التفاهة: مفهومها، وأبعادها، وسبل مواجهتها
محمد حمداوي
رئيس المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري
مفهوم التفاهة
تاريخيا كان يتم توظيف الإلهاء والإفساد بشكل من الأشكال في الإسهام في توطيد الأنظمة المستبدة، وكان يستهدف أساسا النخبة المحيطة بالحاكم.. لكن في العقود الأخيرة، لم تعد أدوات الاستبداد تقتصر على القمع المباشر أو الرقابة الأمنية فقط، بل أصبحت أكثر نعومة ودهاء، مستعينة بأدوات “صناعة ثقافة جماهيرية متحللة” والتفاهة لخلق بيئة اجتماعية مشوشة ومفرغة من الوعي، الأمر الذي يسهم في استمرارية النظم الاستبدادية دون الحاجة إلى فرض القوة في كل حين.
لم تعد، اذن التفاهة، تعني فقط المحتوى السطحي أو التافه، بل تشير إلى نمط ثقافي كامل يقوم على الإلهاء، وتشويه المعنى، وتقديم ما هو ترفيهي وفارغ على حساب ما هو جاد وهادف. إنها صناعة “الرداءة” بصور براقة.
كما وصفها الكاتب الكندي “ألان دونو” في كتابه “نظام التفاهة”: “لقد أصبحت الرداءة قانونًا غير مكتوب، وأضحى النجاح حليف من يلتزم بقواعد اللعبة لا من يمتلك الكفاءة أو الفكرة النبيلة.”
مواجهة التفاهة هي جزء من معركة التربية العامة وتجديد الوعي، وهي أساس كل تغيير حقيقي. التفاهة سمة تعبر عن انشغال الإنسان ليس فقط بما لا نفع فيه، بل بما يضر الفرد والمجتمع من الأقوال والأفعال التي لا ترقى إلى مستوى الجدية والاهتمام بمعالي الأمور، وقد ذمّ الشرع الحنيف هذا السلوك، إذ عده من علامات نقص الإيمان وضعف المروءة. قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، أي يعرضون عن كل قول أو فعل لا فائدة فيه، وهو ما فسره العلماء بأنه يشمل التفاهات والانشغال بالسفاسف.
اللغو في الاهتمام والفكر والعمل والقول يشير إلى الإسراف في الكلام أو الانشغال بأمور غير مفيدة على حساب الأمور الأكثر أهمية. إنه إهدار للوقت والطاقة في الأنشطة التي لا تقدم قيمة حقيقية.
التفصيل:
اللغو في الاهتمام:
يعني تخصيص اهتمام كبير لأشياء تافهة أو غير ضرورية، بل ومضرة في أحيان كثيرة، مما يقلل من الاهتمام بالأشياء الأكثر أهمية.
اللغو في الفكر:
يعني الانشغال بأفكار غير منتجة أو عقيمة مكررة، أو الغرق في تفاصيل صغيرة على حساب الرؤية الشاملة.
اللغو في العمل:
يعني إضاعة الوقت والجهد في مهام غير ضرورية أو غير فعالة، او ضارة، مما يؤدي إلى تأخير الإنجازات الحقيقية، وعرقلتها.
اللغو في القول:
يعني كثرة الكلام بلا فائدة، أو التحدث في مواضيع لا تهم الآخرين، أو استخدام الألفاظ بشكل غير لائق.أو النيل من أعراض الناس والتشهير بهم
بشكل عام، اللغو هو شكل من أشكال الإسراف في استخدام الموارد (الوقت، الجهد، والعقل والجسم والكفاءة) في أمور غير مجدية.وضارة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّم: .صحيح البخاري
كما نقرأ قول الله تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، سورة لقمان الآية 6
أسباب النزول:
مما ذكره المفسّرون: “أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ يَجْلِسُ بِمَكَّةَ، فَإِذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا قَالَ كَذَا وَكَذَا ضَحِكَ مِنْهُ، وَحَدَّثَهُمْ بِأَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَيَقُولُ: حَدِيثِي هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قُرْآنِ مُحَمَّدٍ”.
جاء في الحديث الحسن قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا .
وهذا أصل عظيم في تهذيب النفس وتربيتها على الجدية والسمو، فالمسلم يترفع عن تضييع وقته في ما لا يعود عليه ولا على أمّته بنفع .
أولًا: أبعاد وأهداف توظيف التفاهة؟
1. إفراغ المجال العام من المعنى: التفاهة تُستخدم كستار كثيف يحجب النقاش الجاد، ويُقصي المفكرين، ويُشيع السطحية بدل العمق، مما يحوّل السياسة إلى تسلية والترفيه إلى سلطة.
