منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

متى يكون للعطلة السنوية استحقاق وطعم ومعنى؟ |سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

متى يكون للعطلة السنوية استحقاق وطعم ومعنى ؟ |سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب مسجد أم الربيع بالمغرب خنيفرة سابقا

عباد الله، يقول علماء الاجتماع: (إن حياة الأمم، يجب أن تتكيف بحسب ما يعرض لها من ظروف عامة، أو أحداث هامة. فظروف الهول والخطر، ليست كظروف السلام والهدوء، وأوقات الشدة والبأساء، ليست كأوقات النعيم والرخاء، وفترات النضال والكفاح، غير فترات الدعة والراحة، فلا يليق أن يعبث الناس والدنیا حواليهم تجدّ، ولا أن يقهقهوا والأهوال تصرخ، ولا أن يضيعوا وقتا أو جهدا، ومعركة الحياة والموت تغمرهم).

عباد الله، لنحاسب أنفسنا لنرى؛ هل يحق لنا أن نخلد إلى الراحة والدعة، ومجتمعنا يشكو إلى الله من کثرة الفواحش والمنكرات؟ أيعقل أن تحلو لنا العطلة، وغضب الله يغشانا كل وقت وحین؟ ألا نبحث على الأقل على أسباب هذه المنكرات؟ ألا نضع أيدينا على الأقل على الداء العضال الذي هدد شبانا وکهولنا وشيوخنا ونساءنا وبناتنا وأخواتنا وأمهاتنا. هذا الداء الذي لم يُبق على أحد من أفراد أمتنا إلا وأهلكه؟.

عباد الله، إن الواحد منا ليعجب كل العجب، إن كانت له بصيرة، من ذاك الذي يقول إذا سألته عن أحواله: (من يتمتع بصحته فهو بخیر)، أین إحساسنا بالآخرين؟ أین شعورنا بالمشردين المضطهدين؟ أين غیرتنا على دیننا ووطنا؟ قولوا لي بالله عليكم: هل بخير؛ من يرى الأعراض تنتهك؟ هل بخیر؛ من یری حدود الله تُتحدى؟  هل بخیر؛ من يری من يجاهر بمعصية الله دون حياء؟ هل بخير؛ من یرى كثرة المظلومين؟ هل بخیر؛ من يری الشباب التائه، والفتيات الضائعات، والنساء الغافلات؟ أين الضمير الحي عند من يفتخر باسترواحه خلال هذه العطلة، مع العلم أنه سيرجع إلى المشاكل، وإلى ضنك العيش، وإلى عالم الأمراض والأوجاع والمنكرات والخصومات والعداوات، ألیس هذا من مقت الله وغضبه علينا؟ قال سبحانه في سورة الشورى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، كيف يحلو للواحد منا كان ذكرا أو أنثى، ذكرُ الأماكن التي زارها أو سيزورها خلال العطلة، ومن أفراد أمته من يشكو من عضة الجوع، ومنهم من يصرخ من ألم الحرمان، ومنهم من هو غارق في الغفلة والهذيان؟ کیف يحلو التجول والتنزه لمن يرى صرح أخلاق بلده قد هدم، وبيت الإسلام يحرق؟. كيف يحلو التجول لمن يرى الفطر السليمة تخنق؟ لقد ضل الناس حتى اعتبروا مطالب الإنسان محصورة في شهوات الطعام والشراب واللباس والنساء، وأما الروح والقلب، فليس لهما عندهم كبير حساب، ومن هنا أسرف الغني فكان حيوانا، واضطرب الفقير فکان شیطانا.

عباد الله، ألا نقف وقفة تأمل وتفکر، وقفة من يُعدّ الجواب ليوم الميعاد، يوم يقف كل واحد منا أمام خالقه ليحاسبه على النقير والقطمير، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30]. لیسأل کل واحد منا نفسه ويقول دون مجاملة: ما دام لكل موظف عطلة سنوية، فهل أستحق أنا بصفتي موظفا هذه العطلة السنوية؟  أي؛ هل كنت جادا في عملي طيلة السنة كلها، ذلك العمل الذي أستحق على إثره هذه العطلة؟ أم أنني كنت في عطلة طيلة السنة، وأضفت الآن عطلة إلى عطلة، كنت في عطلة خلال العمل؛ لأنني أقضي جل أوقاتي في المزاح والكلام والمناقشات الفارغة، والمكالمات الهاتفية التي لا صلة لها بالعمل، وحشد من المواطنين ينتظرون قضاء مصالحهم، أو كنت أقضي جل أوقاتي في الحديث مع الكاتبات؟.

