يعلمون ولايعلمون
أشرف شعبان أبو أحمد
لقد خلفت الحضارات القديمة من البقايا والأطلال، ما يدل على سابق تفوقها في كثير من علوم الدنيا، وإلى يومنا هذا يقف العالم كله منبهرا أمام كل جديد يكشف من آثارهم، وهكذا هو حال حضارة اليوم ارتقاء بكل مجالات الحياة المادية، وما صارت إليه يحير العقول ويدهش الألباب، فعلى مر العصور كانت الدنيا بكل متاعها وشهواتها، هي الشغل الشاغل للكثير من البشر، وأكبر همهم ومبلغ علمهم ولا يفكرون في سواها، فتوجهوا إليها بعقولهم أحيانا وبأهوائهم كثيرا، وبكل ما أوتوا من قوة، عملوا ما في وسعهم لتقبل الدنيا عليهم مرغمة بكل زخرفتها، ومضوا في ذلك أطوارا ومراحل حتى ظنوا إنهم قادرين عليها، قال تعالى ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ) الروم 7 فها هم يعلمون ما يخص أمور معيشتهم ومستلزمات حياتهم الدنيوية، وغفلوا عن الآخرة فلا الجنة يشتاقون إليها، ولا النار يخافونها ويخشونها، ولا المقام بين يدي الله ولقائه يعدون له عدته.
وقد بينت آيات من القرآن الكريم أن أكثر الناس لا يعلمون العلم المتعلق بالإيمان بالله ورسله والشرائع السماوية والسنن الإلهية، حيث اختتمت إحدى عشرة آية بقوله تعالى ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) منها: قوله تعالى ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف 40 أكثر الناس لا يعلمون أن الحكم لله في كل أمر من أمور ديننا ودنيانا، ولا يعبد إلا إياه وحده لا شريك له، وهذا هو الدين القيم المستقيم الذي لا عوج فيه، الموصل إلى كل خير. وقوله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الروم 30 أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك الدين الذي ارتضاه لعباده هو الدين القيم، الذي فطر الناس عليه، فبقاؤهم عليه وتمسكهم به تمسك بفطرة الله، فالزموها ولا تبدلوا خلق الله. وقوله تعالى ( قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سبأ 36 أكثر الناس لا يعلمون أن الله وحده هو الرزاق لعباده، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ويضيق على من يشاء منهم، لا لمحبة ولا لبغض ولكن يفعل ذلك لحكمة بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. وقوله تعالى ( وعد الله لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الروم 6 أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حق وأنه لا يخلف وعده، فكل ما وعد الله به عباده المؤمنين وما توعد به غيرهم فهو آت تحقيقه حينما وكيفما يشاء الله. وقوله تعالى في سورة غافر آية 57 ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وقوله تعالى ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الجاثية 26 وقوله تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) النحل 38 فرغم وضوح أن أمر خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن الذي خلقهما مع ضخامتهما واتساعهما وعظمتهما، لقادر على بعث الموتى من قبورهم أحياء، ليحاسبهم ويجازيهم، فمن أحياهم وأماتهم أول مرة، لقادر على إحيائهم مرة ثانية يوم القيامة، وأن وعد الله حق ببعث الأموات، وإحيائهم بعد أن كانوا ترابا، وجمعهم ليوم لا ريب فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقوله تعالى ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الأعراف 187 أكثر الناس لا يعلمون عن الساعة، فقد خفي علمها عنهم، فعلمها عند الله وحده. وقوله تعالى ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سبأ 28 أكثر الناس لا يعلمون أن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أرسل لكافة البشر بشيرا ونذيرا ورسالته عامة للناس أجمع. وقوله تعالى ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف 21 أكثر الناس لا يعلمون إذا أراد الله شيئا يغلب الناس عليه، ويقهرهم علي ما يريد، وتتهيأ الظروف والأحوال ليقع أمر الله. وقوله تعالى ( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف 68 أكثر الناس لا يعلمون عواقب الأمور ودقائق الأشياء، ومنها إلهام الله لأنبيائه وأصفيائه من العلم والمعرفة، فسيدنا يعقوب كان صاحب علم عظيم من الله، لا بحوله وقوته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه.
