منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عوالم الكتابة وأوجاعها في مجموعة “قُفْلُ الصَّمْت” لحميد الراتي

 د. عبد القادر الدحمني

0

عوالم الكتابة وأوجاعها

في مجموعة “قُفْلُ الصَّمْت” لحميد الراتي

 د. عبد القادر الدحمني

 

  • أما قبل:

“قُفل الصّمت”، هو عنوان مجموعة قصصية جديدة، للكاتب المغربي حميد الراتي، ابن مدينة سوق أربعاء الغرب، شمال العاصمة الرباط، صدرت عن دار الخليج العربي بتطوان في مطلع يناير من هذه السنة (2025)، وتضم بين دفّتيها 47 قصة قصيرة جدا، حاول عبرها الراتي أن يعمّق تجربته في تبنّي السرد الوجيز من خلال مراكمة الإبداع في مجال كتابة القصة القصيرة جدا.

ويُذكَرُ أن مجموعته القصصية الأولى “تنوءُ بِحُلمِهِم” صدرت سنة 2012 عن دار الوطن بالرباط، تَلَتْها بعد ذلك، مجموعة “ضمير مؤنّث” التي أثارت ضجّة في الأوساط النقدية وكذا السلطوية، خاصة حين تعرّض حفل توقيعها للمنع في نفس السنة.

وإذا كان من خصوصيات الكتابة، خاصة لدى حميد الراتي، أنها ابنة المعاناة، وابنة الهامش المقصي، فإنها أيضا وسيلة مقاومة وممانعة، وسبيل إثباتٍ للوجود ٍ وإعلانٍ للصوت، ولذلك يعتبر إصدار هذه المجموعة حدثا في حد ذاته، خاصة بعد إعلان الراتي، خلال السنة الماضية، اعتزاله الكتابة، احتجاجا على الأوضاع المؤسفة التي تعيشها الكتابة والكتاب، وفي ظل استمرار سيادة الإقصاء والتهميش وحصار الأصوات الجادة. فقُفلُ الصمت إذا، هي إعلان لاستئناف مسيرة إبداعية جادة وواعدة، وإشارة إلى رفع التحدي الإبداعي من جديد.

ولِمَا سبق، فإنني آثرت مقاربة مجموعة “قُفل الصمت” من زاوية استقراء معاناة الكتابة وأوجاعها وتحدياتها، محاولا نفخ بعض الرماد عن تلك الجمرة الملتهبة الحارقة للكتابة، بغية إبرازها ومناوشتها لمعرفة حجم شواظها ودرجة حرارتها ومستوى الألم الذي تتلظى به، ورصد مختلف وقود الأسباب التي تقف خلفها، وتثوي وراء كل ذلك الاستعار والتغيُّظ والزفير والشَّرَر. (أجارنا الله وإياكم من عذاب النار).

  • عتبة العنوان:

لقد جمع العنوان في تركيبة ما يندُر أن يجتمع، جمع محسوسا ماديا، مع محدوس معنوي، إذ الصمت ليس شيئا يمكن قياسه، سوى بقياس ما ليس بصمت، أي الصوت، وهكذا، لا معنى للصمت إلا عندما يغيب الصوت، فليس الصمت شيئا سوى غياب الصوت، فهو توصيف لحالة غياب، وليس إثبات لحالة حضور. فما الذي قصده الكاتب ب”قُفل الصمت”؟ وهل هو قفل بغاية إغلاق الصمت وإحكام حصره، حتى لا يمتد أكثر؟ أم أنها مجرد إشارة إلى القفل الجاثم على الأفواه حتى لا تتكلم أو تبوح أو تئن أو تصرخ؟ وهو ما يحتاج إلى فتح وحل.

