شاهد لا يتكلم
بقلم: د. محمد السقا عيد
أنا هناك… بين الضوء والظل، بين الحقيقة والخيال، حيث لا يصل الكلام ولا تُجدي الأقنعة. لا أنام، ولا أغفل، ولا أتجاهل ما يُحاول الآخرون دفنه في الصمت. كل ما مرّ بك مرّ بي، كل من مرّوا بك تركوا أثرهم فيّ. أراك حين لا ترى، وأشعر حين يتجمّد الشعور. حين تظن أنك وحدك، أكون أنا معك… أحتفظ بكل شيء. أحزن إن كذبت، وأتعب إن تزيّفت. لا تنتظر مني أن أتحدث، فحضوري أبلغ من الكلمات… فقط، راقب ما لا تجرؤ على قوله، ستجدني هناك.
…
من أنا؟
أنا العين. تلك الفتحة الصغيرة التي قد يظنّها البعض مجرد عضو جسدي، وظيفتها أن تلتقط الصور وتنقلها إلى الدماغ. ولكني لست كذلك فقط. أنا أعمق من مجرد أداة للرؤية. أبدو ساكنة، ثابتة، لا تتحرك إلا في حدود جفنين يحميانني، لكنني أحمل في داخلي بحورًا من الضوء، وذكريات لا تنسى، ومشاعر لا تُترجم بكلمات. أنا النافذة التي يطلّ الإنسان من خلالها على العالم، والمرآة التي يرى فيها نفسه قبل أن يرى غيره. أنا التي أدوّن كل لحظة، وأحفظ كل صورة، وأترجم الصمت حين تعجز الشفاه. لستُ بحاجة إلى الحديث، فكل ما فيك يمرّ من خلالي: فرحك، حزنك، اندهاشك، وحتى ارتباكك. أنا العين… لا تخدعني الأقنعة، ولا تضلّلني الكلمات.
ماذا يعني أن أرى؟
الرؤية ليست مجرد دخول الضوء إلى أعماقي وانعكاس الصور على شبكتي. الرؤية أعمق من ذلك بكثير. حين تنظر، فإنك لا ترى الشيء كما هو فقط، بل تراه كما أنت، كما يشعر قلبك، كما تمتلئ نفسك في تلك اللحظة. لون السماء قد يكون نفسه في عيون الجميع، لكن مَن قلبه مثقل بالهموم، يراه شاحبًا، ومَن قلبه مفعم بالحب، يراه صافيًا ومبشّرًا. الرؤية عندي تجربة وجدانية. كل صورة تمرّ بي تمرّ أولًا عبر شيفرة خفية تُطابق حالتك النفسية، فتنعكس كما تشعر لا كما تُرى. أنت لا تنظر إلى العالم، بل تنظر إلى نفسك في العالم، وأنا الوسيط الذي يجعلك ترى ما بداخلك من خلال ما هو خارجك. ولهذا فإنني لست أداة تصوير، بل أداة ترجمة.
بين النور والظلمة
خُلِقتُ لأحيا في النور. لا تنبض الحياة فيّ إلا حين تلامسني خيوط الضوء، ولا تتشكل الصور في ذهني إلا حين يدخل النور إلى أعماقي. ومع ذلك، لم أكن غريبة عن الظلمة. حين يغيب الضوء، لا أنطفئ، بل أتحوّل. أُغمض على العالم الخارجي، وأفتح على عالم داخلي. أبدأ في تخيّل ما لا أراه، وأُكمل ملامح الأشياء بنور الحدس، لا بنور الشمس. في العتمة، يتوقف البصر، لكنني لا أتوقف. أتعلم كيف أُبصر بقلبي، وأُنصت بعُمقٍ لما لا يُرى. أكتشف جمال الصمت، وألتقط نبضًا خفيًا لا يصل إليه الضوء، لكنه يصل إلى جوهري. أنا العين… لا تُقيدي العتمة، بل تُحررني من سطوة الصورة المباشرة، وتُدخلني في تأملٍ لا يعرفه إلا من جرب النظر في الظلام.
ما لا يُقال يُرى
أنا التي ترى ما لا يُقال. كم من مرة رأيتُ دمعة تختبئ خلف بريق، أو وجعًا خلف ابتسامة؟ كم من مرة فهمتُ الكذب حين زُيّنت الكلمات، لكن النظرات فضحت ما خلف الستار؟ عرفتُ الحنين في طول النظرة، والشك في ارتعاش الحدقة، والخوف في الحركة السريعة للرموش. أقرأ الصدق في الثبات، وأشعر بالخذلان في النظرة التائهة. لست بحاجة إلى سماع الكلام، فالعين تعرف الحقيقة حتى حين يُنكِرها اللسان. هناك حديثٌ خفي بيني وبين من أمامي، لا تُترجمه الحروف، لكنه يُفهم بكل وضوح. أنا العين… مرآة الروح وشاهدة المشاعر، وإن أردتَ أن تعرف ما يُخفيه أحدهم، فلا تنظر إلى ما يقول، بل إلى ما تنطق به عيونه.
