدُ نفسي في صراعٍ مريرٍ
وأغلبُها بالصبرِ والإيمانِ
فإن كبُرَ الخطْبُ استغثتُ بخالقي
فيمسحُ جرحي بالندى الحنّانِ
وإن ضاق صدري من زمانٍ مُضلّلٍ
وسّعتُهُ بالذكرِ والقرآنِ
ألا إنّنا في الليلِ نُبعثُ أُمّةً
تُقيمُ من العزمِ صروحَ البيانِ
نُعيدُ لروحِ المجدِ نبضَ عزيمَةٍ
ونحفرُ في صدرِ الدُّجى عنواني
أنا الليلُ إن نادى الصباحُ مُبدّدًا
وأنا الفجرُ إن لاحَ بعدَ أذانِ
نحنُ النارُ إن ضاقتْ علينا مسالكٌ
ونحنُ الندى في قحطِ هذا الزمانِ
فيا ليلُ فاشهدْ أنّنا في هواكَ
عهدنا على المجدِ عزمٌ مصانِ
فاشهدِ اللَّيلُ أنّنا من لظاهُ
نارُ مجدٍ… لا تنطفي في الزَّمانِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.