إن القفل يحتاج إلى مفتاح بالتأكيد، وإلا احتيج إلى الكسر، أو اهترأ وتلاشى تدريجيا بفعل الصدإ وطول الزمن، وهو أمر أعتقد أن الكاتب يريد إثباته، لأن المدار يتركز حول المعنى الموحى به، وليس القائم الماثل، فالقفل يقابله المفتاح، مثل ما يقابل الصمتَ الصوتُ، ومن هنا كان البوح، والإفضاء، والكلمة، والكتابة، هي مفتاح القفل، وهي ما يراد له أن يكسر قفل الصمت، ويتمكن من تحطيم سجنه، ما دام القفل يعني الحصر والحبس والمنع والحجز، فالكلمة بهذا المعنى، هي الخروج والانعتاق والانطلاق والحرية.

ومن هنا جاء تركيزنا على موضوعة الكتابة في مجموعة “قُفل الصمت”، كيف يتمثّلها الكاتب، انطلاقا من نصوصه، بشكل قصدي، مباشر أو ضمني عفوي، أو إيحائي رامز ودال؟

  • هموم الكتابة.. وظلال السيرة الذاتية:

جاء في قصة “وداع”، قول السارد “ملامحي الغائرة في النسيان لحظة كتابة “ضمير مؤنّث”[1]، ولأن القصة مثل الرواية، تناوش السيرة الذاتية للكاتب، وتمتح منها مادتها، وتشتبك مع بعض صورها وأحداثها، بشكل مباشر أو ملتوٍ، وبصيغ متعددة، فإنها رغم ذلك ليست انعكاسا مباشرا لحياة الكاتب، وإن كانت تستفيد منها العديدَ من مواد بنائها، فالسيرة الواقعية للكاتب (ويدخل في إطارها المعيش الواقعي والمأمول والمقروء وغيره) تبقى مجرد خزّان، ومصفاة لعبور المادة المراد توظيفها، بشكل واع أو غير واع، فالذات تحظر بوصفها رؤية، وحساسية فنية، ومراسا لغويا، أكثر منها انكتابا واقعيا لأحداث ووقائع وتواريخ وأسماء وأحياز ومسارات فعلية، من هنا كانت التسمية التي أطلقتها عليها طليقته هي “الكائن الورقي”، ولهذا أيضا لم ينفك عن أحد ضروب الكتابة وأجناسها، أي الرسائل: “رسائل إلكترونية معنونة ب: – أيها الكائن الورقي”[2]. وهو ما يعني اللمز الخفي بأن البطل/الكاتب يميل إلى الوحدة، والكلمة المنسوجة على مهل، بعيدا عن المشافهة المباشرة، التي تفرض انكشافا، وعفوية، وسطحية، وتسرّعا في الكثير من الأحيان.

وفي قصة “ما رأيك؟”، نجد السارد مرة أخرى، يبسط وظائف الكتابة، ويقاسم المتلقي بعض معاناتها وخيباتها، رغم كل تلك اللذة الإبداعية التي قد يجدها في ذلك الانشغال بها والانكباب عليها، وهو ما يعبّر عن مراوحة نفسية مضنية، تتأمّل الكتابة وتنتقدها من الداخل، يقول: “أحاورني بكل اللغات الأشهى والأمر، كمعتوه سقط سهوا خلف ركام الحاويات المنكفئة، أحاورني حول ما سُرِق من العمر خلسة، وما بقي كوريقات الخريف الشاحبة، وصور الحياة المفبركة، حول رحم النصوص الفاشلة، والكتابة المستعصية على الفهم والإدراك، الكتابة المجوّفة، المرتعدة، القلقة، المهلكة..”[3].

  • وظائف الكتابة وهواجس الانكتاب:

أما في قصة “فلاشات عابرة”، فإن السارد يرصد وظيفة أخرى للكتابة غير تلك المعهودة، إذ هناك من يوظّف الكتابة بوصفها آلية للضبط والمنع، بل ووسيلة للإذاية وخدمة السلطوية، مثل تقارير المخبرين في دول الاستبداد: “دوّن على ورقة بيضاء: لقد خرج عن النظام”[4]. وفي نفس القصة، يصوّر الرّاصد/المخبر، في تعاطيه مع أجناس الكتابة، بصيغة واحدة، صيغة التأويل السلبي، الذي لا يهمه من كل الأجناس والأنواع إلا تلك التأويلات المفضية إلى الإدانة: “على شرفة كل قصيدة، وصخب كل قصة، يجلس مرتبكا كمشهد صامت، يصفق سرّا، يبتسم سرّا، يهاتف سرّا، يسجل كل حرف سقط سهوا، على حافة المنصّة”[5].

