قراءة في رواية الشوك والقرنفل ليحي السنوار (الجزء الأول)
الأستاذ عبد الرحيم زايد
قراءة في رواية الشوك والقرنفل ليحي السنوار (الجزء الأول)
بقلم: الأستاذ عبد الرحيم زايد
تقديم ….
أما قبل .. يا ليتني كنت حرا في سجون الناصرة ..!!
فالحرية، وعي ضرورة، ولذلك يكون السجين أكثر حرية من السجان،. ومرة ردد أمامي أسير محرر عتيق قائلا بهمس حنين ما!: .. طوال فترة سجني، وكلما بدلوا باب الحديد، كنت أبتسم وأقول: الباب للسجان، ووراءهُ أنا الإنسان ..!!
فلعل من الحالات التي تخرج فيها بواطن النفس الإنسانية وتكون في أنبل حالاتها، هي حالة السجين. ومرة سئل عمر المختار وهو مقيد في سجنه، وقد أراد الوضوء: هل تزعجك القيود!؟ .. أبتسم وقال: هي خيارنا، وليست بحد ذاتها مزعجة، ولكنها واقع مزعج، تماما كأحتلالكم لبلادنا..!!
وجدتني مضطرا إلى البدأ من هنا كلاما.. ومن (غزة) مكانا ..للحديث عن (رواية الشوك والقرنفل) ليحيى السن. وار. إبن عزة ..
وغزة مدينة البحر التي تتبدل من حال إلى حال!، تنتقل من النقيض إلى النقيض بكل سلاسة وتغير مكياجها كلما رغبت!، غزة مدينة اللاجئين!، ويحتار الوصف فيها كلما أقتربت من حالة مدن البحر التي تفر من نقيضها إلى نقيضها، صاخبة، هادئة، متفجرة، ناعسة!، .. تلبس العباءة القومية، وتبدل ملابسها متحررة باليسار!، مدينة حياة وبحر، إلى مدينة عسكرية!، ترتدي كوفيتها اليمانية(الفلسطينية) مع ثورتها الخاصة، ثم تستبدلها بالدين.. ومع كل هذا وذاك، لا تجد فيها أي تناقض!، فليست غزة كغيرها من مدن الأرض الساحلية، مصنع ثورات نعم،ولكنها أيضا كوميديا حياة..!! وهكذا رصدتها الرواية بمصداقية بريئة، وأضافت..
وغزة اللاجئين، هي غزة القضية، والتي تبدأ من أسئلة كثيرة، والكثير منها عصي على الفهم، تبدأ من قصة الذاكرة والمفتاح.. غزة الأنسان، في ضعفه وقوته.. فالإنسان، يبقى إنسانا..
فحين يورثنا أجدادنا وآبائنا مفاتيح بيوتهم التي هُجِّروا منها، (وقوشان وحجج أراضيهم) وكأنهم يمنحوننا ميراث نفيس سيغنينا إلى الأبد..!!، وهم في الحقيقة لا يورثوننا مع تلك( الأوهام أو الأحلام، أو الأيمان)، سوى خيباتهم وأحزانهم وإنكساراتهم وهزائمهم، فيثقلون كواهلنا بها، ويجعلوننا ننوء بحملها تحت بيوت الصفيح في (المخيمات).. والمخيمات تكون هي وحدها الحقيقة والواقع الوحيد الذي ورثناهُ عنهم…. (أوروثنا المخيم- وليس مفاتيح بيوتنا في فلسطين).
فتنزعُ نفوسنا إلى الهرب، إلى قطع الحواجز والأسلاك، وأولها الحواجز التي صُنعت في دواخلنا.. ولعلنا ننزع لتهريب أفكارنا، وأسئلتنا الصعبة، على شكل (نسيج، أ مجسم لقبة الصخرة من خرز، أو حتى لفافات أوراق الأدب من داخل السجن إلى خارجة!، أو من خارج السجن الى داخلة!. ذلك قبل أن نفر بأنفسنا نحو الحرية التي نمت معنا ..!!..
فهل تذكرون (تحت أعواد المشنقة) ليوليوس فوتشيك!؟…. لعل رواية يحيى السن. وار التي كتبت على 350 ورقة صفراء، تشبهها، ولكنها رواية محلية جداً كغزة ..!!
