منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تحقيق عنوان كتاب ابن حزم ” الفصل في الملل والاهواء والنحل”

0
اشترك في النشرة البريدية

على سبيل التقديم:

تعتبر المرحلة التحقيقية من أهم مراحل البحث العلمي التي يسعى الباحث من خلالها إلى تحقيق النّص المراد دراسته متنا وسندا، فزيادة حرف أو نقصانه، أو زيادة كلمة أو نقصانها، أو تغيير حركة إعرابية يعطي النّصَّ معنى غير المراد منه مما يؤثر عليه معنى ومبنى، فيصير بعيدا كل البعد عما أراد به صاحبه. ومعلوم أن الأصول الأربعة لتحقيق أي نصّ هي: تحقيق العنوان و اسم المؤلف و صحة نسبة الكتاب إليه، ثم تحقيق متن الكتاب.
لقد اجتهد جلّ الباحثين والمحققين في الاشتغال بالأصل الرابع المتعلق بالمتن، ولم يولوا اهتماما كبيرا للأصل الأول، ألا وهو العنوان. فكثيرة هي الكتب المحققة لم يُنتبه إلى عنوانها؛ أي لم يتمّ الانتباه إلى صحة نسبة العنوان إلى صاحبه، ربما بسبب اشتغال المحققين بمتن الكتب أكثر من اهتمامهم بتحقيق العناوين نفسها، وقد يكتفي بعض المحققين بذكرِ العنوان في بعض كتب السير والتراجم فيعتمدوا على ذلك كحجة كافية لوحدها، لنسبة الكتاب لصاحبه.
وإذا كانت العناوين في عصرنا مختصرة، فإن هذا الأمر لم يكن كذلك في كتب التراث، حيث يتألف من عدة جمل قد يستحيل معها التشابه مع عناوين أخرى، خصوصا في العصر نفسه، فتجد العنوان جامعا لموضوع البحث، على سبيل المثال لا الحصر؛ “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” للبخاري، و”كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” لابن خلدون.
وإن من أهم المؤلفات التي لم يُختلف في نسبتها لصاحبها، والتي تحمل هذه الصفة – فكرة عامة عن المحتوى – كتاب “الفصل بين الملل والأهواء والنحل” لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت456ه)، لكن اختلف في تحقيق عنوانه، حتى شاع لفظ دون آخر، فمن الباحثين من يستعمل لفظة الفِصَل بكسر الفاء وفتح الصاد، ومنهم من يستعمل لفظة الفَصْل بفتح الفاء وتسكين الصاد.
سأتناول ملاحظاتي حول عنوان كتاب ابن حزم المشار إليه آنفا، انطلاقا من نقطتين أولهما معاني لفظة ” الفصل” ودلالاتها، وثانيهما دواعي الاختلاف حول كلمة الفصل الواردة في العنوان، ومستندات كل صيغة (الفصل_بالكسر_ أو الفصل_ بالفتح_).

-1 – تحديد مفاهيمي:

يجدر بنا للكشف عن أصل الاختلاف حول اللفظة الأساسية في عنوان كتاب ابن حزم المشار إليه أعلاه، البحث في جذر كلمة الفصل في اللغة و اشتقاقاتها، ثم معانيها في النص القرآني، لكي يسهل على الباحث فهم ترجيحات كل فريق، واستعماله للفظة الفصل سواء بالكسر أو بالفتح.

1-1 الفصلة و الفسيلة والفصل:

المزيد من المشاركات
1 من 30

ورد في القاموس المحيط ما يلي: الفَصلة هي النخلة المنقولة، وقد افتصلها عن موضعها .
و الفسيلة: الفاء والسين واللام أصل صحيح يدل على ضعف وقلة، ومنه الفسيل: صغار النخل . الفسيلة والفسيل: الوَدُيٌ، وهو صغار النخل، والجمع الفُسلانُ. وجاء في الفَسيلَةُ: النخلة الصغيرة، جمعها: فَسائلُ وفَسيلٌ وفُسْلانٌ. وأَفْسَلَها: انتزعها من أمها واغترسها .
أما الفَصل: الفاء والصاد واللام كلمة صحيحة تدل على تميز الشيء من الشيء وإبانته عنه . وفي تاج الصحاح تعريف لفظة فصل: الفَصِلُ واحد الفصول. وفَصَلِتُ الشيء فانفصل، أي: قطعته فانقطع .

