قنبلات العم سام المليئة بالنابالم
قنبلات العم سام المليئة بالنابالم/يوسف العلوي السليماني
قنبلات العم سام المليئة بالنابالم
بقلم: يوسف العلوي السليماني
علقت في مخيلتي صورة مروعة، ترافق مقالا في صحيفة نيويورك تايمز، بتاريخ 9 يونيو 1972، لتفتضح حرب الفيتنام، شاهدتها آنئذ إذ نقلتها الصحف العالمية والمجلات، وهي صورة بالأبيض والأسود، لطفلة في التاسعة من عمرها، حافية عارية صائحة كما ولدتها أمها، تركض مرعوبة في ضيق شديد، وسط شرذمة من الأطفال، يفرون هاربين نحو المجهول، اعتراهم الألم المشحون بالذعر، من شدة النيران التي حرقت أجسامهم، إثر إطلاق قنبلات من النابالم على جنوب الفيتنام، فألهب قريتهم، بل عالمهم. إنها قنبلات العم سام المليئة بالنابالم.
نقل نيك أوت كيم فوك إلى المشفى، نقلها توًّا بعد التقاط الصورة[1]، وهو مصور وكالة أسوشيتد برس، نقلها وهي تصرخ بين ذراعيه، من شدة ألم حروق أدخلتها المشرحة. هكذا اختفت الصبية فدَنِفَتِ الأم الحرضُ وأصبح فؤادها فارغا، ولم تعثر على كيم إلا بعد ثلاثة أيام ولياليها، لتنتشل موؤودةَ النابالم من المشرحة، ولتخضع الخُشَيبَة المفحّمة لخمسة عشر عملية جراحية، في أثنائها زراعة الأعضاء.
وضعت حرب الفيتنام أوزارها، وحال الزمان ودارت الأيام، وتغيرت الأحوال، فسئلت الموؤودة بأي ذنب قُبرت، فلم تتهم أحدا: “كان من المفترض أن أموت ولكنني نجوت… وَكان من المفترض أن أكون قبيحة لكنني تزوجت وأنجبت، ومن أم إلى جدة انتقلت”[2]، ومن مُفَحَّمَةٍ إلى سفيرةِ النوايا الحسنة، لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو. لِكيم فوك مؤلف: “منقَذة من الجحيم.” اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
بإسعافه اِرتقى المصور أوت إلى العم أوت، فماذا عن العَمَّين الشقيقين، سام وَريتشارد؟ استخدمت الأسلحة الفتاكة بشتى ألوانها، وَالنبالم بشكل كبير، في حرب الفيتنام، وهو سائل هلامي يلتصق بالجلد، قابل للاِشتعال، نجد الرئيس الأميركي، وَالقائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، ريتشارد نيكسون، يمنح العفو الرئاسي إلى الملازم وليام كالي، بطل مجزرة قرية مَي لاي بجنوب الفيتنام، التي ارتكبت بتاريخ 18 مارس 1968.
منح ريتشارد نيكسون العفو الرئاسي إلى الملازم وليام كالي، بعد أن أدانته محكمة عسكرية بالسجن المؤبد، فأطلق سراحه. خلفت المجزرة ثلاثمائة وخمسون قتيلا مدنيا، بين رجل وامرأة وطفل ورضيع، قتلوا في خنادق بدم جامد، ثم نُشر تحقيق الصحافي سيمور هيرش عام 1969 في الصحف الشهيرة، فأثار موجة من المقالات حول الفظائع الأمريكية في الفيتنام. هكذا كشف النقاب عن ‘مذبحة مَي لاي’ التي صدمت العالم ببشاعتها.
هل وشح الرئيس صدر الملازم بوسام؟ أو استقبله في البيت الأبيض؟ الله أعلى وأعلم، إنما من المحتمل أن يراسل الملازم وليام كالي ذويه، غالبا عبر بطاقة بريدية، تحمل صورة دلتا نهر الميكونغ، يختمها بهذه العبارة: “قبلات حارة من جنوب الفيتنام”، ومراسلة الأقارب أدب شائع عند الجندي، من ساحة المعركة وسياحة الحرب، إذ كان للملازم والدان، وربما زوج وأطفال.
