سِرْ في العواصِفِ (قصيدة)
سِرْ في العواصِفِ (قصيدة)/ أبو علي الصُّبيح
سِرْ في العواصِفِ (قصيدة)
أبو علي الصُّبيح
***
سِرْ في العواصفِ لا تَأبهْ لِما قالوا
وارحَلْ معَ الرّيحِ فالتَّرحالُ وصّالُ
لو تسألُ السُّحْبَ كمْ زلَّتْ بها قدمٌ
وكمْ تَهاوى بها عصفٌ وأهوالُ
حتى تراءتْ بأرضِ الجَدبِ هاطلةً
ما ردَّها ماردٌ أو صَدَّ صوّالُ
لَعاتبتْكَ ودفقُ الخيرِ مُنهمرٌ:
مَنْ يركبِ الرّيحَ لا يتعسْ به الحالُ
ولا تُجالسْ مَنِ اسودّتْ صحيفتُهُ
ولا تُسايِرْ منِ استُرعِي ويَحتالُ
فَساكنُ اللَّحدِ مأْسورٌ بِرَقدتِهِ
وراكبُ الرّيحِ طيّارٌ وجَوّالُ
ونافخُ الكيرِ لا تُرضى مجالسُهُ
وحاملُ المسكِ طيّابٌ وعسّالُ
فاظفَرْ بذي المسكِ واستأنسْ بصُحبتهِ
واربَأْ بذي الكيرِ أن يصفو له البالُ
هذي وصايايَ قد جاءتْ مُسطَّرَةً
فلا يغُرَّنْكَ كذّابٌ ومُحتالُ
إنَّ الجليسَ منَ الأصحابِ تعرفُهُ
في كشفِ نيّتِهِ، والوجهُ دلّالُ
والقولُ يفضحُ ما في قلبِ صاحبِهِ
والفعلُ يجلوهُ، والمشهودُ أحوالُ
ما حازَ من شرفٍ أعلى المقامُ بهِ
أو حطَّ من خُلُقٍ أزرى به القالُ
والنُّصحُ من شِيَمِ الأنجابِ من قِدَمٍ
والعودُ أحمدُ، والأحداثُ أمثالُ
سِرْ في العواصفِ لا تأبهْ لما قالوا
وارحلْ معَ الريحِ فالتَّرحالُ وصّالُ
إنَّ الطريقَ لمن يَخشى المدى سَفَهٌ
ومن يُغامرْ يُلاقِ العِزَّ والآمالُ
كمْ سائرٍ نامَ بينَ الرملِ مُنكسِرًا
وكمْ صبورٍ سمتْ بالخطوِ أفعالُ
لا تَستمدَّ ضياءَ الرأيِ من خَطِرٍ
فالنورُ يُستخرجُ، لا يُهدى ولا يُنالُ
واعلمْ بأنَّ الليالي إن تقلبَتِ
فالصبرُ فيها سلاحٌ ليس يُغتالُ
والحقُّ بحرٌ، وإن ضاقتْ شواطِئُهُ
فالغوصُ فيهِ شجاعةٌ وإقدامُ
لا تَركنَنْ للهوى إن لاحَ مُبتسمًا
فالسمُّ يُخفى، وفي الأكوابِ سكّالُ
وكمْ عدوٍّ أتى في ثوبِ ناصحِهِ
حتى إذا مَكَنَتْ منهُ الأذى نالُ
وكمْ صديقٍ بدا في الضيقِ مُتّكئًا
فإذا الشدائدُ جاءتْ غابَ وارتحلُ
فازنْ رجالَكَ بالميزانِ في زَمَنٍ
فيه الوجوهُ مراياها تُجاملُ
إنَّ المعادنَ لا تُعرَفْ بلمعتِها
حتى تذوبَ، ويُبدي جوهرَ الصالُ
واحرِسْ لسانَكَ، فالألفاظُ قاضيةٌ
كمْ رفعتْ رجلًا، كمْ أَسقطتْ جبّالُ
وإن تعثّرَ خطوكَ يومَ منزلةٍ
فالعثرُ درسٌ، وفي الإصرارِ إكمالُ
لا تَسألنَّ نجاحَ الأمسِ عن غدِهِ
فالغدُ يُكتَبُ، لا يُهدى ولا يُسالُ
وامضِ وحيدًا إذا ضاقتْ بكَ السُّبُلُ
فالصمتُ في بعضِ دربِ المجدِ مِقوالُ
ولا تُضيّعْ يقينَ القلبِ في وَهَنٍ
فاليأسُ لصٌّ، وبيتُ العزمِ مقفالُ
إنَّ الرسائلَ لا تأتيك واضحةً
لكنَّ من صبرَتْ عيناهُ قد نالوا
والنصرُ يولدُ من صمتٍ ومن تعبٍ
ومن دموعٍ بها الأرواحُ تشتالُ
لا تستهنْ بخصيمٍ قلَّ مظهرُهُ
فالنارُ من شررٍ في الأصلِ تشتعالُ
واجعلْ لنفسِكَ خُلُقًا لا تُساومُهُ
فالخلقُ تاجٌ، وسواهُ كلُّه زالُ
وإن وقفتَ على الأطلالِ معتبرًا
فاذكرْ بأنَّ بقاءَ المجدِ أفعالُ
سِرْ في العواصفِ، فالأمواجُ شاهدةٌ
أنَّ السفينَةَ لا تُعطى لمن خالوا
وارحلْ معَ الريحِ، إنَّ الريحَ عارفةٌ
مَن يستحقُّ العُلا، مَن خانَهُ الحالُ
فالعزمُ إن صَدَقَتْ نيرانُهُ قَدَحًا
لانَ الحديدُ، وطاشتْ حولَهُ الجبالُ
والخوفُ إن سكنَ الأرواحَ كاسرُها
والحُرُّ لا يسكنُ الأصفادَ والأغلالُ
هذي قصيدتُنا، والقولُ مختومٌ
بأنَّ دربَ العُلا صبرٌ وآمالُ
سِرْ في العواصفِ لا تأبهْ لما قالوا
وارحلْ معَ الريحِ فالتَّرحالُ وصّالُ
**