الأنظمة الاستبدادية تزدهر في بيئات يغيب عنها الوعي النقدي. حين تُغمر وسائل الإعلام ومواقع التواصل بمحتوى تافه، تهمش القضايا الجوهرية، وتُخلق حالة من التشويش والتشتيت المستمرين، تجعل الناس غير قادرين على التفرقة بين المهم والثانوي، بين الحقائق والإشاعات، وبين الفكر والتسلية.
2. إلهاء الجماهير عن الحقوق: عبر إغراق وسائل الإعلام بمحتويات تافهة، تُشغل الشعوب بـ”الفضائح” و”الترندات” بدل التفكير في العدالة والحرية والكرامة.
3. تسطيح الذوق العام: الثقافة المُروّج لها من قبل الأنظمة الاستبدادية تعيد تشكيل الذوق الجماعي لتفضّل الضحالة على العمق، و”النجومية” الفارغة على القيم والمبادئ.
4. ضرب النخب وتهميش المثقفين: حين يصبح التافهون نجوماً، يتحوّل المثقف الحقيقي إلى “كائن مزعج”، وخطر يُجب تنحيته أو تسفيهه.
5. خلق حالة من “اللايقين الفكري”: غياب النقاشات الفكرية الجدّية يُنتج شعبًا بلا بوصلات معرفية، يسهل توجيهه وفق أهواء السلطة.
6. تحويل المواطن إلى انسان مستغرق في الاستهلاك ولو كان مكلفا لدخله وحياته وحياة أسرته : المواطن التافه لا يُطالب بحقوقه، بل ينتظر مسلسله المفضل أو هاتفه الجديد، مما يخدم الاستبداد اقتصادياً وسياسياً.
7. تغليف الاستبداد بصور خادعة من الحداثة: يروّج النظام التافه لحرية شكلية (مثل حرية “الترفيه”) تغطي على غياب الحرية الفعلية في الفكر والقرار والسياسة. ويحشد الجماهير للتافهين ليخيل للناس أن هذه التفاهة أصبحت واقعا ويبدأ بالاقتناع بجدواها السلبية طبعا شيئا فشيئا.
تفريغ النقاش العام من مضمونه تتحول النقاشات في الإعلام والسوشال ميديا من قضايا الحرية والعدالة والحقوق، إلى جدالات حول مظهر فنانة، أو تصرف مؤثر على تيك توك. هذا الإلهاء المنهجي يجعل أي محاولة لطرح موضوع جاد تبدو نشازًا أو حتى مزعجة.
8. إعادة إنتاج التفاهة عبر التعليم والإعلام: مناهج التعليم تُفرغ من التفكير النقدي، ومن المواقف البطولية الحقة، ومن الأخلاق البانية، ومن الأحداث التاريخية المخلدة لنيل الحرية والحقوق.
والإعلام يُستخدم كمصفاة تُمرّر فقط “الآراء السطحية المقبولة”.
شرعنة الاستبداد من خلال السخرية من البدائل: عندما تُهيمن التفاهة، يُصور كل ما هو فكري أو سياسي أو تحرري كشيء ممل أو متعالٍ أو “نخبوي”. وبهذا يتم كسر الثقة بأي مشروع بديل، ويُصبح المستبد، برغم فساده، “أفضل السيئين”.
9. التحكم في التطلعات الجماعية: من خلال صناعة “نجوم مشوهة منكدرة”، يتحوّل الحلم الجماعي من التحرر والكرامة إلى الشهرة السريعة أو الثروة السهلة.
صنع قدوات زائفة حين تُقدَّم شخصيات تافهة كـ”نجوم مجتمع”، بناءً على شهرة مفتعلة أو سلوك صادم، وليس بناءً على إنجاز حقيقي. وبهذا تُغيَّب القدوات الحقيقية من مربين وعلماء و مفكرين ومبدعين وأصحاب مواقف، ليحل محلهم من يتحدثون كثيرًا ولا يقولون شيئًا.
10. تفكيك التضامن الاجتماعي: التفاهة تُشجّع الفردانية النرجسية، وتضعف الحس الجماعي، مما يجعل من الصعب تنظيم مقاومة جماعية ضد الظلم.
إعادة توجيه الغضب الشعبي بدلًا من أن يوجه الغضب الشعبي تجاه السلطة أو القهر الاجتماعي، يُعاد توجيهه نحو “الآخرين” — المختلفين، المعارضين، أو حتى الفنانين والفقراء. وهكذا تُحافظ السلطة على صورتها كمجرد “منظم” لا علاقة له بالفوضى المجتمعية.
