هذه فلسطين (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
ندبتُ الباكراتِ من المعاني
فلم أظفرْ بأحداهِنَّ تسعى
كأن عصاً لموسى قد رماها
فصارت كل واحدةِ كأفعى
ندبتُ الحرفَ إفزعْ لي فإني
أُريدُ من الضمائِر أن تثوبا
فقهقهَ ساعةً وبكى كثيرا
ولوّحَ للمقابرِ أن تؤوبا
**
جدْ لي طريقاً إلى عينيك والقلبِ
علّي لِما شئت أطفي سَوْرة الحبِّ
وكي أقيمَ صلاة الله في جسدي
حتى يطهِّرني في نورِه ربّي
خذني حروفاً ونادمْ ليلَ مُعتكفي
وليركعِ الشعرُ بين النحْرِ والهُدْبِ
عامانِ أركضُ حولي حتى أعود إلى
وقع الطريقِ ويلغي جهده قربي
أمشي ومن تعبٍ مُضنٍ إلى تعبٍ
إلى الخيالات تعْبى أثمرَتْ غُلْبي
حرائقٌ من لهيبٍ طفْنَ في كبدي
لمّا قرأتُكَ في الأشعار والكتْبِ
إنّي بذرْتك في ذرّاتِ خاصرتي
أرضَ اشتهاءٍ فصاحَ الرمْلُ بالحَبِّ
فنقّبَتْ جمرةُ اللحظاتِ واهمةً
فجاءَ صوتٌ يعرّي بؤرةَ الكذبِ
لا وقت عندي أنا موّال من ألمٍ
بي استَهلَّتْ قصيداتي صدى نُكبي
صغيرُكَ الآن بوحُ الحزن جلببَهُ
ووشوشَ الروحَ صوْتُ المشتهى الغيبي
إنّي نشرْتُ وباسمِ الحبِّ أشرعتي
على مدارِ السُّها مُستنفِراً دأبي
فقد ركبْتُ قلوصَ الشمْسِ في عُددي
حتى تؤدِّبَ كفّي مَنْ نوَى ثلبي
أما تريْنَ اشتعالَ النارِ في بلدي
وكلنا صارَ مصلوباً بلا صَلْبِ؟
فكلُّ قوْلٍ به غاياتنا ذُبِحَتْ
ودحْرَجْتها يدُ الجلادِ في ثوْبي
فتعلنُ الريحُ أنّ البحرَ قد رحلَتْ
أمواجُهُ ونأى عن جرفِهِ شَرْبي
فكلُّ دارٍ أنا يمَّمْتَ عتبتَهُ
أرى سقوطي ويسْبي موتُه لُبّي
هم استحلّوا دمائي واستبيحَ فمي
وهم يريدون في تضليلِهم ضرْبي
لا وقتَ للحبِّ كي تؤويكِ دمعتُه
وكي يقول إلى وادي الهوى طِرْبي
لا حبّ إلا هوى الأوطانِ يسكنني
وما عداهُ لقلبي بعدُ ما يُصْبي
فلا مكانَ إلى أحلامِ سيّدةٍ
بها انكسارُ الهوى في حرفِها الرطبِ
فكم ركضنا حفاةً في غوايتِها
ليشكُمَ الجرْحُ في خيْطِ الندى طبّي
للحبّ وقتٌ أنا طرّزتُهُ وجعي
به تقلّدني زخاتُها سُحْبي
لا وقتَ للحبِّ ريحُ الوقت قد هجرَت
آمالَ روحي وباعتْها إلى الحرْبِ
تبعْثرَ الحرفُ في أوراق ذاكرتي
ومسّني عطشٌ للمنهلِ العذْبِ
لا وقت عندي وأوقاتي مغادرة
على جراحي ومنها صحْتُ بالقلبِ
دوْزنْتُ ساعة أفكاري وعقربها
فرجَّعَتها مرايا الغيْبِ للدرْبِ
بي اعتكفْتُ وزارَ الصمت مُختبئ
وظلَّ محرابُ أيّامي بلا جذْبِ
يا مهرجان دمي فالقلبُ معتزلٌ
عن نبضِ روحي فباحَ النبضُ في عتْبِ
تغادرُ الورقَ المبلولَ أحرفُهُ
وترسمُ الخطوَ في إطلالةِ الشُّهْبِ
بكلّ بابٍ رمى دربي حرائقَهُ
وراحَ يبكي على أيّامِه شيْبي
منّيْتُ نفسي لتلقي الضوءَ قافيتي
فما استجابَتْ ونامَتْ في دُجى الحُجْبِ