كما اختتمت خمسة عشر آية بقوله تعالى ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) منها: قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) لقمان 25 أكثرهم لا يعلمون، أن المنفرد بالخلق والتدبير، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد ولذلك أشركوا به. وقوله تعالى ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الدخان 38- 39 أكثرهم لا يعلمون إنه سبحانه وتعالى لم يخلق السموات والأرض وما بينهما لعبا، ما خلقهم إلا بالحق. وقوله تعالى ( أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ) النمل 61 أكثرهم لا يعلمون إنه تعالى هو الذي جعل الأرض قرارا يستقر عليها العباد، فهو الذي دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة، ليتمكنوا من السكنى والحرث والبناء والذهاب والإياب عليها، وجعل خلالها أنهارا ينتفع بها العباد في زرعهم وشربهم وشرب مواشيهم، وجعل لها جبالا ترسيها، وتثبتها لئلا تميد وتضطرب، وجعل بين البحرين المالح والعذب حاجزا يمنع اختلاطهما، فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما. وقوله تعالى ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الأنعام 37 أكثرهم لا يعلمون أن إنزال الآيات إنما يكون وفق حكمة الله تعالى وليس وفق ما يطالبون به، كما يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التي اقترحوها لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص في الدليل ولكنه عن تكبر وجحود. وقوله تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ) النحل 101 أكثرهم لا علم بربهم ولا بشرعه وأحكامه، وإذا بدلنا آية بآية أخرى والله أعلم بمصلحة خلقه بما ينزله من الأحكام في الأوقات المختلفة، قال الكفار إنما أنت كاذب. وقوله تعالى ( ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) يونس 55 ولكن أكثرهم لا يعلمون حقيقة إن كل ما في السموات والأرض ملك لله تعالى، لا شيء من ذلك لأحد سواه، ووعد الله بالبعث والجزاء حق. وقوله تعالى في سورة القصص آية 13 ( فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ولكن أكثرهم لا يعلمون أن وعد الله حق، وإن الله لا يخلف وعده، وهو كائن لا محالة، وأكثرهم لا يعلمون حكم الله في أفعاله وعواقبها، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس وعاقبته محمودة في نفس الأمر. وقوله تعالى ( أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) الأنبياء 24 أكثرهم لا يعلمون الحق، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل، فهم لذلك منصرفون عن الهدى، متجهون إلى الضلال، فمن جهل شيئا عاداه. وقوله تعالى ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الأنفال 34 أكثرهم لا يعلمون، بأن لا ولاية لهم على المسجد الحرام، وادعوا لأنفسهم أمرا غيرهم أولى به، إنما أولياؤه الذين آمنوا بالله ورسوله، وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة، وأخلصوا له الدين، ويتقونه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وقوله تعالى ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ) القصص 57 أكثرهم لا يعلمون إن المولى عز وجل جعلهم متمكنين في بلد آمن، حرم على الناس سفك الدماء فيه، يجلب إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه. وقوله تعالى في سورة الأعراف آية 131 ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصيبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أكثرهم لا يعلمون إن ما يصيب الناس من خير أو شر إنما هو بقضاء الله وقدره، وما يصيبهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما كسبت أيديهم، فينسبونه إلى غير الله، فيقولون ما يقولون مما تمليه عليهم أهواؤهم وجهالاتهم. وقوله تعالى ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الزمر 49 وأكثرهم لا يعلمون الفتنة التي يبتلي الله بها عباده، فإذا أصاب الإنسان شدة وضر دعا ربه أن يفرج عنه، وإذا كشف عنه ما أصابه وأعطاه الله من نعمه، عاد بربه كافرا ولفضله منكرا، وقال إن الذي أوتيته إنما أوتيته بسبب علم ونبوغ عندي واستعدادي واجتهادي وتفوقي في مباشرة الأسباب التي توصل إلى الغنى والجاه، بل الأمر ليس كما زعم، إنما أعطاه الله على سبيل الابتلاء والاختبار. وقوله تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) الزمر 29 وقوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) النحل 75 أكثرهم لا يعلمون حقيقة إن المشرك في حيرة وشك بينما المؤمن في راحة واطمئنان، وقد ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لشركاء متنازعين فهو حيران في إرضائهم، وعبدا خالصا لمالك واحد يعرف مراده وما يرضيه هل يستويان مثلا؟. كما ضرب الله مثلا لرجلا مملوكا عاجزا عن التصرف لا يملك شيئا ورجلا آخر حرا له مال حلال رزقه الله به يملك التصرف فيه ويعطي منه في الخفاء والعلن فهل يقول عاقل بالتساوي بين الرجلين. وقوله تعالى في سورة الطور آية 47 ( وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ولكن أكثرهم لا يعلمون إن للظلمة عذابا يلقونه في الدنيا قبل عذاب يوم القيامة، وأن العذاب ينزل بهم من قتل وسبي وإخراج من الديار وجوع وقحط وأوجاع وسقام وبلايا وذهاب الأموال والأولاد، يعذبون في الدنيا ويبتلون فيها بالمصائب لعلهم يرجعون وينيبون.
وأما بالنسبة لعلوم الدنيا فمازالوا وسيزالون لا يعلمون منها إلا القليل، ولن يبلغوا من العلم منتهاه، قال تعالى ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) الإسراء 85 والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
يعلمون كيفية معالجة الكثير من الأمراض، ومازال يستعصى عليهم علاج البعض، ومازلنا نرى ونسمع عن أمراض لم تكن موجودة من قبل، أو كانت موجودة، ولم يكن أحد يعلم بها، وكلما قضوا على وباء ظهر آخر، ولم يستطيعوا بما لديهم من علم تصور عالم خالي من الأمراض. وإذا كانوا على علم بقرب موت شخص وهو على سرير المرض وفي مرحلة متأخرة منه، فليس لديهم علم بالموت الفجائي لمن هو بكامل عافيته وصحته ومازال في مقتبل العمر ويمارس ما اعتاد عليه في حياته، أو بمن يلقي حتفه في حوادث الطرق والطائرات والقطارات وانهيار المباني والأعاصير والزلازل والحرائق. يعلمون إن بما لديهم من أسلحة فتاكة يمكنهم تدمير الكون كله في لحظات معدودة، ومن يوم لآخر يستزادون منها، ولكن لا يعلمون كيفية استخدامها في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولا يعلمون كيفية إحياء نفس واحدة قتلت لأنس كانت أو لحيوان أو طائر أو نبات. ولم ولن يخلقوا بذرة من العدم فضلا عن أي كائنا من كان، أو يصنعوا ورقة واحدة من أوراق أي نبات ودب الحياة فيها لتصير كما كانت عليه، قال تعالى ( لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) الحج 73 لن يقدروا مجتمعين على خلق ذبابة واحدة على ضعفها وصغرها فكيف بخلق ما هو أكبر؟