1-2 لفظة “فصل” في القرآن الكريم:

جاءت لفظة “فصل” في القرآن الكريم في اثني عشر موضعا مختلفة المعنى بحسب السياق، وما يهم هنا هو ما جاء سياقه في معنى القطع بين الحق والباطل، يقول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾[الحج: 17].
أي يقضي بينهم، فيدخل المؤمنين منهم الجنة، والكافرين منهم النار، وقيل الفصل هو أن يميز المحق من المبطل . وهناك آية أخرى في مثل هذا السياق وهي الآية 114 من سورة الأنعام، يقول عز وجل: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: 115]، أي: مبينا واضحا مستوفيا لكل قضية على التفصيل .
وإلى هذا ذهب ابن حزم – رحمه الله – لما قال في بداية كتابه: ” وبالغنا فِي بَيَان اللَّفْظ وَترك التعقيد” .
وتوقف عدد من الباحثين في هذه المسألة، ولم يبدوا رأيهم، واكتفى بعضهم بإيراد أدلة كل فريق مع التوقف في إبداء الحكم، حيث ذكروا أن العبرة بما جاء في الكتاب من علوم جمة، وليس بتحقيق اسمه أهو بالكسر أم بالفتح.
ومن بينهم الباحث عدنان المقراني في كتابه “نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي” ، حيث أورد أدلة كل فريق دون أن يرجح بينها، ويضيف أن لكلا التسميتين مسوغات موضوعية مقبولة، وأن التسمية بالكسرة اختارها أصحابها انطلاقا من نظرتهم للكتاب نظرة خارجية، ومن اختار الكلمة بالفتح فهو ينطلق من نظرة داخلية أي فحوى الكتاب. ويميل الباحث إلى القول بالكسر وإن لم يعلنها صراحة لتفصيله في مسألة كتابة الكتاب في فترات متباعدة، ومما يؤاخذعليه أنه لم يرجع إلى الأصل اللغوي، والذي يعتبر الفَيصل في مثل هذه الخلافات.

2- مسوغات اختيار الكلمة بالكسر أو بالفتح:

2-1 القول الأول: الفصل بالكسر:

أثبت هذا القول أبو زهرة رحمه الله – ومعه مجموعة من الباحثين- بقوله: “هو عدة رسائل قد كتبها، وكل رسالة في جملتها بحث قائم بذاته، وقد بدا له أن يجمع هذه الرسائل في كتاب فجمعها وأعطاها ذلك الاسم الذي يدل على أصله، وهو الفِصَل، فإنه جمع لفِصْلة، وهي في معناها قطعة منقولة إلى موضع غير الموضع الذي كانت فيه، كالنخلة المنقولة من مكان إلى مكان، فهي رسائل مفردة نقلت إلى ذلك المجموع، فكان منها ذلك الكتاب الذي يسمى بذلك الاسم مشيرا إلى أصله” .
وجاء مِن بعده مَن أخذ قوله، فانتشرت التسمية بين طلاب العلم دون معرفة القصد منها، حتى أننا نجد في صفحة الغلاف في الطبعة الأولى للكتاب طبعة مصر سنة 1917م، شرحا للعنوان وهو ( الفصل بكسر ففتح جمع فصلة فسكون كقصعة وقصع النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر) وهي الطبعة المشهورة بطبعة مكتبة الخانجي بمصر، وكل من جاء بعده أخذ هذه الصفة للعنوان واحتج بها مسندا القول إلى أبي زهرة باعتباره من الأوائل الذين اشتغلوا على ابن حزم في عصرنا الحاضر.
ومن بين الدلائل التي يعتمدها أصحاب هذا القول؛ أي القول بكسر الفاء، ما جاء في كلام ابن حزم نفسه حيث سرد ما نصه: “فجمعنا كتَابنَا هَذَا مَعَ استخارتنا الله عز وَجل فِي جمعه وقصدنا بِهِ قصد إِيرَاد الْبَرَاهِين المنتجة عَن الْمُقدمَات الحسية أَو الراجعة إِلَى الحس من قرب أَو من بعد على حسب قيام الْبَرَاهِين الَّتِي لا تخون أصلا مخرجة إِلى مَا أخرجت لَهُ، وَألا يَصح مِنْهُ إِلاّ مَا صححت الْبَرَاهِين الْمَذْكُورَة فَقَط، إِذْ لَيْسَ الْحق إِلاّ ذَلِك، وبالغنا فِي بَيَان اللَّفْظ وَترك التعقيد” .
وهناك أمر آخر دأب عليه العلماء المسلمون في وضع العناوين لكتبهم، وهو مسألة السجع في العنوان فالفِصل بكسر الفاء تنطبق مع آخر كلمة في العنوان وهي الملل، لذا قالوا بأن الصواب هو الفِصل بكسر الفاء، فالسجع يكسب العبارة حلاوة تساعد على سهولة نطقه وذيوع الاصطلاح بين الناس.