ثانيًا: كيف نواجه نظام التفاهة؟ عشر خطوات للمقاومة
1. إحياء ثقافة التفكير التحليلي النقدي: والقراءة العميقة، كممارسات يومية ضد الاستهلاك
2. إعادة الاعتبار للمعرفة وللمربي الحقيقي والفنان الحقيقي والمثقف الحقيقي: ودعم النخب الفكرية النزيهة، وتقديمها كرموز بديلة عن نجوم التفاهة.
3. الإسهام في بناء إعلام جاد ونزيه وبان : إنتاج محتوى إعلامي وثقافي عميق وجذاب، يُنافس التفاهة بأسلوبه ويقوّض سرديّاتها.
4. تعليم يحررنا ولا يُبرمجنا : المطالبة بمناهج تعليمية تعزّز الهوية والجدية و التحليل العلمي والخيال الفني الهادف والذوق السليم والمبادرة النافعة. وترسيخ احترام التخصص
المتطفل على كل مجال يقتل قيمة التخصص.
5. دعم الفنون الراقية: الموسيقى، المسرح، الأدب، والفن التشكيلي يجب أن يُستخدموا كوسائل تحريض على الوعي لا كمجرد ديكور ثقافي.
6. إعادة بناء الفضاءات العامة للنقاش: من الضروري إحياء المنتديات، النوادي الثقافية، والمبادرات المجتمعية للنقاش الجاد. وتشجيع القراءة النوعية لا الترفيهية فقط
الكتب تبني وعيًا عميقًا يُقصي السطحية. الترفيه لا بأس به، لكن عندما يُصبح بديلاً عن المعرفة يصبح وبالًا.
7. كشف آليات التلاعب الإعلامي: تعليم الناس كيف تشتغل البروباغندا وكيف تُصنع “النجومية المزيفة”، جزء أساسي من المقاومة.
8. تقديم قدوات و رموز مضادة للتفاهة: رموز تمثّل القيم النبيلة (الصدق، النزاهة، الشجاعة) لا فقط الشهرة والثراء والسطحية.
9. تطوير مناعة مجتمعية ضد التفاهة: تربية الأطفال على التمييز بين العمق والسطحية، وبين القيمة والشكل، يصنع أجيالًا لا تنخدع بسهولة.
وتحفيز الإنتاج لا الاستهلاك
التفاهة تزداد حين نصبح مجرد مستهلكين سلبيين. الشعوب التي تنتج فكرًا وصناعة وتكنولوجيا تقود، أما التي تستهلك فقط فتُقاد.
10. ربط التفاهة بالاستبداد بشكل صريح: يجب تفكيك الوهم بأن التفاهة “ترفيه بريء”، وفضح علاقتها البنيوية بالأنظمة القمعية.
11/ التصدي لتوظيف الخطاب الديني في دعم التافهين.
نلاحظ تحالفا بين خطاب ديني مشوه مليء بكثير من الافتراء على مبادئ وأصول الدين نفسه، مع التفاهة تصبح وسيلة للتخدير لا الوعي. دفاع عنه ضد الابتذال.
خاتمة: التفاهة ليست بريئة، إنها أداة سياسية
نظام التفاهة ليس عرضاً جانبياً، بل هو البنية التحتية للأنظمة التي تريد شعوبًا خانعة، مشغولة بالأمور الجزئية التي لا قيمة لها، وعاجزة عن التفاعل مع أكثر المشاهد ألما وتدميرا وفتكا بذاتها، بغزة، مقابل آخرين تضامنوا من أجل الانسان.
تفكيك هذه المنظومة يبدأ بالإدراك ثم بالرفض، ويكتمل بالفعل المجتمعي القاصد والمنسق. ليست المعركة مع من يُنتجون التفاهة فقط، بل مع من يموّلونها، ويُشرّعونها، ويُروّجون لها كبديل عن الحياة الكريمة.
اربعة اركان للتفاهة:
1- المنتج 2- الممول–3-المشرع-4 المروج
إن مقاومة التفاهة ليست ترفا فكريًا، بل ضرورة سياسية ومجتمعية، وهي الوجه الآخر للمطالبة بالعدالة، والكرامة، والتحرّر.
التفاهة ليست فقط ظاهرة محدودة، بل أضحت سلاحا سياسيا ناعما. ومن يدرك هذا يدرك أن مقاومة الاستبداد لا تبدأ فقط في الشوارع أو صناديق الاقتراع، بل تبدأ في العقل، وفي التربية وفي الثقافة، وفي الفن والمسرح، وفي وعي الناس بما يُعرض عليهم كل يوم.
نظام التفاهة لا يُهزم فقط بالشتائم أو التنظير، بل بفعل واعٍ، جماعي، يبدأ من الفرد، وينتهي بإعادة تعريف المجتمع لقيمه العليا: الاخلاق و المعرفة النافعة، والكرامة، والإنتاج المفيد، والصدق والفعالية.
والحمد لله رب العالمين