“نحو سلام يحيي الأمة ..”
لمحات من كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم رسول السلام" للأستاذ أحمد بوعود/ د. زينب الصاخي
“نحو سلام يحيي الأمة ..”
لمحات من كتاب “محمد صلى الله عليه وسلم رسول السلام” للأستاذ أحمد بوعود
د. زينب الصاخي
لا شك أن علاقة المسلمين مع غير المسلمين تحكمها ضوابط تستمد قوتها وأصالتها من كتاب الله وسنة نبيه، فمنذ أن نزل القرآن الكريم على رسول الله وهو يضع اللبنة تلو اللبنة تأسيسا للعلاقة مع المخالفين له في العقيدة من شتى المشارب والديانات، من نصارى ويهود ومجوس ومشركين وعبدة أوثان وغيرهم، مسالمين ومحاربين، وإن المتدبر للقرآن الكريم يجد أن آياته بينات واضحات، وموقفه من المخالفين للإسلام والمسلمين واضح، مسالمهم ومحاربهم، فكثيرا ما يتم اتهام الإسلام من قبل غير المسلمين بأنه دين جاء بالسيف، وأن نبيه كان متعطشا للدماء، حيث يتم إلقاء الأحكام جزافا دون سابق فهم للإسلام ومبادئه وتاريخه، إما عن جهل تام أو عن سوء فهم وتقدير لأحكام الإسلام ومقاصده وغاياته، أو أن يكون ذلك متعمدا أحيانا، غرضه تشويه صورة الإسلام، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى نصطدم بنظرة بعض المسلمين المتشددين، الذين يرون أن الإسلام ينبغي أن ينتشر بالسيف، فيضعون الكل في كفة واحدة، مسالما كان أو محاربا معتديا، وحقيقة الأمر أن هذه النظرة النشاز قد قلصت من فرص انفتاح الأمة الإسلامية على الثقافات المتعددة الأخرى، ووقفت حائلا دون انخراطها في مجالات الحياة بغية صناعة وتدبير حضارة إنسانية حقيقية، تحفظ للإنسان كرامته.
ولعل هذا ماحذا بالأستاذ أحمد بوعود للتأليف في موضوع السلام، حيث جعل غايته من إثارة هذا الموضوع، هو “استخلاص تصور واضح لفقه السلام والتعايش السلمي في عصر عُرف بتعددية دينية ومذهبية تصل بالإنسان إلى اضطهاد أخيه الإنسان وتصفيته، وذلك ببيان جهود النبي في تربية الإنسان المسلم المتعايش”[1].
فإذن ماهي المعالم الكبرى التي بسطها أستاذنا لبيان قيمة “التعايش السلمي” في معاهدات النبي‘، وكيف يمكن فهمها في واقع الأمة اليوم وماتعانيه من عدوان واضطهاد؟
مبادئ التعايش السلمي من خلال معاهدات النبي
لقد جعل الأستاذ أحمد بوعود من “المعاهدات النبوية” المادة الأساس التي من خلالها عرض المعالم الكبرى للتعايش السلمي مع غير المسلمين وذلك في كتابه “محمد‘ رسول السلام”، فبعد أن بيّن مفهوم المعاهدة وكيف تكون طريقا إلى تعايش سلمي، انتقل إلى عرض عدد من المعاهدات التي أبرمها النبي‘ مع غير المسلمين وفي مقدمتها “دستور المدينة”،وبين أن الهدف الأول من هذه المعاهدات هو تحقيق السلم العام للإنسان مسلما كان أو غير مسلم، حتى يستطيع العيش في أمن وسلام، وخلص إلى أن التعايش السلمي يتأسس على مجموعة من المبادئ الكبرى، مسترشدا في بيانها وتحليلها بكتاب الله تعالى وسنة نبيه‘، أعرضها كما يلي:
أولا: ضرورة الإقرار بالتعددية الدينية في ظل الوطن الواحد كما هو الشأن في دولة المدينة، التي كانت تضم إلى جانب المسلمين طوائف متعددة من اليهود، ومع ذلك منحتهم الحرية التامة في ممارسة العبادات والشعائر الدينية المرتبطة بهم، وشدَّدَت على عدم فتنتهم في دينهم ما نصحوا وأصلحوا.
