حين تضيق بك الدنيا
بقلم: د. محمد السقا عيد
تمر بالإنسان أيام يشعر فيها أن الأبواب قد أُغلقت، وأن الطريق طال، وأن الهموم تكاثرت حتى ضاقت بها نفسه. تتزاحم الأسئلة في قلبه: لماذا تأخر الفرج؟ ولماذا تتعقد الأمور رغم كثرة المحاولات؟ وربما يظن، من شدة ما يمر به، أنه أصبح وحده في مواجهة الحياة. لكن المؤمن يعلم أن ما يراه بعينيه ليس كل الحقيقة، وأن وراء كل قدر حكمة قد تخفى اليوم وتظهر غدًا. فالله سبحانه لا يترك عباده، ولا يغيب عن أحوالهم، ولا يعجزه أمر في الأرض ولا في السماء.
فكم من كربة ظن صاحبها أنها النهاية، فإذا بها بداية لخير لم يكن يتوقعه. وكم من باب أُغلق، ففتح الله أبوابًا خيرًا منه. وكم من دعوة تأخر أثرها، حتى إذا جاءت جاءت في الوقت الذي كانت فيه أنفع وأجمل.
إن الشدائد ليست دائمًا علامة غضب، كما أن سعة الرزق ليست دائمًا علامة رضا. وإنما هي ابتلاءات يمتحن الله بها القلوب، ليظهر صدق التوكل، وقوة اليقين، وحسن الظن به سبحانه. وحين يضيق بك كل شيء، فلا تحرم نفسك من أعظم أسباب السكينة: سجدة صادقة، أو دعوة في جوف الليل، أو تلاوة آيات من كتاب الله، أو لحظة خلوة تناجي فيها ربك. فكم من قلب أثقلته الدنيا، ثم عاد مطمئنًا لأنه وجد باب الله مفتوحًا.
تذكر دائمًا أن الله لا ينسى دمعة نزلت من خشية، ولا دعاء خرج من قلب منكسر، ولا صبرًا تحمله عبد وهو يرجو وجه ربه. فما عند الله لا يضيع، وإن تأخر في أعيننا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
ليس المطلوب ألا تحزن، فالحزن شعور بشري، ولكن المطلوب ألا يفقدك الحزن ثقتك بربك، ولا يحجب عن قلبك نور الأمل. فمن عرف الله في الرخاء، وجده أقرب إليه في الشدة، ومن أحسن الظن بربه، لم يخيِّب الله رجاءه.
قد لا تستطيع أن تغيِّر كل ما يحيط بك، لكنك تستطيع أن تملأ قلبك يقينًا بأن الله معك، يسمع دعاءك، ويرى ضعفك، ويعلم ما لا تعلم. وإذا كان الله معك، فمهما ضاقت الدنيا، يبقى في القلب متسع للأمل.