2-2 القول الثاني: الفصل بالفتح:

من بين أوائل الباحثين الذين رجحوا هذا القول الباحث محمود علي حماية في كتابه “ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان” حيث أورد ست أدلة يرجح من خلالها القول بالفتح وليس بالكسر، فقد ركز كثيرا على الدليل اللغوي وقسّمه إلى ثلاثة أدلة، وفي الدليل الرابع تطرق إلى مسألة الجمع وأنها لا تدل على أنه كان متفرقا، كما أنه يستبعد مسألة السجع في العنوان وأن كتب ابن حزم لا ينطبق عليها السجع في العنوان دائما، فتارة تكون مسجوعة، وتارة تكون مهملة.
أما الدليل الخامس فقد استنبطه من المقدمة، وأن ابن حزم لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى هذه المسألة، ليختم بدليل سادس جعله خاصا بعلم ابن حزم باللغة وأنه من غير المعقول أن يلحن في عنوان كتابه .
أصحاب هذا القول الأخير -أي بالفتح – يُرجعونه إلى موضوع الكتاب ومنهج صاحبه في كل مؤلفاته، سواء في الفقه، أو في الأصول، أو في العقيدة، فهو يورد الأقوال ثم يَفصل بينها بالحق الذي يراه حسب اجتهاده -رحمه الله-، فالكتاب لا يكتفي بالعرض والوصف، إنما يورد انتقاداته لتلك العقائد مبيّنا ما فيها من التناقض والكذب، وموضحا الحق من الباطل. وقد رجَّح هذا القول كثير من الباحثين.

2-3 تحقيق القول الفصل في لفظة ” الفصل”:

أولا:
من المستبعد ألا يأخذ ابن حزم بعين الاعتبار الفروق اللغوية للفظة الفصل، وهو الذي يَعتبِر اللغة أحد الأسس في تفسير القرآن الكريم حيث قال: “لا يجوز أن يفسر كلام الله تعالى إلا بكلامه أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو بلغة العرب التي أخبر الله تعالى أنه أنزل بها القرآن” .
وقد قال عنه صاعد الأندلسي: “ولأبي محمد بعدها تصنيف وافر في علم النحو واللغة، وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة” . وله مؤلفات في هذا الباب منها: “«بيان الفصاحة والبلاغة» و«شيء في العروض» و»الضاد والظاء»” .
وينقل لنا ما يجب على طالب العلم مطالعته من الكتب ليستطيع فهم الإسلام فهما جيدا، حيثُ قال رحمه الله: “والذي يجب على طالب العلم أن لا يقتصر على أقل منه من النحو، بمعرفة ما يمر من القرآن والسنة من الإعراب، ويكفي من ذلك كتاب الواضح أو كتاب الزجاجي ، فإن زاد وأوغل حتى يحكم كتاب سيبويه وما جرى مجراه فقد أحسن، وذلك زيادة في فضله وأجره. وأما من اللغة فمثل ذلك أيضا، ويجزئ عنه منه الغريب المصنف لأبي عبيد، فإن زاد وأوغل واستكثر من دواوين اللغة فقد أحسن وأُجر” .
وقد تطرق إلى هذا الموضوع – تعلم اللغة – بشكل مستفيض في رسالته مراتب العلوم ضمن رسائل ابن حزم التي أخرجها إحسان عباس، وبين الحد الأدنى من تعلم هذا العلم.
فلا يُعقل لمن بلغ هذا المبلغ في علم اللغة، واطّلع على أمهات الكتب أن يخفى عليه مثل هذا، بل وفي الأندلس حيث كان معرضا -رحمه الله- للنقد أكثر من غيره.
ثانيا:
بالنظر إلى منهج ابن حزم القائم على عرض مقالات الفرق وأصحاب الملل ثم الرد عليها ببيان عوارها، حيث يَفصِل بينها مبينا أنها باطل وما جاء به هو الحق، فأكثر المناهج اعتمادا في الموسوعة هو المنهج النقدي الذي يظهر بشكلٍ جليّ طيلة فصولها، حيث يورد أقوال المخالفين سواء من أصحاب الملل أو النحل بأدلتها ومن مصادرهم المعتمدة، ثم يورد قوله مبتدئا بـ: قال أبو محمد، وعليه يكون المعنى هو الفَصل بين الحق والباطل، وهذا هو تعريف كلمة الفَصل بالفتح كما تقدم عند ابن فارس في “مقاييس اللغة”، وابن منظور في لسان العرب.
ثالثا:
يُردُّ على القائلين بالكسر أن ابن حزم وإن كانت موسوعته كتبت في أزمنة متفرقة كما هو واضح في نصها، فإنه لم يُشِر لجمعه لنصوصها المتفرقة. وأقصى ما يمكن أن يَحتج به أصحاب مقولة الفِصل بالكسر؛ من أن الكتاب كتب في فترة طويلة وعلى فترات متفرقة،( أي ما بين 418هـ و440هـ ، أو ما بين 418هـ و450هـ أي ما يقارب الثلاثين عاما) .
كذلك ما أورده ابن حزم في موسوعته حيث قال: “فجمعنا كتَابنَا هَذَا مَعَ استخارتنا الله عز وَجل فِي جمعه، وقصدنا بِهِ قصد إِيرَاد الْبَرَاهِين المنتجة عَن الْمُقدمَات الحسية أَو الراجعة إِلَى الْحس من قرب أَو من بعد، على حسب قيام الْبَرَاهِين الَّتِي لَا تخون أصلا مخرجها إِلَى مَا أخرجت لَهُ، وَألا يَصح مِنْهُ إِلَّا مَا صححت الْبَرَاهِين الْمَذْكُورَة فَقَط، إِذْ لَيْسَ الْحق إِلَّا ذَلِك، وبالغنا فِي بَيَان اللَّفْظ وَترك التعقيد راجين من الله تَعَالَى على ذَلِك الْأجر الجزيل، وَهُوَ تَعَالَى ولي من تولاه ومعطي من استعطاه، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل” .