عباد الله، ألا تعد هذه عطلة ما دام العمل الوظيفي السنوي ينقصه الجد والإخلاص، إلا أنها غیر رسمية لكونها غير مصرح بها؟ كيف أعتبر هذه الأجرة التي أتقاضاها حلالا، وأتجول بها خلال العطلة؟ وهل تستحق تلك الموظفة هذه العطلة، وقد قضت جل أوقاتها في تنميق لباسها، والاهتمام بجسدها فوق المعتاد والمطلوب، وفي الكلام الفارغ مع غيرها، بل قد تقضي جل وقتها على أكواب الشاي هي ومن معها؟. وهل تستحق تلك المرأة غير الموظفة، عطلة سنوية، وقد كانت كل يوم بين المغرب والعشاء تتسكع في الطرقات، وتزاحم الرجال بالمناکب في الشوارع والأزقة، أو كانت تقضي جل أوقاتها عند صديقاتها، وقد هجرت بيتها؟ وهل يستحق ذلك التلميذ الذي قضى جل السنة الدراسية أمام وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الفتيات، وفي التسكع في الطرقات، أو اللعب مع الزملاء في كل الأوقات، حتى إذا قرب الامتحان، تغيب عن الدراسة بدعوى الإعداد؟ هل يستحق كل هؤلاء عطلة سنوية قصد الاستراحة لتقوى عزيمتهم، ويُقبلوا على أعمالهم بكل نشاط؟ أم أن العطلة بالنسبة لهم، لا تزيدهم إلا خمولا ونفورا من العمل، ورغبة في الكسل؟.

عباد الله، أين المسؤولية التي كلفنا بها؟ والله الذي لا إله غيره، لو أدى كل موظف عمله بجد، وصدقت الموظفة في مهمتها، وجد التلميذ في دراسته، وأخلصت المرأة في عمل بيتها، واستجابت لنداء ربها الوارد في سورة الأحزاب: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ، وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

[الأحزاب: 33]، ولزمت المرأة المحجبة بيتها وخضعت لقوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، إذ لا تخرج من بيتها بدعوى الاسترواح إلى بيوت صديقاتها إلا لضرورة ملحة، لاستقام مجتمعنا، ولازدهر بلدنا، ولظهرت ثمار هذه الجدية وهذا الصدق في وطننا، ولكن يا حسرة على العباد. فيا أيها المؤمن، ويا أيتها المؤمنة:

ماذا تقول ولیس عندك حجة ***** لو قد أتاك مهدم اللـــــــــــــــــــــــــذات.

أو ما تقول إذا سئلت ولم تقل***** وإذا دعيت وأنت في الغمرات.

أو ما تقول إذا حللت محلـــــة ***** ليس الثقات لأهلــــــــــــــــــها بثقات.

سبحان من قهر العباد بقدره*****  باري السكون وناشر الحركات.

عباد الله، كيف نخرج من أزماتنا ونحن لم نستشعر بعد مراقبة الله لأعمالنا، لقد سبقنا الغرب الكافر، في کل الميادين بسبب جدية أفراده، وأین لنا نحن بهذه المكانة وقد تخلينا عن مبادئ ديننا؟ بل قد اعتبرنا العطلة تحررا من التكاليف الشرعية، فأخرنا الصلوات الخمس عن وقتها، وأهملناها، ومنا من تركها طيلة العطلة، ومنا من هجر المساجد وأهمل صلاة يوم الجمعة، ومنا من تثاقل على صلاة الصبح في وقته لطول السهر، بل منا من ترك الالتزام بالدین، وتحلل من كل القيود خلال العطلة، فلا المرأة أصبحت محافظة على حيائها، بل عرت جسدها بدعوی أنها في بلد غير بلدها، ولا الزوج أصبح يغار على زوجته أو بناته العاريات أمام الرجال بدعوى أن الكل عراة .

