حين تنطق العين يوم الحساب
بقلم: د. محمد السقا عيد
العين من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فهي وسيلة الرؤية والتأمل والتعلم، وبها يدرك الإنسان كثيرًا من مظاهر الحياة من حوله. غير أن هذه النعمة ليست مجرد وسيلة للنظر، بل هي أمانة ومسؤولية، وسيُسأل الإنسان عنها يوم القيامة كما يُسأل عن سائر جوارحه وأعماله. ولقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الجوارح ستشهد على أصحابها يوم الحساب، فلا يستطيع أحد أن ينكر ما فعل أو ما اكتسب في حياته الدنيا. قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة فصلت 20
هذه الآية تذكر الإنسان بأن العين التي ينظر بها اليوم ستتكلم غدًا بما رأت، وستشهد بالحق أمام الله عز وجل. وقد يستهين بعض الناس بالنظرات العابرة، ويظنون أنها أمور لا وزن لها، بينما جعل الإسلام للنظر مكانة كبيرة في تهذيب السلوك وحفظ القلب. فكم من نظرة كانت سببًا في طاعة وقربة إلى الله، وكم من نظرة أخرى فتحت أبوابًا من المعصية والندم. لذلك أمر الله المؤمنين بغض البصر، وجعل ذلك من أسباب طهارة النفس وصلاح القلب.
وفي عصرنا الحاضر أصبحت مسؤولية العين أكبر من أي وقت مضى، فالشاشات والهواتف الذكية تفتح أمام الإنسان عوالم لا حصر لها من الصور والمشاهد والمقاطع. وبينما يستطيع الإنسان أن ينتفع بهذه الوسائل في طلب العلم والخير والمعرفة، فإنه قد يقع من خلالها في النظر إلى ما لا يرضي الله إذا لم يراقب نفسه ويضبط بصره.
إن المؤمن الواعي هو الذي يجعل عينه وسيلة للطاعة لا للمعصية، فينظر إلى كتاب الله متدبرًا، وإلى الكون متفكرًا، وإلى الناس بعين الرحمة والإحسان. كما يحرص على تجنب كل ما يفسد قلبه أو يبعده عن ربه، مستحضرًا أن الله مطلع على نظره وسره وعلانيته.
ومن رحمة الله بالعبد أن أبواب الخير كثيرة، فكل نظرة إلى والدين برحمة، أو إلى محتاج بعطف، أو إلى مصحف بتدبر، أو إلى مشهد من مشاهد قدرة الله في الكون، قد تكون سببًا في رفعة الدرجات وزيادة الحسنات. وهكذا تتحول العين من شاهد على الإنسان إلى شاهد له يوم القيامة.
إن استحضار حقيقة شهادة العين يوم الحساب يدفع المسلم إلى مراجعة نفسه دائمًا، وإلى الحرص على أن تكون نظراته فيما ينفعه في دنياه وآخرته. فالعين نعمة عظيمة، لكنها في الوقت نفسه أمانة ثقيلة، والسعيد من حفظها عن الحرام واستعملها فيما يرضي الله، حتى تأتي يوم القيامة شاهدة له بالطاعة والخير، لا شاهدة عليه بالمعصية والتقصير. فالسعيد من خرج من الدنيا وقد شهدت له عينه لا عليه.