أما مسألة كتابة الكتاب على فترات متفرقة وفي مدة زمنية ناهزت ثلاثين سنة، فهناك عدد من الكتب التي ألفت على فترات طويلة.
أما لفظة – جمعنا – فإنها لا تدل على أنه كان مُفرّقا بالمعنى الذي ذهب إليه أصحاب القول بكسر الفاء – هذا إذا تجاوزنا الدليل اللغوي –، لأن اللفظة “جمعنا كتابنا هذا” يستعملها القدامى بمعنى أخرجنا، وألفنا، وكل المؤلفات يقال عليها جمعنا، فهي بمعنى جمعنا معلومات كتابنا هذا، وجمعنا مسائله، كما أن المعنى اللغوي لألف هو جمع.
جاء في تكملة المعاجم العربية في لفظة “جمع”: بمعنى ضم وألف، وجمع بين وبين: خلط وخرج أشياء متنوعة، وتعني أيضا: واجه الشهود بعضهم ببعض وقايس بين أقوالهم .
وقد أورد الإمام أبو محمد في مقدمة كتابه الإحكام في أصول الأحكام ما يدل على كتاب الفَصل، كتابٌ مؤلف لذاته وليس كتابا تمَّ جمعه من كتابات متفرقة، حيث قال رحمه الله: “وكتبنا أيضا كتابنا الموسوم بالفصل، فبينا فيه صواب ما اختلف الناس فيه من الملل والنحل بالبراهين التي أثبتنا جملها في كتاب التقريب. ولم ندع بتوفيق الله عز وجل لنا للشك في شيء من ذلك مساغا، والحمد لله كثيرا، ثم جمعنا كتابنا هذا وقصدنا فيه بيان الجمل (في مراد الله عز وجل منا) فيما كلفناه من العبادات، والحُكم بين الناس بالبراهين التي احكمناها في الكتاب المذكور آنفا” .
وجاء في مقدمة الشفا للقاضي عياض ما يدل على أن الجمع في عرف الأقدمين يعني التأليف ما لم تكن قرينة تصرفه عن المعنى المغاير، وهذا واضح في قوله: ” فإنك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر؟ وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال وأبينه بتنزيل صور وأمثال” . وبعده يفسر الجمع هذا بقوله: “وهذا القسم – أكرمك الله – هو سر الكتاب، والمنجز من غرض هذا التأليف وعده. ”
وقد استعمل الملا علي القاري الهروي الحنفي المتوفى سنة 1014ه هذا المعنى – جمعنا بمعنى ألفنا – في كتابه شرح الشفا للقاضي عياض وفيه: “… (بل ألّفناه) بتشديد اللام أي جمعنا كتابنا هذا (لأهل ملّته) أي لأهل إجابة دينه وشريعته من أمته” .
يستعمل ابن الجوزي هذا اللفظ بمعنى التأليف، قال في معرض حديثه عن أقسام الموضوعات: ” وأما القسم الخامس: فقد جمعت لكم جمهوره في كتابي المسمى ” بالعلل المتناهية في الأحاديث الواهية ” وقد جردت لكفي ذلك الكتاب” .
وفي كتاب «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت911هـ) ننقل ما نصه: “وفي هذا جمع الكتاب المسمى بالعلل المتناهية في الاحاديث الواهية السادس الموضوعات المقطوع بأنها كذب فتارة تكون موضوعة في نفسها وتارة توضع على النبي وهي كلام غيره وفي هذا القسم جمعنا كتابنا الموضوعات هذا كله كلام ابن الجوزي رحمه الله تعالى”
رابعا:
يعد هذا الدليل من أقوى الأدلة بعد الدليل اللغوي المشار إليه سابقا، وهو ما نقله المؤرخان المغربيان ابن حيان والمقرّي، فقد أورد صاحب الذخيرة نقلا عن ابن حيان قوله: “ولهذا الشيخ أبي محمد مع اليهود لعنهم الله ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الاسلام؛ مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة. وله مصنفات في ذلك معروفة من أشهرها في علم الجدل: كتابه المسمى: كتاب الفَصل بين أهل الآراء والنحل” . وكذلك المقرّي في نفح الطيب يقول: “ومن جملة تآليفه كتاب « الفَصل بين أهل الأهواء والنحل »” .