كان نيكسون وراء حروب، وراء قصف الكومبودج، وقتل قرابة مليوني مدني في جنوب الفيتنام، وكان غير بعيد من الحرب بين الهند وباكستان، عام 1971، وغير بعيد من النشأة الدموية لجمهورية البنجلاديش، وَنرى نيكسون يدعم الاِنقلاب العسكري ضد الرئيس الشيلي سلفادور أليندي، بتاريخ 11 شتنبر 1973، وَنتذكر ما فعلته بأمر منه أسلحة الولايات المتحدة، وَطائراتها العسكرية، في حرب السادس من أكتوبر 1973، وَالمتسببة في أزمة نفط عالمية، وَنجده وسط أزمة أخرى، سياسية من العيار الثقيل، فضيحة وُوترغيت، التي أرغمته على الاِستقالة من منصبه الرئاسي، بتاريخ 9 غشت 1974، خشية قرار الاِتهام والخلع الوشيك، فغادر البيت الأبيض، وحديقةَ البيت الأبيض، مبتسمًا مرتاحا، مُلَوّحا بيده نحو فصيلته التي تؤويه، ليصعد سلم طائرة مروحية رئاسية، ستحمله مباشرة من حديقة البيت الأبيض إلى ملاذ هادئ، ومعاش رئاسي مضمون، إذ علم أنه حظي مسبقًا بالعفو عن زلته، من طرف جيغالد فورد الرئيس الذي سيليه، ونائبه السابق. دفع حب الرئاسة ريتشارد نيكسون إلى التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس، في مبنى ووترغيت، بمدينة واشنطن، بمساعدة وكالة الاِستخبارات الأمريكيةCIA ، فخرق القانون الأمريكي، وكذب على الشعب الأمريكي.
اِكتشف صحافيَّان بجريدة واشنطن بوست تفاصيل الفضيحة السياسية الأمريكية، بمساعدة بطل سرب لهما معلومات دقيقة، فنُشرت المقالات وأُلفت الكتب وأُنتجت الأشرطة الوثائقية، والأفلام السنيمائية مثل ‘رجال الرئيس كلهم’ All the President’s Men
غزرت المعلومات وغيرها حول ووترغيت، وهي في متناول الجميع، على الشبكة العنكبوتية، وبالمناسبة أصبح ذيل الكلمة معنىً لكل فضيحة. “غيت” تعني “باب” بالإنجليزية، والفضائح التي تنتهي بِ ‘غيت’ تعد بالعشرات عبر العالم. لقد قُطِعَ الشك باليقين بأن مصالحَ إستئثارية تقود السياسة، أصلها أزمة أخلاقية رئاسية أمريكية، لا حدود لها عبر الزمان والمكان، منبعها نظرية “الغاية تبرر الوسيلة” نظرية نيكولو مكيافيلي، المفكر والسياسي الإيطالي. الغاية تبرر الوسيلة لتحقيق “الحلم الأمريكي” الذي أصاغه المؤرخ جيمس ترسلو أدامز، في مألفه “الملحمة الأمريكية” عام 1931.
من أفضل وأشهر الجامعات الأمريكية جامعة ريتشارد نيكسون، يتخرج منها نخبة من الطلبة المحليون والأجانب، منهم من تفوق حتى ساد الأستاذ شرفا، فنجح بتقدير اِمتياز في الاِمتحانات الإلْزاميّة والاِختيارية، وَفي الدورات التدريبية وَالتطبيقية، والمواد ذات المعامل الأعلى مناصفةً هي الفساد والكذب، وَقتل الأطفال والنساء والرجال جملة، وَحُبُّ الرئاسة حبّا جمّا، وإغراء الإعلام، وشن الحرب على الإعلام الآخر، حقيقة ومجازا، فلا يتخرج الطالب في العلم حتى يفسد، ويَكْذِبَ كُذَيْبَةً، ثم كَذِبًا وَكِذْبًا، وَكِذْبَةً فَكَذْبَةً، وَكِذابًا فَكِذَّابا.
[1] When a Picture Is Worth a Thousand Tears, New York Times, Feb. 17, 2020. Margaret Renkl.
[2] “J’ai longtemps détesté cette photo”, confie celle qui a été la fille au napalm, RTS Info Monde, 6 octobre 2019.