فرجّعتْ قلق الأنفاس بوصلتي
ودحرجتني إليها روعة السكبِ
إنّي تحَمّلني أوجاعُ قلقلتي
نارَ الهموم وتدمي وحدها وثبي
تسقي بماءِ الندى زهراتِ رغبتِها
حتّى تعطّلني عن دورةِ القطْبِ
ألوكُ حزني وتجترّ الخطوبُ يدي
فمَنْ سيرجعُني منْ فورة الخَطبِ
مجامرُ النارِ في أثوابي استعرَتْ
وجرّدتني منَ الإيحاءِ للزُّغْبِ
ووابلٌ من لهيبٍ راحَ يدْفعُني
إلى ظلامِ الخُطى في غيبةِ الرّكْبِ
فما رأيتُ سوى الديجورِ يلحَقُني
وقد أباحَ حقولَ الحبِّ بالنهْبِ
وظلّ أفقي معتلاً ومشتعلاً
وحلمُ سهدي اكتوى في جمرةِ الرّعْبِ
كلّ الشّموسِ هنا في ضوئِها اعتكرَتْ
وصادرتْ ضحكةَ الآهاتِ للشجْبِ
فلملمَتْ غصَّةُ الفقراءِ شهقتَها
ووزّعتْها ونادَتْ بالأسى سِرْ بي
خذني إلى بلدِ الأوجاعِ علّ أرى
صوتَ الجنونِ يناغي صولةَ الكَرْبِ
أنا المحاصرُ بالأشواقِ من زمنٍ
مذْ حمّلتني هموماً دولةُ السَّلْبِ
وأرجأتْ وقتَ أفراحي بقبَّتِها
حتى يقرِّبني من قربِها نَحْبي
أنا المضرّجُ والآلامُ تعْجنني
بكلّ ويلٍ مضى في ركبِهِ صحْبي
فوشَّحتْني يدٌ في حزْنِ مدمعِها
وقدَّدَتْ وطري أرجوحةُ السبِّ
فمنْ سيمضي ويدعوني لصحبتِه
إلى بلادي إلى الأقصى للتِّرْبِ
إلى خطاي تناغيها شوارعُها
إلى بقايا من الآثارِ بالشِّعْبِ
إلى ملاعبِِ أيامي وصبوتِها
وما يبوحُ فؤادُ الصبِّ للصّبِّ
فما يزالون همْ أنفاسُ غربتِنا
والذكرياتُ هُمُ يا أحرفي لَبّي
وهمْ حنيني به العبراتُ قد هطلَتْ
وخضَّرَتْ دمعتي في الجندلِ الصَّلبِ
منفاي محْرَقةُ في صوْتِ قبَّرةٌ
به تناجي ضياعَ الأرضِ للشُّرْبِ
بلواي تمنحُني منْ حبْلِ خيمتِها
قبراً يلمُّ نثيثَ السّحْبِ للتُّرْبِ
إنّي أحسَّ بأنّ الكونَ مقبرةٌ
وومضةُ الفجرِ غابَتْ وانكفى نخْبي
والأرضُ ضيِّقةٌ حتى إنِ اتّسعَتْ
ما دامَ تحرقُ نارُ الشعْبِ بالشعْبِ
وثوْبُ أمّي عصاباتٌ تمزِّقُهُ
وتمزُجُ الضحكةُ البلهاءُ بالغصْبِ
متى أرى وطني والفجرُ يحضنُهُ
وشمسُهُ ملأتْ للعالمِ الرّحْبِ
متى يعودُ لقلبي صوتُ نبضتِهِ
ويعْمدُ الله في إصْحاحِهِ شطْبي؟
متى وكلّ متى بالحزْنِ تجلدُني
يعودُ وجهُ أبي من غيبةِ الجُبِّ؟
متى أحسُّ بأنَّ النجمَ يرقبُني
وأنَّ حلمَ الهوى عن كوكبي يُنبي؟
متى أرى الشرْق في حبٍّ يودِّعُنا
إلى العراقِ ويخفي دمعتي غَربي؟
متى يعودونَ يا ربّي ألا أملٌ
منْ أنْ يُسافرَ عنْ محرابِهِ جُدْبي
أنا أحبُّ وقد أوقفت أزمنتي
حتى لِتُرْسلَ لي من نجمها صوبي
عندي منَ الوقْتِ أنْ أهوى مجرّتَهُ
وأنْ يَضمَّ لدى أعشاشِهِ جنبي
إنّي عشقْتُ وعشقي ظلّ مختلفاً
عن كلّ عشْقٍ وما أفضى إلى اللعْبِ
أنا المتيَّمً في حُبِّيكَ يا وطني
إنْ كانْ ذنباً أنا أبقى على ذنبي
*