منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوعي الوحدوي وأثره في تكوين الشخصية المسلمة

الوعي الوحدوي وأثره في تكوين الشخصية المسلمة/عبد الإله الزربة

0

الوعي الوحدوي وأثره في تكوين الشخصية المسلمة

بقلم: عبدالإله الزربة

     قليل هي المرات التي لا يثار فيها موضوع أهمية طرح السؤال عند الباحثين في لقاءاتهم ومنتدياتهم وحواراتهم، لكنهم في المقابل لا يبرحوا ينتقلون من القول إلى الفعل إلا بمشقة إن هي حصلت!! وهذا الانتقال في تقديري لا يحصل إلا عند قلة من الباحثين الذين أدركوا أهمية طرح الأسئلة في اكتساب المعرفة، مع محاولة تطويرها واختبارها، والدفع بها نحو الأمام؛ لإيجاد حلول للقضايا التي تعيشها البشرية والمشكلات التي تواجهها وتهجم عليها.

 لعل أهم التساؤلات الداخلية التي أجدها تراودني كثيرا والمتعلقة بمسألة أعتبرها غاية في الأهمية تلك التي تسائل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والثقافات المحلية؟

وهل المسلم الأفريقي والمسلم الغربي يشعران بنفس الانتماء الذي يستشعره المسلم العربي؟

وأين تجلت مظاهر الوحدة في الثقافة الإسلامية؟

لا أخفيكم سرا أن هذه المسألة تحتاج إلى بحث عميق وفكر صاف وتجرد في الطرح والنقاش؛ لما للإجابة عن إشكالاتها من نتائج ستعيد ترتيب ذهنية المسلم ابتداء وتدفعه إلى تمثل ذلك ممارسة وتعطي للغير وضوحا وبيانا في المسألة.

وإذا كان الأمر يحتاج إلى عمق وبحث طويل وشاق في نفس الوقت، فهذا لا يعني التوقف  وعدم محاولة الحفر الجزئي  في المسألة، والإجابة في  هذه الأسطر على بعض القضايا المكونة للإشكال، على أن أعود للموضوع في قادم المناسبات بحول الله تعالى.

بداية لابد وأن أهمس في أذن القارئ من أن السياق الذي تعيشه الأمة الإسلامية يستدعي منا أن نطرح أسئلة من هذا القبيل، ذلك أن الواقع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية ولا أحتاج إلى وصفه وتقريبه لأنه  أصبح  من قبيل الأرض تحتنا والسماء فوقنا، هذا الواقع الذي تكالب فيه الجميع  على  الأمة الإسلامية من عدة نواح سياسية، واقتصادية، واجتماعية وفكرية ..،  يتطلب منا الوعي بأهمية الوحدة وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة رغم اختلاف الجنسيات والأعراق وأن الجامع واحد.

لقد أصبح من الواجب اليوم على المسلم أن يشعر مختارا بارتباطه الوثيق للحضارة الإسلامية، لأن هذا الشعور الأخوي بين المسلمين في كل الأمكنة هو الذي يستمد منه الشعور بالكرامة في الدنيا والطمأنينة والأمن في الدار الآخرة.

هذا الشعور هو الذي يؤسس للمسلم بأن ما يجمعه بأخيه المسلم فهو أكثر  مما يفرقه، ولعلنا ننظر إلى مسألة الوحدة الشعورية بهذا الاعتبار، أعني بذلك الارتباط الروحي بين جميع المسلمين في شتى بقاع الدنيا بغض النظر عن  قومياتهم، لأن النظر إلى هذا المعطى هو الذي يفسر كيف لمسلم أفريقيا أن يتضامن مع مسلم آسيا وكيف لمسلم أوربا أن يساند مسلم آسيا، وكيف لمسلم شمال أفريقيا أن يدافع عن قضايا  مسلم آسيا، وكيف لمسلم أمريكا اللاتينية أن يهتف بعدالة قضايا مسلمي آسيا، وكيف لمسلم آسيا أن يفرح باستقبال مسلمي العالم، هذا الشعور بالوحدة الروحية هو الذي يجعلنا نقرر أن الحضارة الإسلامية هي حضارة تربط بين المنتمين لها روحيا قبل كل شيء، وهو ما يفسر التماسك القوي بين المسلمين رغم  بعد المسافات واختلاف المنابع والعقليات، والأفكار والأيديولوجيات، ولا شيء يفسر من الحركة والفعل والمساندة التي يقوم بها  المسلم إلا هذا التفسير.