على سبيل الختم:

إذن، فبعد تتبع الأصل اللغوي للفظة “الفصل” من كتب اللغة المعتمدة، ومن خلال الأدلة التي قمت بسردها آنفا، بما فيها نَصّيْ الحميدي الذي نقله عن ابن حيان، و المقري العارف بالتاريخ الأدبي والعلمي للأندلس، أقول: إن الصواب في عنوان موسوعة ابن حزم هو: “الفَصل بين أهل الأهواء والنحل”، أو “الفَصل بين أهل الآراء والنحل”، أو “الفَصل بين الملل والأهواء والنحل”، وذلك بفتح الفاء وتسكين الصاد.
والله أعلى وأعلم.


المراجع:

1- أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت398هـ): “الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية مرتبا ترتيبا ألفبائيا وفق أوائل الحروف”، راجعه وعلق عليه محمد محمد تامر، أنس محمد الشامي، زكريا جابر أحمد. دار الحديث القاهرة 2009م.
2- الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170ه): “كتاب العين مرتبا على حروف المعجم “. ترتيب وتحقيق د. عبد الحميد هنداوي. دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 2003.
3- ابن فارس ” مقاييس اللغة ” تحقيق عبد السلام محمد هارون. دار الكتب العلمية.
4- الشريف حاتم بن عارف العوني: “العنوان الصحيح للكتاب تعريفه وأهميته وسائل معرفته وأحكامه، أمثلة للأخطاء فيه” دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1419هـ.
5- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: “القاموس المحيط”، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، الطبعة الثانية 2005.
6- ” الإبانة” مجلة يصدرها مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية التابع للرابطة المحمدية للعلماء. العدد الأول يونيو 2013م.
7- أبو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري “الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” تقديم أحمد محمد شاكر، ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة ألفا للنشر والتوزيع الطبعة الثانية، 2011م.
8- عبد الرحمن بن خلدون (ت808ه). “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” دار الكتب العلمية الطبعة الثالثة 2006م.
9- حافا لازاروس يافييه “الإسلام ونقد العهد القديم في العصر الوسيط” د. ترجمة محمد طه عبد الحميد، مركز الدراسات الشرقية الطبعة الأولى2008.
10- محمد أبو زهرة “ابن حزم حياته وعصره وفقهه “، دار الفكر العربي، 1996.
11- بهاء الدين عبد الرحمن بن عقيل (769ه). “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
12- ابن حزم “المحلى بالآثار”، تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2003.
13- صاعد الأندلسي (462هـ)، “طبقات الأمم” ذيل حواشيه الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين بيروت 1912م.
14- الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، تحقيق شعيب الارنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1984.
15- ابن حزم “رسالة التلخيص لوجوه التخليص” ضمن رسائل ابن حزم التي أخرجها إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، الطبعة الثانية، 2007.
16- ابن بسام الشنتريني (542هـ) “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة” المدينة المنورة، الطبعة الأولى: 1966،
17- أحمد بن محمد المقري التلمساني: “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب”، أحمد من محمد المقري التلمساني، تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت 1968.
18- سمير القدوري “كتاب الفصل في الملل والآراء والنحل لابن حزم بين تاريخ النص وتحقيقه”، جامعة ليدن 2013.
19- عبد السلام طويلة “توراة اليهود وابن حزم الأندلسي”، دار القلم، دمشق، 2003.
20- مجيد خلف منشد ” ابن حزم الأندلسي ومنهجه في دراسة العقائد والفرق الإسلامية” 2002م.
21- إسماعيل باشا البغدادي “هدية العارفين أسماء المؤلفين آثار المصنفين”، اسطنبول 1951م.
22- محمود علي حماية “ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان”، دار المعارف الطبعة الأولى، 1983م،
23- فريد الأنصاري ” أبجديات البحث في العلوم الشرعية محاولة في التأصيل المنهجي ضوابط، مناهج، تقنيات، آفاق ” منشورات الفرقان الطبعة الأولى الدار البيضاء 1997.
24- حسن عز الدين الجمل، ” معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن “، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية 2007.
25- عدنان المقراني، ” نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي ” المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الطبعة الأولى 2008.
26- رينارت دوزي ” تكملة المعاجم العربية ” ترجمة محمد سليم النعيمي، وزارة الثقافة والاعلام دار الرشيد للنشر الجمهورية العراقية 1980.
27- ابن حزم:” الإحكام في أصول الأحكام” قدم له إحسان عباس وقد قابل النسخة مع النسخة التي حققها الشيخ أحمد محمد شاكر، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت.
28- القاضي عياض ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” تقديم وتحقيق طه عبد الرؤوف سعد. خالد بن محمد بن عثمان، مكتبة الصفا، الطبعة الاولى 2002
29- الملا علي القاري الهروي الحنفي (1014ه): “شرح الشفا للقاضي عياض ” ضبطه وصححه عبد الله محمد الخليلي. منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية لبنان الطبعة الاولى 2001.
30- أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي (597ه) ” كتاب الموضوعات ” تقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر محمد عبد المحسن، المكتبة السلفية.
31- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (911ه)، تخريج وتعليق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية لبنان الطبعة الاولى.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.