انتصار غزة العِــزة؛ الدروس والعبر
الدكتور أحمد الإدريسي
انتصار غزة العِــزة؛ الدروس والعبر.
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
تقديــم:
لم تكن حرب غزة حربا تقليدية بين جيشين، بل هي حرب بين جيش احتلال مدعوم بقوى دولية ضد فصائل مقاومة محاصرة تملك القليل من الإمكانات العسكرية.
وعليه فإن مؤشرات الانتصار تختلف عند كل طرف، ولا يحددها فقط حجم الخسائر البشرية لدى كلا الطرفين، فمن جهة المُحتل يتمثل الانتصار في تحقيق أهداف الحرب الثلاثة التي حددها نتنياهو بنفسه كمعايير للنصر، بينما يتعرف النصر لدى المقاومة من خلال قدرتها على الصمود ومنع الاحتلال من تحقيق أهدافه، ومعايير أخرى إيمانية عقدية. هذه المعايير الي كشفت عن كذبة “الصهيونية الكبرى”، أو “إسرائيل الكبرى”، وكشفت عن أسرار أخرى.
أولا: حرب شرسة على غزة وحركة حماس.
إن التصريحات والتهديدات الإسرائيلية لم تكن من فراغ، إذ رافقتها تحركات عسكرية على الأرض شملت حشد نصف مليون جندي إسرائيلي نظامي واحتياطي بعد ما جرى يوم 7 أكتوبر 2023، بهدف تحقيق ثلاثة أهداف أساسية، وهي:
– الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.
– القضاء على حكم حماس في غزة،
– تفكيك القدرات العسكرية للحركة وسائر فصائل المقاومة في القطاع.
ومن جملة ما عزم علية المحتل، بدعم أمريكي-صهيوني، وبتعاون من المطبعين، ما يلي:
1- تفكيك البنية التحتية للمقاومة:
كان الاحتلال قد أعلن شروعه في تفكيك البنية التحتية للمقاومة، وتدمير بنيتها العسكرية ومنظومات القيادة والسيطرة، متوعدا بقتل كل من شارك في طوفان الأقصى، والقضاء على شبكة الأنفاق الواسعة، وهدم المنازل على جانبيه، بهدف فصل شمال قطاع غزة عن جنوبه. ثم تحرير أسراه من خلال الضغط العسكري، مع عرض المقاومة منذ بداية الحرب بالتفاوض لإجراء عملية تبادل أسرى تشمل كل الأسرى من الجانبين.
2- إعلان شمال غزة منطقة عسكرية مغلقة:
وعلى إثره هذا المقترح طرد من تبقّى من المدنيين والسكان (أكثر من 300 ألف شخص) إلى جنوب القطاع عبر تجويعهم ومنع إدخال أي مساعدات إنسانية، واعتبر كل من يظل في الشمال مقاتلين في المقاومة، وتصفيتهم. وذلك للضغط على حماس لإجبارها على الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، فيما عُرف إعلاميا بـ “خطة الجنرالات”.
3- إقامة حكم عسكري في غزة:
كشفت بعض المصادر أن الاحتلال دفع باتجاه إقامة حكم عسكري في غزة، وأبدى تخوفه من غرق الجيش في حرب استنزاف طويلة في حال المضي قدما في تنفيذ هذه الخطة. وحاول زرع مظاهر الفوضى في غزة، غير أن المقاومة ووجهاء العشائر عملوا على التصدي بحزم لتلك المظاهر وإحباط المخططات الإسرائيلية. كما سعى الاحتلال أن يدفع بعض العائلات في غزة إلى تشكيل إدارة أهلية في مناطق وجودها، والتنسيق معها في إدخال المساعدات وتوزيعها، وهو ما رفضه وجهاء العشائر وكبار العائلات مشترطين التنسيق أولا مع الأجهزة الأمنية بغزة، وهذا موقف رجولي من وجهاء المدينة.