عباد الله، ماذا لو قُدّر لأحدنا فمات خلال العطلة السنوية، كيف يلقى الله عز وجل  وقد خُتم له بشر الأعمال.

عباد الله، أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلنا الله به على سائر الأمم، فقال في محكم التنزيل في سورة البقرة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110] ؟ أين الدعوة إلى الله عز وجل؟ أین مدافعة أهل الباطل؟ ألم يقل الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 251]؟ ألم تروا كيف أن أهل الباطل يعملون جادين في كل الأماكن وفي  كل المجالات: في  الحفلات وفي المنتدیات وفي نشر المناكر، سواء  في عطلة أو في عمل، إنهم يقتدون في ذلك بقائدهم إبليس لعنه الله، الذي لا ييأس من أحد، ولا يترك أحدا إلا ويزين له المناكر، ويحبب له الفواحش، فلماذا لا نقتدي نحن بجند الله الذين اصطفاهم الله عز وجل على سائر خلقه.  والذين قال تعالى في حقهم في سورة الأنعام: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ؛ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90]، فهذا يوسف عليه السلام، رغم كونه دخل السجن مظلوما، فإنه لم بفتر عن الدعوة إلى االله وهو في غيابات السجن، ولم يثنه ما لحقه من ظلم عن رسالة التبليغ، كان لا يشكو حاله للمسجونين، بل كان يقول لهم: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[يوسف: 39، 40]، وهذا حبيب النجار، الذي ذكره الله تعالى في سورة یس بعد أن دعا قومه إلى اتباع الرسل الثلاثة، وعصوه وقتلوه، أدخله الله الجنة، ورغم ذلك بقي ملازما للدعوة إلى الله تعالى، فقال وهو في نعيم الجنة: ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: 26، 27]، لم يشغله نعيم الجنة عن دعوة قومه، لهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( نصح قومه في حياته، ونصحهم بعد مماته)، وهذا الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم تمنعه مطاردة الكفار له وهو في طريقه إلى يثرب، من الدعوة إلى الله عز وجل، بل من بناء أول مسجد وهو مسجد قباء والذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108]، كما لم يمنعه اضطهاد الكفار في مكة من الدعوة إلى الله عز وجل والجهر بها.

عباد الله، اعلموا أن الأمر جدّ، وأننا في خطر عظيم، إن لم نتدارکه بإصلاح أنفسنا والإخلاص في أعمالنا، والدعوة إلى الله عز وجل دون فتور في كل الأمكنة، في المواسم والولائم والأفراح والمآتم، في مقر العمل، وعند زيارة الأقارب والأصدقاء في دورهم،

وفي المستشفيات، وعند عيادة المرضى، ويجب أن نكون مبشرين غير منفرين، ميسرين غير معسرين، على وجهنا ابتسامة مشفقة، وعلى شفتينا كلمة طيبة رقيقة، واعلموا أننا نعيش في آخر عهد الضلالات الفتنوية إن شاء الله تعالی، لكننا لا نزال في خضمها، فعلينا أن نتحلى بالصبر الجميل، وعلينا أن نسهر ونتعب، لتستريح الأمة، وأن نظمأ ونضحي ونبذل ونجوع لتروى الأمة وتشبع و تسکن، فمن أراد وجه الله، فلا بد له أن يوطد النفس على ما تكره في هذه الدنيا.

فيا عبد الله، ويا أمة الله، يا من له غيرة على دينه وعلى وطنه.

إذا اتضح الصواب فلا تدعه *****  فإنك قلما ذقت الصـــــــــوابا.

وجدت له على اللهوات بردا*****  کبرد الماء حين صفا وطابا.

وإن لكل حادثة لوقتـــــــــــــــــــــــــــــــا ***** وإن لكل ذي عمل حســـــــــابا .

وإن لكل مطلع الله لجــــــــــــــــــدا ***** وإن لكل ذي أجل كــــــــــــــــتابا.

ولستَ بغالب الشهوات حتى ***** تعد لهن صبــــــــــــرا واحتسابا.

فكل مصيبة عظمت وجلت.***** تخف إذا رجوت لهـــــا ثوابا .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.