ويعود السارد في قصة “غسيل إلكتروني” ليثير إشكالية مَعين الكتابة وزادَها، ففي النهاية يتوجّس الكل من الكاتب، ويحذر أن توثق الكتابة “قصّته” الشخصية، وهو ما يجعلنا نستحضر أيضا التوجّس القائم من اكتشاف هوية من تفضي إليه بأسرارك بكونه صحفي، ذلك أن الكلّ يخشى تلك التعرية وذلك الكشف الذي تهدد به الكتابة، خاصة وأنها بطبيعتها ترصد الممنوع المخبوء، المستور عن الأعين والوعي: “تلوّح بيديها، وتتوعّد: – سترى أيها ال..، لن أدعك تكتبني الليلة، لتنشرني غدا على حبل غسيلك الإلكتروني”[6].

وهو الأمر الذي يتكرر أيضا في قصة أخرى بعنوان “عيد النسيان”، ولو بصيغة القبول العام والتسليم الراضي بفعل الكتابة والانكتاب، يقول السارد: “مرّر أصابعه على حلمها الناعم وقدّها البضّ..، رجّت دواخله حينما قرأ: – أما زلت تكتبني؟”[7].

ومن ضمن عناصر الاهتمام بفعل الكتابة ورصد عوالمها، نجد ذكرا لطقوسها، والتأثيث اللازم، عند البعض، لتلك الطقوس، كأن الكتابة عبادة أخرى، وكأنه لا بد من صنع محراب لها، وشحنه بتفاصيل من العناية والاهتمام تمنحها بعض القدسية اللازمة لسحرها، والضامنة لعمقها وأثرها، يقول السارد في قصة “شموع”: “أدركت لوهلة: أن الشموع حينما تذرف احتراقها، تجعل المساء أول بداية للكلمات”[8].

  • بين التسويد والتنقيح:

هل توجد كتابة لا تعاني من لوثة عدم الرضى عن المنجز، ومن ذلك الطموح الجشع للتجدد والاكتمال؟ وهل يكتمل التعديل ويسعف التصويب والتنقيح؟ وهل تسعف الذاكرة في كل ذلك؟ هذا ما يطرح البوح الآتي، ضمن قصة “سَفَر”: “لوّحتْ بغرور للقادم مصادفة، خالَتْهُ ظلًّا كسيحا يتكئ على ورق، أو مسوَّدة مخرومة لذاكرة منسية، خالته خطيئة لن ترتكبها بعد غفران.. أو.. كان قطارا مكوكيا.. وقد مرّ من هنا”[9].

ويتكرر ذكر المسوّدات، وربطها بالأرق والمعاناة الجسدية جرّاء عنت الكتابة وألمها، يقول السارد في قصة “رحيل”: “على أهبّة الرحيل، ألقيت لمحة عجلى على مسوَّداتي الجاهزة للطبع، قبّلتُ خجولا صورة الوالد، ودعت علبة الأسبرين وبخّاخ التنفُّس”[10].

وفي قصة “جسد ومرآة”، يتم طرح معاناة الكاتب في اختيار موضوعاته، والإشارة إلى بعض المحددات التي يمكن أن تسهم في دفعه إلى الكتابة عن موضوع ما أو تجنّبه، فدوافع الكتابة الأدبية لم تكن دوما عقلانية تتم هندستها مسبقا، بل تقودها العواطف والحساسيات الخاصة، في كثير من الأحيان: “ليس لديّ ما أنقّحه اليوم”. “أحقّا تمسك يديك لتكتبني.. ؟! كدتُ أقول: – بل أمسك يديّ كيلا أكتبك مرّة أخيرة، جسدا يخلع ريشه نحو النسيان”[11].