4- بناء رصيف بحري في غزة لتسليم المساعدات الإنسانية:
من أهداف هذا الرصيف سحب ملف توزيع المساعدات من أي جهة فلسطينية من أجل تحقيق قدر أكبر من السيطرة عبر التحكم في توزيع الطعام في القطاع، وتزامن ذلك مع الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لأي مظاهر حكم في غزة لتعزيز حالة الفراغ الإداري والأمني، إذ استهدف جيش الاحتلال عناصر أجهزة الأمن العام والأمن الداخلي ولجان الطوارئ والشرطة بقطاع غزة.
5- محو غزة وتهجير أهلها:
أعلن الاحتلال عن مخططات عدة لمستقبل قطاع غزة، حيث هدد بمحو غزة تماما وتهجير أهلها عن بكرة أبيهم، ومنهم من اقترح “إسقاط قنبلة ذرية على القطاع”، ومنهم من دعا إلى تهجير 10 ألاف فلسطيني لكل دولة من دول العالم، وتعزيز الاستيطان في قطاع غزة وتشجيع هجرة الفلسطينيين منه. ومع كل ذلك فقد فشلت المخططات الإسرائيلية فشلا ذريعا.
ثانيا: انتصار غزة والصمود الأسطوري.
عندما نتحدث عن انتصار غزة فإننا نتحدث عن صمود أسطوري، وعمل وتخطيط وتدبير، وعزة نفس فإن مما أكدت عليه حماس؛ إنه لن يُفرج عن أسرى الاحتلال دون اتفاق تبادل، وتمسكت الحركة بـثلاثة شروط لقبول أي صفقة وهي: عودة السكان لشمال غزة دون استثناء الرجال، والوقف الدائم لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
وكان الأسبوع قبل اعتماد الاتفاق من الأسابيع الدامية لجيش الاحتلال، حيث شهد مقتل أكثر من 15 ضابطا وجنديا وإصابة العشرات، في دلالة على أن الهيكل العسكري لفصائل المقاومة لم يتفكك، وأن عناصرها رغم الحصار وشدة القصف وحجم المجازر ضد المدنيين، لم يرفعوا رايات الاستسلام، ولم يجعلوا الاحتلال يقرّ له قرار على أراضيهم، وجعلوا أيامه نزيفا متواصلا من الخسائر.
ثم انتهت الحرب باتفاق ينص على الانسحاب الإسرائيلي تدريجيا من غزة، بما في ذلك محور نتساريم الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، ومحور فيلادلفيا على الحدود المصرية الفلسطينية، والإفراج عن الأسرى وفق اتفاق تبادل.
وأخيرا فقد كشفت الحرب في غزة عن المعنى الحقيقي للانتصار، فالانتصار لا يعني القدرة على التدمير والقتل؛ فالإبادة وهدم البيوت وتخريب العمران ليست بطولة، وليست نصرا طالما أن الطرف المقاوم صامد ولم ينكسر، ولديه القدرة على التعافي ومواصلة القتال.
ثالثا: دروس مستلهمة من انتصار غزة:
من الدروس المستفادة من هذا الانتصار العظيم، نسجل ما يلي:
1- أن النصر من عند الله:
قال تعالى: “وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”(آل عمران:126)، وقال عز من قائل: “وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(الأنفال:10).
وكم من فئة لا تملك ما يملكها عدوها فنصرها الله عز وجل، حيث رأينا صواريخ قال عنها البعض؛ “عبثية”، في مقابل أعتى أسلحة الدمار، فما أغنت عنهم أسلحتهم التي نصبوها لضرب الإسلام والمسلمين من شيء لما جاء أمر ربك وما زادتهم غير تتبيب.
نعم، هي صواريخ بدائية، لكن الله بارك فيها، وفيمن صنعها، كما بارك في أرضها.
2- لا عزّ ولا كرامة إلا بالجهاد في سبيل الله:
نال المجاهدون هذه العزة، تحقق لهم النصر بسلوكهم درب الجهاد في سبيل الله، فإن الله تعالى ما ذكر ظهور دينه إلا وذكر قبل ذلك وبعده الأمر بالجهاد في سبيله، لأنه؛ سبيل إعزاز الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ”[1].
