منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حين يصبح الصمت رفاهية نادرة

حين يصبح الصمت رفاهية نادرة/ د. محمد السقا عيد

0

حين يصبح الصمت رفاهية نادرة

بقلم: د. محمد السقا عيد

في مساء يوم عادي، يجلس رجل في منزله بعد ساعات طويلة من العمل. يضع هاتفه جانبًا محاولًا أن يمنح نفسه دقائق من الراحة، لكن سرعان ما يلتقطه مرة أخرى دون سبب واضح. إشعار جديد، ورسالة وصلت للتو، ومقطع فيديو يقترحه أحد التطبيقات، وخبر عاجل يتصدر الشاشة. تمر الدقائق وهو ينتقل من محتوى إلى آخر، حتى يدرك فجأة أنه لم يعش لحظة صمت حقيقية طوال يومه. عندها يتساءل: متى أصبح الهدوء أمرًا نادرًا إلى هذا الحد؟ يعيش الإنسان المعاصر وسط عالم لا يتوقف عن الكلام.

فالأصوات تحيط به من كل جانب؛ في الشوارع المزدحمة، ووسائل النقل، وأماكن العمل، والشاشات التي ترافقه أينما ذهب. وحتى حين يختلي بنفسه، تظل الإشعارات والتنبيهات والأخبار المتدفقة تملأ الفراغ. وهكذا أصبح الصمت، الذي كان يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة، شيئًا يصعب العثور عليه، حتى بدا وكأنه رفاهية لا تتاح للجميع.

ولم يكن الإنسان عبر التاريخ يعيش هذا القدر من الضجيج الذي نعيشه اليوم. فقد كانت هناك مساحات واسعة من السكون تفرضها طبيعة الحياة نفسها. وكانت لحظات التأمل والهدوء جزءًا من الروتين اليومي، سواء أثناء السير في الحقول، أو الجلوس في البيوت، أو مراقبة الطبيعة في أوقاتها المختلفة. أما اليوم، فقد أصبح الإنسان محاطًا بسيل متواصل من الأصوات والمعلومات، حتى بات الصمت استثناءً لا قاعدة. ولم يقتصر الأمر على الضجيج المادي فقط، بل ظهر نوع آخر أكثر تأثيرًا، يمكن تسميته بالضجيج الرقمي.

فمع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح العقل في حالة استقبال دائم للمعلومات. فكل دقيقة تحمل رسالة جديدة أو خبرًا عاجلًا أو صورة أو تعليقًا أو مقطع فيديو. ونتيجة لذلك، لم يعد الإنسان يواجه لحظات الفراغ كما كان في السابق، بل أصبح يملأها فورًا بأي محتوى متاح.

واللافت أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يهربون من الضوضاء فقط، بل أصبحوا يهربون من الصمت نفسه. فبعضهم يشعر بعدم الارتياح إذا جلس وحده دون شاشة أو موسيقى أو حديث.

وكأن السكون أصبح حالة غريبة تحتاج إلى تفسير. وربما يعود ذلك إلى أن الصمت يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع أفكاره وأسئلته ومشاعره، وهي مواجهة لا تكون سهلة دائمًا. لذلك يفضل البعض البقاء في حالة انشغال دائم تجنبًا لما قد يكشفه الهدوء من مشاعر مؤجلة أو أفكار لم تُحسم بعد.

ومع أن الضجيج قد يبدو أحيانًا علامة على الحيوية والحركة، فإن الدراسات النفسية تشير إلى أن العقل يحتاج إلى فترات منتظمة من الهدوء ليستعيد توازنه. فالصمت يساعد على تقليل التوتر، وتحسين التركيز، وتنظيم الأفكار، وتعزيز الإبداع. كما يمنح الإنسان فرصة للتأمل وإعادة ترتيب أولوياته بعيدًا عن المؤثرات الخارجية المتلاحقة.

ولذلك ليس من المصادفة أن ترتبط كثير من لحظات الإبداع الكبرى بلحظات العزلة والهدوء. فالكاتب يحتاج إلى الصمت ليصغي إلى أفكاره، والعالم يحتاج إليه ليركز في بحثه، والفنان يجد فيه مساحة لتشكل الرؤية والإلهام. وحتى الإنسان العادي يحتاج إلى بعض السكون ليعيد الاتصال بذاته وسط إيقاع الحياة السريع.

وقد أدركت بعض المجتمعات الحديثة هذه الحقيقة، فبدأ الاهتمام يتزايد بما يعرف بـ”الصحة الذهنية”، وأصبحت فترات الابتعاد عن الشاشات، والتأمل، والمشي في الطبيعة، وممارسة اليقظة الذهنية من الوسائل التي يلجأ إليها كثيرون لاستعادة شيء من الهدوء المفقود.

فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في هيمنتها المستمرة على تفاصيل الحياة دون فترات راحة تسمح للعقل بالتقاط أنفاسه. لكن استعادة الصمت لا تتطلب بالضرورة السفر إلى أماكن بعيدة أو الانعزال عن العالم. فقد تبدأ بخطوات بسيطة؛ كإغلاق الهاتف لبعض الوقت، أو تخصيص دقائق يومية بعيدًا عن الشاشات، أو الجلوس في مكان هادئ دون هدف محدد سوى الاستمتاع بالسكون. فهذه اللحظات الصغيرة قد تمنح الإنسان قدرًا من الصفاء لا توفره ساعات طويلة من الترفيه الرقمي.

إن الصمت ليس فراغًا كما يظن البعض، بل مساحة تمتلئ بالمعنى. ففيه يسمع الإنسان صوته الداخلي بوضوح أكبر، ويمنح عقله فرصة للراحة، ويعيد اكتشاف ما يهمه حقًا. وربما لهذا السبب أصبح الصمت نادرًا في عصرنا؛.

لأن كل شيء حولنا يتنافس على جذب انتباهنا واحتلال لحظاتنا لقد نجح الإنسان في اختراع وسائل لا حصر لها للتواصل، لكنه في المقابل فقد شيئًا من قدرته على الإنصات. وبينما تتزايد الأصوات من حوله يومًا بعد يوم، تزداد حاجته إلى لحظات من السكون الصادق. فليس كل تقدم يقاس بكثرة ما نسمع ونقول، بل ربما يقاس أيضًا بقدرتنا على أن نصمت حين نحتاج إلى الصمت.

وحين يصبح الصمت رفاهية نادرة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في البحث عنه فحسب، بل في إدراك قيمته قبل أن نفقده تمامًا. فبعض أجمل ما في الحياة لا يُقال بالكلمات، بل يُكتشف في تلك اللحظات الهادئة التي نصغي فيها إلى أنفسنا والعالم من حولنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.