ثانيا: إرساء العدل الاجتماعي، والمقصود به “العدل الشامل لمختلف مكونات المجتمع العقدية”[2] بدءا من أصغر تجمع بشري وهو الأسرة إلى أكبر تجمع وهو الإنسانية، فالعدل من أهم وظائف النبوة المتمثلة في قول الله تعالى:” قل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم” (الشورى:15)، يرى الأستاذ بوعود أن هذه الآية تمثل أساس بعثة النبي، وهو إقامة العدل بين الناس في شتى المجالات، كما هو الشأن في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
ثالثا: الأمن والسلام، إذ “المعاهدة على الأمان كانت سلوكا نبويا أصيلا”[3] خص به المسلمين وغيرهم على حد سواء، يقول أستاذنا:” التعايش السلمي يعني أن يعيش الإنسان في أمان مطمئنا غير خائف، وهذا هو جوهر المعاهدات وروحها”[4]، وقد تجلت قيمة الأمن مع غير المسلمين في وصاياه للمجاهدين المسلمين في الحروب بتأمين غير المحاربين، قائلا: “لا تقتلوا صبيا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا ولا مريضا ولا راهبا، ولا تقطعوا مثمرا، ولا تخربوا عامرا، ولا تذبحوا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكل، ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه”[5]، وهكذا دعاهم إلى حقن دماء الشيوخ والنساء والمنقطعين للعبادة، ممن لم يعينوا على قتال المسلمين بعمل أو تحريض، وذلك بحفظ سلامتهم وأمنهم، وعدم تخويفهم وترويعهم، لأن”تأمين الخائف مسلما كان أو مشركا أمر قرآني، فالغاية منه هو إسماع دعوة الإسلام وبيان رحمته وعظمته”[6].
رابعا: التعاون والتناصح، يرى أستاذنا أن كل ماسبق من بنود التعايش يمكن اعتباره ممهدا لهذا المقصد العظيم، ويرى أن التعايش السلمي يقتضي التعاون مع ذوي المروءات، ولو كانوا على غير دين الإسلام، إذ لا شك أن التعاون مع الآخر يسهم في تفعيل آليات الحوار والتفاهم والتقارب وتمتين الروابط بين الشعوب والمجتمعات الإنسانية المختلفة عقديا وفكريا وثقافيا وعرقيا، ويعزز تبادل الخبرات والمعارف والعلوم في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، وينمي العلاقات بين الدول والمؤسسات على أساس القيم الأخلاقية المشتركة بين بني البشر و “قد لا نغالي إن قلنا إن المقصد الأعلى من العيش مع الآخرين هو التعاون والتناصح، سواء في المصالح الدنيوية أو الأخروية”([7]).
إن أستاذنا لم يقف عند “المعاهدات النبوية” في بيانه لأسس التعايش السلمي، بل انتقل في مؤلفه إلى عرض صور من سيرة النبي مع المخالفين والتي تعتبر تطبيقا عمليا لهذا المبدأ، يقول الكاتب:” كان النبي رجل تعايش نظريا وعمليا. ولم يكن على الإطلاق رجل قتال وحرب وعداوات”[8]، مسجلا جملة من الخلاصات، أذكر بعضها:
_ إن التعايش السلمي يقتضي التعاون مع ذوي المروءات، ولو كانوا على غير دين الإسلام فيما يخدم الإسلام والإنسانية عموما، لأن المروءة تقتضي العدل ورفع الظلم عن المظلومين، وسائر الخصال الحميدة، ويؤكد أستاذنا هنا ضرورة البحث معهم عن المشتركات مع الحفاظ على العقيدة صافية سليمة وعدم الانجرار والتنازل عن المبادئ الإسلامية.
_ التعايش السلمي يقتضي بناء الثقة مع غير المسلمين إذا كانوا ذوو كفاءات، مع الحرص على إيصال دعوة الله لهم.
_ التعايش السلمي يقتضي العفو عند المقدرة، فالعفو خلق يتقرب به الإنسان إلى الله عزوجل، إذ هو من صفات المحسنين، وهو كما يرى أستاذنا تقرب من الخلق، لأن النفوس ترتاح إلى من يحسن إليها، ثم هو علامة عزة وليس علامة ضعف.
_ التعايش السلمي مع غير المسلمين يقتضي حسن الجوار ويستدعي أخلاق الرحمة والإحسان، ويتأسس على مبدإ العدل والقسط، والتعاون والتناصح.
بعد عرض معالم التعايش السلمي، نتساءل هنا: هل يتناقض التعايش السلمي مع واجب الجهاد والنصرة؟
سلام يحيي أم خضوع يفني؟
إن الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو السلم، وهو مطلب كل الشرائع السماوية، وهذه العلاقة عموما، إما أن تكون تعايشا سلميا يتوافق من خلاله الأطراف للنهوض بالحضارة الإنسانية وبعث قيم الصلاح والعدل بين الناس، أو أن تكون حربا لا مناص منها، إذ لا تتحقق مصالح الناس إلا باللجوء إليها عندما تتعذر كل الوسائل السلمية المتاحة، وهنا أمكننا التمييز بين فكرة السلام وفكرة الخضوع والاستسلام في حال الظلم والعدوان.