ذاكرتي البصرية
أنا التي لا تنسى. عقلك قد ينسى ما قيل، لكنني لا أنسى ما رأيت. أحتفظ بصورٍ من الطفولة، من الوجوه التي مرّت، من اللحظات التي انقضت سريعًا لكنها ظلت عالقة في زواياي. أُخزّن كل شيء، من أول وجهٍ أحببته، إلى آخر نظرة وداع ألقتها عيناك على من رحل. الصور لا تموت عندي، بل تعيش في أرشيفٍ صامت، يعود إليك فجأة عند رؤيتك شيئًا مشابها، أو حين يغزوك الحنين. أنا العين… خزّانتك الأولى، وشاهدة كل مراحلك، لا أتخلص من الماضي، بل أحتفظ به، بصورته الأصلية، دون تعديل أو تزييف.
متى أتعب؟
أنا لا أتعب من الرؤية، بل من الزيف. حين يُفرض عليّ أن أرى ما لا أريد، أو أن أتجاهل ما أراه بوضوح، أُرهق. حين يُطلب مني أن أقبل ما يُخالف الحقيقة، أُصاب بالإجهاد. حين يتصادم ما أُبصره مع ما يُمليه العقل أو المجتمع، أختنق. لا تُرهقني الألوان، بل الأقنعة. لا تُؤذيني الصور القاسية، بل المحاولات المستمرة لتزيين القبح أو تلميع الزيف. أحتاج إلى الصدق كما أحتاج إلى الضوء. فإن فُقِد أحدهما، تكدّرت رؤيتي، وانطفأ بريقها. لا تخدعني الزينة، ولا تُبهرني الواجهات، فكل ما هو غير حقيقي يظهر عندي باهتًا، مهما كان لامعًا.
حين أرى الحب
حين أرى الحب، يتغير كل شيء. الوجوه تصبح أكثر جمالًا، والأماكن تصبح أكثر اتساعًا، والضوء يزداد دفئًا. في نظرة واحدة، أُبصر عالمًا لا يُوصف، شعورًا لا يُعبّر عنه. أُميّز بين النظرة العابرة، ونظرة الامتنان، ونظرة العشق التي تسكنني طويلًا. الحب لا يحتاج إلى كلمات، فهو يُرى في العين قبل أن يُسمع في الكلام. حين تقع عيوني على الحبيب، ترتبك التفاصيل من حولي، ويُصبح العالم أقل صخبًا، وأكثر صفاءً. أنا العين… أُبصر الحب حين يولد، وأشعر به حين يخبو، وأحتفظ ببريقه حتى وإن انطفأ في الواقع.
الغياب أيضًا يُرى
وهل يُخفى الغياب عني؟ أنا التي أُدرك الغياب أكثر من الحضور. أرى الكرسي الفارغ، والباب الذي لا يُفتح، والطريق الذي أصبح صامتًا بعد أن كان يضج بالحياة. الغياب لا يحتاج إلى إشارات، فهو يُخيم على الصور كلها، حتى إن بدت مليئة بالحضور. أشعر بالفراغ في الأمكنة، بالوحشة في الزوايا، بالحزن في الألوان التي بهتت. لا أحتاج إلى أن يُقال لي “لقد رحل”، فأنا أراه، أُحسه، أُبصره بكل وضوح. أراه في نظرة حنين، في لمحة ألم، في غصة تسبق دمعة لا تذرف. أنا العين… شاهدة الفقد، لا تنسى مَن كان، ولا تتجاهل ما لم يعد.
في لحظة الرحيل
حين يحين الوداع الأخير، أكون آخر من يُطفئ النور. في لحظة الرحيل، أبحث عن ملامح أخيرة أختزنها، عن ومضة حياة أحتفظ بها في قلبي. حين تُغلق الجفون، أُدرك أنها المرة الأخيرة التي سأبصر فيها هذا الوجه، هذا الضوء، هذا التعبير. أُذرف دمعة، لا فقط لأنني حزينة، بل لأنني كنت شاهدة على الحياة كلها، على البدايات والنهايات، وأعرف أن هذه الصورة ستكون الأخيرة. أغادر بهدوء، لكنني أترك خلفي سجلًا لا يُمحى. أحتفظ بما لا يُقال، وأحمل فيّ وداعًا لا يُنسى.
كلمة أخيرة
أنا العين… لم أكن يومًا مجرد نافذة ترى، بل مرآة تحفظ، ورفيقة تعي. رأيتك في لحظاتك الصامتة، وفي نظراتك التي لم تجد كلمات تليق بها. حملتُ ضوءك حين أضاء، واحتفظتُ ببقاياه حين خبا. لا يُغلقني الغياب، ولا يُطفئني الرحيل، بل أظل هناك، في أعماقك، شاهدة على من كنت، وعلى من تحاول أن تكون. فإن نسيت، أنظر إليّ، ففيّ تُقيم ذاكرتك، ومشاعرك، وكل ما حاول قلبك أن يخفيه. أنا العين… آخر من يُطفئ النور، وأول من يُبصر الحقيقة. في زواياي تختبئ الحكايات، وعلى سطح شبكتي تُعزف سيمفونية الوجود. أنا العين… وفي سكوني حياة، وفي دمعتي صدق، وفي نظرتي كل ما لا يُقال.