منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عندما يقتحم المهرج رحاب الفكر:”الهركاوية” كأعرابية حضرية وسقوط أقنعة النخبة

عبد الغني منتصر

0

عندما يقتحم المهرج رحاب الفكر:

“الهركاوية” كأعرابية حضرية وسقوط أقنعة النخبة

بقلم: عبد الغني منتصر

​في لحظة كاشفة من لحظات التدافع الثقافي بأحد المحافل الدولية للكتاب، لم تكن مواجهة أحد الفنانين الكوميديين مع جمهوره مجرد حادثة عابرة، بل كانت تمثلاً حياً لصدام عميق بين “ذهنية الاستعلاء” و”واقع التهميش”. إن استدعاء مصطلح “الهركاوية” لوصم فئات اجتماعية بالهمجية السلوكية، يضعنا أمام ضرورة قراءة هذا الخطاب بمنظور “منهاجي” يفكك بنية التعالي النخبوي ويعيد ربطها بالجذور السوسيولوجية لظاهرة “الأعرابية” المعاصرة.

​من “الأعرابية” الخلدونية إلى “الهركاوية” المعاصرة

إذا استعرنا المنظور الخلدوني، نجد أن “الهركاوية” ليست سوى التجلي الحديث لـ “الأعرابية”؛ ذاك النمط العمراني الذي يتسم بخشونة المسلك والبعد عن رقة الحضر. لكن الفارق الجوهري هنا هو أن “أعراب” اليوم هم نتاج “منهاج إقصائي” في المدينة، لم ينجح في صهرهم داخل بوتقة العمران القيمي. حين يحاكم الفنان هؤلاء بـ “إتيكيت” مستورد، فإنه يمارس نوعاً من “التنميط” الذي يختزلهم في “غوغاء” مزعجة، متناسياً أن سوء أخلاق الشعوب المقهورة – كما يؤصل المنهاج الخلدوني – هو الثمرة المرة لظروف القهر والحاجة، لا عيباً جينياً أصيلاً.

​مأزق “المهرج” في رحاب الفكر

تكمن المفارقة “المنهاجية” في أن الفنان الذي بنى ثروته ومكانته الرمزية على “تسليع” هذه الأعرابية من خلال الشخصيات النمطية التي يجسدها في أعماله لسنوات، هو نفسه الذي يستنكرها اليوم. إن اقتحام المهرج لرحاب الفكر وممارسته للأستاذية على العامة يكشف عن ازدواجية خطيرة؛ فـ “الهركاوي” مقبول كـ “مادة للفرجة” تُباع وتُشترى في مواسم الذروة التلفزيونية، لكنه مرفوض كـ “فاعل اجتماعي” يزاحم النخبة في فضاءات “المعرفة”. هذا الاضطراب في الأدوار يعكس خللاً في “منهاج القيمة” لدى المنتج الفني، الذي يقتات على الهامش ثم يتنكر له في أول اختبار واقعي.

​صدمة ماركوس أوريليوس: روما هي الغوغاء

لقد كان الفيلسوف الإمبراطور ماركوس أوريليوس يدرك أن فصل أحياء النبلاء عن الفقراء هو فعل يهدد روح المدينة، لأن “الغوغاء هم روما”. وبذات المنطق، فإن هؤلاء “الهركاوية” هم صلب المجتمع وعماد القوة الاستهلاكية والرمزية التي صنعت نجومية هؤلاء الفنانين. إن محاولة فرض “جينتلمانية” قشرية وسط بيئة تعاني من اختلالات في مناهج التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية، هو نوع من الهروب الفكري الذي يجلد الضحية ويغض الطرف عن الأسباب الهيكلية التي أنتجت هذا السلوك.

​خاتمة: نحو منهاج للاستيعاب لا للإقصاء

إن النقد الموجه لهذا الخطاب ليس دفاعاً عن الفوضى، بل هو دعوة لتبني “منهاج” فكري يدرك أن التغيير السلوكي يبدأ بالعدالة الاجتماعية والاحترام الإنساني، لا بالاستعلاء اللفظي. إن الفكر الحقيقي هو الذي يقتحم الهامش ليفهمه ويقومه، لا ذاك الذي يقتحمه “المهرج” ليرتدي قناع “الجنتلمان” فوق منصة من خشب، بينما الجماهير تحت المنصة تئن تحت وطأة “أعرابية” فُرضت عليها ولم تخترها.

​ختاماً، ستبقى “الهركاوية” مرآة تعكس فشل النخب في صياغة منهاج وطني جامع، وسيبقى “المهرج” غريباً في رحاب الفكر ما لم يتصالح أولاً مع “الأعراب” الذين صنعوا مجده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.