عندما عرض الأستاذ أحمد بوعود فكرة التعايش السلمي في كتابه “محمد رسول السلام” ميز بين مفهوم السلام ومفهوم الاستسلام ولو تلميحا، ليؤكد ذلك في إحدى حواراته عندما سئل عن حال الأمة الإسلامية، وما المطلوب تجاه نصرة غزة، قائلا :”والتمسح بالرحمة والتسامح والسلام إزاء كل هذا، يعني الاستسلام لهذا الواقع. وهذا مايحاول أن يفهمه للناس من ينادون بالتطبيع ويسوغون له. إن التطبيع استسلام واعتراف بالكيان المغتصب، ومن مآلاته مزيد تمكين له اقتصاديا وحضاريا، وفي الجهة المقابلة إضعاف للمسلمين عموما، ولأهل غزة وفلسطين خصوصا. وهذا لا يرضي الله ولا رسوله، ولم يثبت في سيرته ‘ ما يدل على أن النبي صالح كفارا استولوا على أرض المسلمين”[9]، ولهذا ينبغي التمييز بين من يعيش بين ظهراني المسلمين مسالما مؤديا ماعليه من واجبات، محافظا على الأمن، وبين من يعيش محاربا معاديا يعيث في الأرض فسادا، يدمر ويخرب.
إن التمكين للكيان المغتصب في أرض فلسطين هو إقبار لفكرة السلام كما ينشدها الإسلام، لأن غاية الدفاع عن شرف الأمة ومقدساتها هو إقامة العدل بين الناس، ولن يتحقق هذا إلا بمقاومة مشروعة ترفع لواء الجهاد في وجه كل ظالم ومغتصب.
إن الله عندما شرع قتال المشركين، شرعه للحفاظ على الإنسانية، وخصوصا المسالمين، وليس في هذا ما يناقض مبادئ العدل، وتحقيق السلم والأمن للمجتمعات الإنسانية، فالحد من الظلم، وكف الأذى، لا يتحقق أحيانا إلا بالحرب على من يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادا، ولهذا فالدافع للقتال عند المسلمين ليس هو المخالفة في الدين، لأنه:” لا إكراه في الدين” ( البقرة آية 255)، وإنما يكون بسبب العدوان والحرابة، فالجهاد في الإسلام لا يكون فعلا وإنما هو رد فعل عن الظلم والاعتداء، أو لوضع حد للظالمين والمتحكمين برقاب الناس، والمحاربين لدين الله.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ أحمد بوعود: “إن القارئ لسيرته حين يقرأ عن غزوة الأحزاب وعن أسبابها وتداعياتها، يكتشف غدر يهود بني قريظة بالنبي، وكان له معهم عهد على عدم القتال مع الأحزاب، لكنهم خرقوه، فكان أن أعد النبي لهم العدة فحاصرهم بجيش حتى استسلموا”.[10]
إن السلام العالمي الحقيقي “ليس سلاما بالمعنى الضيق، أي تجنب القتال بأي ثمن، وأيا كانت الأسس التي يقوم عليها ترك القتال”([11])، ولكنه السلام العالمي القائم على مبدإ العدل في الأرض، الكفيل بالحفاظ على وحدته، الذي يكون فيه التعاون على قيم الصلاح والخير، السلام الذي يجمع بين الحقوق والواجبات، بين الرحمة والبر وبين القسط والعدل والانتصار للمظلومين.
وختاما فإن الطريق إلى تحقيق تعايش سلمي، يتطلب من أفراد المجتمع الواحد أولا، ثم المجتمعات الإنسانية الأخرى ثانيا، البحث عن وسائل تتمثل من جهة في السعي إلى الالتزام بالقوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تعتبر من أقوى الضمانات، ومن جهة تتمثل في تبني قيم أخلاقية ثابتة كالتي دعا إليها الإسلام، من أجل سلام عام وشامل يهدف إلى تحقيق الاستخلاف في الأرض، والقيام بمهماته، لأن شيئا من هذا لن يتحقق في واقع الحروب والظلم وانتهاك الحقوق والحريات.
[1] محمد ‘ رسول السلام، أحمد بوعود، مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، الطبعة الثانية:2025،ص 6.
[2] محمد ‘ رسول السلام، أحمد بوعود، ص32.
[3] المرجع نفسه، ص37.
[4] محمد‘ رسول السلام، أحمد بوعود، ص36.
5السنن الكبرى للبيهقي، كتاب السير، باب ترك قتل من لا قتال فيه من الرهبان والكبير وغيرهما ج 9،ص153، ح18152.
[6] محمد ‘ رسول السلام، أحمد بوعود، ص37.
[9] موقع جماعة العدل والإحسان، حوار بعنوان:”د.بوعود يبرز جهود النبي‘ في إرساء تعايش سلمي مع المخالفين”، 08 شتنبر 2025 على الساعة 17:26.
[10] المرجع نفسه.
[11]في ظلال القرآن: سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، سنة النشر: 1425 هـ- 2004 م، ج4، ص354. ، ص155.