3- ثمرة الإعداد والأخذ بالأسباب:
أمر الله عز وجل بإعداد القوة، فقال تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ”(الأنفال: 60). فالواجب أن يعد المسلم ما يستطيعه، ويأخذ بالأسباب المتاحة له، مع الصدق مع الله، وحسن الظن به سبحانه.
وقد أعطت المقاومة النموذج الرائع في الأخذ بالأسباب في أدق تفاصيلها, فطورت إمكانياتها بكل ما أتيح لها من علم وإبداع ومواد أولية في ظروف قاسية وقياسية. ومن أمثلة ذلك:
– لم يذق المجاهدون طعم الراحة، حتى في فترات التهدئة، فعملوا ليل نهار، وأعدوا العُدة لمرحلة الحرب، واستجابوا لأمر ربهم.
– اختراق وسائل الإعلام الصهيونية لتوجيه بعض الرسائل للصهاينة بالعبرية عبر قنواتهم التلفزية. كما عززت المقاومة من وسائل رصدها الاستخباراتية فأصبحت أكثر تحصينا عبر كشف العملاء والحفاظ على المؤسسات القيادية بعيدة عن الاختراق.
– الصواريخ التي بلغ مداها أربعين كيلومترا في حرب 2008-2009 تطورت إلى حوالي مائة كيلومتر في حرب 2012 ليصل مداها في الحرب الحالية 2014 إلى أكثر من مائة وعشرين كيلومترا، وأصبحت تغطي كامل فلسطين تقريبا ووضعت ستة ملايين إسرائيلي داخل الملاجئ إضافة إلى تسيير طائرات بدون طيار فوق عدة مدن في أراضي 1948،
4- انتصار الإرادة:
احتضن المقاومةَ، وما يزال، مشروعٌ تربوي وفكري وعملي متكامل، منطلق من الإيمان بالله ناصر المستضعفين والإرادة القوية، وبناء شخصية مؤمنة على أسس؛ الإصرار على انتزاع الحقوق والتصدي للعدوان، والعزة والكرامة وقوة الإرادة، وعلى العمل الجماعي الأخوي وعلى التكافل الأهلي الاجتماعي، وعلى الصبر والتحمل وعدم الرضى بالذل والهوان، مسترشدين بقوله تعالى: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون”(المنافقون:8).
5- اليقين من أسباب النصر:
عَـلِم الله صدقَ هؤلاء المجاهدين، فصدقهم الله بأن نصرهم وأخزى عدوهم، وقد كان المجاهدون يستبشرون بنصر الله بيقين وحسن ظن بالله ناصر المستضعفين، وأنّ الله لا يمكن أن يخذل المجاهدين، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي بشر سراقة بسواري كسرى وهو مطارد في الهجرة، وقال عليه السلام قبل أن تبدأ المعركة في غزوة بدر: “لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم”، كما بشر بفتح الشام وفارس وهو محاصر في الأحزاب.
خاتمة:
إن المقاومة في قطاع غزة تفري[2] فري سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عندما قال عليه السلام: “فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه”[3].
فالأمة في حاجة إلى تأخذ الدرس من هؤلاء المجاهدين الذين كانوا؛ أوفياء أقوياء أمناء يغلبون جانب العمل والإنجاز والفعل في الواقع بعد إحكام التفكير والتداول والتخطيط اللازم على جوانب كثرة الجدل واللوم، والتفريعات المملة التي أنهكت الأمة وضيعت لها أوقاتا طويلة.
ونحن على يقين تام أن الفتح قريب بإذن الله، وأنه ستبقى في الأمة طائفة ظاهرة على الحق؛ ينصرون دين الله تعالى ويعيدون لها مجدها وكرامتها وعزتها. فقد أخبرنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم على أنه لا سبيل للقضاء على المجاهدين؛ قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَال: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”)[4].
والحمد لله الذي بعمته تتم الصالحات.
[1] – رواه الإمام أبو داود في سننه.
[2] – يفري أي؛ يعمل العمل بجد وإتقان كبيرين.
[3] – رواه الإمام البخاري في صحيحه.
[4] – رواه الإمام أحمد في مسنده.