لا أستطيع أن أكون موضوعيا أمام رواية لأسير أو مناضل، ولكنني في البداية أشير، إلى أنها أقرب للتأريخ والتأصيل، لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصر بتفاصيله الكثيرة، بدأً من ما قبل حرب (1967) .. وصلا إلى الأنتفاضة الثانية عام (2000)، ومن هنا أهميتها، فهي تأملات سجين ومناضل مغرق في العمل النضالي، وتساؤلات كثيرة جدا له، ورصد دقيق وتفصيلي لكل الحراك الثوري والوطني الأجتماعي والنفسي لكل تلك الحقبة. تحدث بموضوعية السجين النبيل، بأحترام وتفصيل بالغ، عن الجيش المصري وعلاقات الناس به، وحبهم لعبد الناصر، وعن حركات فتح والجبهة الشعبية، عن الج. هاد الأسلامي، .. وقبلها كلها عن جيش التحرير الفلسطيني، والخلايا المسلحة التي أنبثقت عنه. وتحدث عن كراهية الناس للأخوان المسلمين، لعدم انسجامهم مع حراك الشعب والحركة الوطنية الفسطينية، ثم تحدث عن نشأءة ح. ماس، وتطورها، وحتى رؤيتها العميقة بتلقائية تدخل القلب، وتجعلك تنظر للأمور من زاوية أخرى أكثر وضوحا..!!
وأعترف، رغم قراءاتي المتعددة لأدب السجون، إلا أنني لأول مرة، أرى رواية تقول رؤية من يمثلها أو يكتبها بموضوعية، وبدون غلو، بل هي مسؤوله وأقرب ما تكون إلى ((القصة الصحفية))، لولا بدايتها وعلاقات الأم والأخوة فيها، وهناك، عند تلك النقطة بالتحديد، كانت (الرواية) وظهرت هشاشة الأنسان ونبله في ذات الوقت!. ولو قدر للزمن أن يعود، لقلت بأن هذه الرواية فيها هنات من رواية (الأم) لمكسيم غوركي .. ورواية (أم سعد) لغسان كنفاني..!!
فهذه الرواية لا تتحدث عن داخل السجن بمقدار ما تتحدث عن خارجه، وكأن تأملات أبن تيمية أنطبقت على كاتبها حين قال: (إن حبسوني، فخبسي خلوة)!. فقد كانت وتضمنت سردا لقصتنا الحقيقية من جانبها النضالي، إن جاز التعبير، وقد تشكل رواية(الشوك والقرنفل) وغيرها أساسا ما لفهم بعضنا بعضا وفهم ذواتنا أكثر ..!!
وهي تعتبر رواية تسجيلية، فهي ترصد وتسجل للعمليات الفدائية البطولية، وتاريخ دقيق لمرحلة مهمة حملت الكثير من المتغيرات….
وهنالك جانب آخر في هذا الكتاب، ذكرني برواية إسرائيلية، تدرس في مناهج الثانوية العامة الإسر. ائيلية، وهي رواية((خربة خزعة)) ليزهار سيمالينسكي، تلك الرواية التي تتوجه للأسرايليين بالقول، كان هنا أناس، وأقتلعناهم من بلادهم أقتلاعاً، وسوف يعودون مرة تلو مرة، وعليكم أن تظلوا دائما مستعدون للدفاع عن أرضهم التي أحتللتموها منهم..!! …. وعلى الجهة المقابلة، روايتنا نحن، التي تتحدث عن أن لا مجال للهروب، إللا إلى المكان الذي أقتلعنا منه ..!! وبشكل شخصي بالنسبة لي، عبرت الرواية عن موقف ((وطني)) أكثر بكثير من موقف حزبي أو أيديولوجي خاص. بل وتتعرف من خلالها إلى غزة، غزة كما هي حقيقة، تشم رملها، خنادقها، صفيحها، وبارودها، هنات أهلها، وحتى مكياجها وعطرها الذي يتغير ويتبدل من النقيض إلى النقيض بدون تكلف ..!!
…. هذه مقدمة، رأيتها ضرورية، لأدخل لاحقا في صلب قراءتي لرواية الشوك والقرنفل بتفصيلٍ عميق وعرض لها ….
(وكل ما سبق تقديم وومضات سأتحدث عنها في الجزء القادم )) …. يتبع في الجزء الثاني