، وإذا أخذ الذباب شيئا مما عليهم من طيب وما أشبهه لم يقدروا على إنقاذه منه أو استرداده منه. يستطيعون معرفة نوع الجنين ذكرا كان أم أنثي في مراحل تكوينه النهائية في رحم أمه، ولا يعرفون ذلك في بداية تكوينه عند دخول مني الرجل رحم المرأة، حيث تتسابق الحيوانات المنوية على تلقيح البويضة، فلا أحد يعلم أي هذه الحيوانات هو الذي أصاب البويضة، وما يحمل هذا الحيوان من جينات تشكل مع جينات البويضة مواصفات الجنين، ومن ثمة لا يعلمون المواصفات التي سيكون عليها بعد ولادته، قال تعالى ( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) الشورى 49-50 كما إن النطف التي تقذف في أرحام النساء هل هم الذين يخلقونها بشرا أم الله؟ ومن الذي يفسد تحولها؟ قال تعالى ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) الواقعة 58 وقال تعالى في سورة المؤمنون آية 14 ( ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) كما لا يعلمون هل يتم الجنين مدته ويخرج إلى الدنيا أم يسقط ولا يكمل، قال تعالى ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) الرعد 8. يعلمون آداب وبروتوكول ترتيب وتناول الأطعمة والأشربة ولكنهم لا يعلمون ما يحل وما يحرم منها، كما إنهم يغفلون ولا يهتمون بمصدر أموالهم أهي حلال لا شبهة فيها، أم نتيجة التجارة في المحرمات أو الودائع الربوية والرشاوى أم غيرهما من وسائل الكسب المحرمة. يعلمون كيفية استحداث وسائل الاتصال والتواصل بين الناس ولا يعلمون كيفية نثر التعارف والتآلف والتحاب بينهم، قديما كان أهل كل حي أو قرية يعرف بعضهم بعض، ويجتمعون دائما معا في دور العبادة أو الضيافة أو الأماكن العامة، وتجدهم جنبا بجنب في كافة المناسبات، أما الآن في ظل وسائل التواصل لا يعرف أي منا جاره في نفس المسكن والمساكن المجاورة. يعلمون كيفية الصعود إلى القمر والتنقل بين الكواكب، ولا يستطيعون تغير مسرى أي منهم، أو توقيف الأرض عن حركتها، أو تغير مطلع الشمس ومغربها، أو حتى تغير المناخ والطقس في عالمنا، وتحويل المناطق القارصة البرودة والتي تغطيها الثلوج إلى مناطق حارة أو العكس.
يعلمون كيفية حرث الأرض للزراعة وبذر البذور فيها وريها بالماء اللازم، ويعملون على استنباط أصناف جديدة لمحاصيل موجودة، ولكن لا يستطيعون إنبات كافة البذور المبذورة، وبعد ما ينبت منها وتزدهر وتبدو عليها علامات النمو، لا يستطيعون حمايتها من الآفات والأعاصير والعواصف والقوارض ومن إن تتلف وتتحول لهشيم لا ينتفع به، قال تعالى ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ولو نشاء لجعلناه حطاما ) الواقعة 63 -65 وتقوم الرياح بنقل حبوب اللقاح من ذكور النباتات للإناث لإتمام عملية التلقيح، فهل يستطيعون إرسال هذه الرياح وتوجيها لجهة دون أخرى أو وقفها ومنعها، قال تعالى ( أرسلنا الرياح لواقح ) الحجر 22. يعلمون كيفية تحويل مجرى النهر، وتحلية مياه البحر، ولكن لا يعلمون كيفية إنزال الماء العذب من المزن، على مكان ما ومنعه عن آخر، ومن يدعي إنزاله للمطر فلينزله في الصحاري، وليصنع منه أنهارا في المناطق القابلة للاستصلاح، وليمنع مواسم الجفاف عن المناطق الممطرة، قال تعالى ( أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون ) الواقعة 68 -70 كما لا يستطيعون إذابة جبال الجليد في المناطق القطبية وتحولها لأنهار.
وختاما: قال تعالى ( ذلك مبلغهم من العلم ) النجم30 كما أخبرنا القرآن الكريم، حين يظن أهل الأرض أنهم قادرون عليها، وعلى تسخير ما فيها بما يهوى لهم، جاءها أمر الله وقضاءه بهلاك ما عليها ليلا أم نهارا كأن لم تكن بالأمس، قال تعالى ( وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ) يونس 24 وقال تعالى ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) الحجر 3 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا بلذاتهم، ويؤملون البقاء في الدنيا، فيلهيهم عن الآخرة، فسوف يعلمون أن أعمالهم ذهبت حسرات عليهم، فلا يغتروا بإمهال الله تعالى فهذه سنته في الأمم.