لقد استطاع الإسلام بما هو الدين الحق أن يجعل من مسألة التنوع مصدر قوة لأفراده لا مسألة تزايدات بينهم، والتجربة أصدق شاهد كما يقال، لكن قبل أن ننظر إلى الواقع الذي برهن على ذلك التعايش الفريد والارتباط المحكم، يحسن بنا أن نسوق جملة من النصوص الشرعية التي دلت على ذلك وأسست له:

  • قال الله تعالى:وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣آل عمران.الآية 103.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة.

وقال ابن عاشور رحمه الله في تفسيره: … وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء.

  • قال الله تعالى: إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ الحجرات.الآية10.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: أي في الدين والحُرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب.

  • قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥آل عمران.الآية 105.

والآية تحذر من الخلاف المبني على الهوى لأن نتيجته التفرقة، وهو وبال على الفرد والمجتمع.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية: ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم.

  • قال الله تعالى:وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١ التوبة.الآية 71.

قال الشوكاني رحمه في تفسيره: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ أي قلوبهم متحدة في التوادد، والتحابب، والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله.

تلك بعض الآيات الدالة على  أهمية الوحدة، ومن الأحاديث النبوية الشريفة المؤكدة على الوحدة بين المسلمين ونبذ الفرقة ما رواه علماء الحديث في مدوناتهم الحديثية:

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا .متفق عليه.
  • قال صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. رواه مسلم.
  • قال صلى الله عليه وسلم: المسلمون تتكافؤ دماؤهم وهم يد على من سواهم. رواه أبو داود.

بعد هذا التأسيس النظري للمسألة في ذهنية المسلم اقتضى الأمر التعدية  إلى جانبه التطبيقي،  على اعتبار أن الإسلام عقيدة وشريعة بخلاف النظريات الأخرى التي توقفت عند  التنظير،

قررنا قبلُ بأن الأمر لم يبق حبيس آيات القرآن الكريم،  وقول  الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, بل صار الأمر واقعا عمليا لدى  الجيل  القرآني، ذلك أننا رأينا في مرحلة تأسيس الدولة  توجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم فقد رأينا  أن  عمر بن الخطاب رضي الله عنه العربي و بلالا رضي الله عنه الحبشي  وصهيبا  رضي الله عنه الرومي كلهم جسدوا نموذج المسلم القوي المعتز بإسلامه وانتمائه  المتكامل في فكره   وسلوكه  بغض النظر عن أصله العرقي، فقد انخرطوا  رضي الله عنهم في الدفاع عن الوحدة  الإسلامية،  باعتبارها  الأصل الجامع لكل الفروع الأخرى  وهم  الذين  تلقوها من السماء  آيات  تتنزل، وأخذوها من الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا.

كما يمكن النظر إلى هذه المسألة من  زاوية  أخرى، أعني زاوية الفقه فمن شعائر الإسلام بل ركن من أركانه الحج، فهو يمثل  كغيره من العبادات الأخرى  ( الصلاة ، الزكاة، الصوم…) تجليا من تجليات الوحدة، ففيه تذوب الثنائيات، وتتوحد فيه الوحدة الشاملة المعتبرة لكل الخصوصيات والثقافات في منظر فريد وطابع شمولي.

    إن الناظر إلى ذلك اللقاء الرباني السنوي المنظم، المزركش بألوان من الجمال والجلال، يرى انسجاما تاما يجعله يتبصر عمق هذا الدين ليدرك حقيقة الوحدة،فهو يرى أشكالا يعجز الواصف عدها والدارس حصرها، إنه يرى وحدة المقصد والحركة والفعل واللغة بل وحتى الشعور، مما  يجعله يقر بأن دين الإسلام هو الوحيد الذي له القدرة على بناء حضارة الإنسان مع الحفاظ على خصوصيات الإنسان.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.