  • هاجس المنع والرقابة:

كما يمكن الإشارة إلى كابح شهير من كوابح الكتابة، وعائق أليم من معيقات وجودها وانتشارها، عالجه الكاتب في قصّة “حفل توقيع”[12]، وهو شبح المنع والقمع والمصادرة، وهو الأمر الذي عاناه الكاتب شخصيا في منع إحدى حفلات توقيع مجموعته “ضمير مؤنّث”، لكن الكاتب يرصد هنا، ذلك الأثر الصادم جراء المنع، على نفسية الجهات المُنظمة، رئيس الجمعية أو مكتبها، أو المشرف على حفل الاحتفاء والتوقيع، ولذلك جعل السارد يشير من طرف خفي إلى غاية المنع أحيانا، والتي تتعدى دفع الكاتب إلى الانكفاء والتخلّي، وممارسة الرقابة، والاستسلام، وتغيير اتجاه البوصلة، إلى إشاعة الخوف في الناس من الكاتب والكتاب، أي توتير العلاقة بين الجمهور وبين منتج القيم والرموز، وهو هجوم يتقصّد جعل القراء ينفضّون عن هذه الفئة، ويعودون للاهتمام بالمعيش اليومي في حدوده المرسومة، وحصر الاهتمام فيمن تختاره السلطة وتنصّبه وصيا على المجال، يجب اتباعه والتبرّم مما سواه، إنها الصوت الوحيد حين يفرض سطوته بقوة المنع والقمع.

  • بين الذاكرة والنسيان:

كما تحضر الكتابة في علاقتها بالذاكرة وبالنسيان، فلا كتابة خارج الذاكرة، ولا ذاكرة تبقى إن سيطر النسيان، فالبوح هو سبيل شفاء الذاكرة من نزفها، رغم أن اكتمال البوح تهدده طبيعة جراح الذاكرة، عمقا ونزفا، جاء في قصة “بقايا رحيل”: “نشيش مطر خفيف يتساقط على نزف الذاكرة، أفقد شهيّة العبور إلى اكتمال البوح”[13].

ومع ذلك، فإن هذا لا يرهن الكتابة للذاكرة بشكل دائم، رغم أنها تشكل المعين الفياض لأية كتابة، بل وبدونها لا يُتَصَوّر وجود أدب، لأنه لا هوية بدون ذاكرة، ولا كتابة بدون هوية ووعي بالذات وتموقعها في الزمن والتاريخ والثقافة، غير أن الكتابة ذاتها تُعَدُّ وسيلة لترسيخ الذاكرة، ومحاورتها في نفس الآن، فالكتابة تستند إلى الذاكرة، وفي نفس الآن تصنع ذاكرتها الخاصة، وهي الأبقى في النهاية، فالرمزي هو العابر للزمن في نهاية المطاف، جاء في قصة “بوح قصيدة”[14]: “راود قصّة بضّة عن نفسها، بعد أن أغوته بقدّها الممشوق، وارتهن اسمه وظلّه.. للنسيان”[15].

إن الكتابة ترمم الذاكرة بمعنى من المعاني، وتسهم في علاج بعض اختلالاتها، وأحيانا تبنيها من جديد، إنها علاج لأعطاب الهوية الفردية والجماعية كذلك، إنها وسيلة مصالحة، بين الواقع والمأمول، بين المتحصّل والسامي المطارد على الدوام، أي أنها تبقى آلية فعالة للمصالحة ومحاولة مفتوحة لتجاوز هذا التمزق الأنطلوجي بين حياة نرجوها، وماض نودّ أن نرضى عنه، فنمسح عنه الغبار، أو نبرّر وجوده بتلك الصيغة، أو نسعى إلى قراءته بشكل مختلف، كي نتمكّن من الاستمرار. إنها عملية تأويل أخرى، تقوم بها الكتابة، في محاورتها للذاكرة، فهي ابنتها بالتأكيد، لكنها تصير أمها حين يتم الحديث عن السرديات الكبرى للأمم والشعوب، ودورها في تشكل ذاكرة الفرد والجماعة.

  • مدخل القراءة:

ولعل أهم مدخل إلى فعل الكتابة، على مستوى الزاد، والعمق، واطراد بناء المعنى، هو فعل القراءة. فالقراءة هي جسر الكتابة ومَعينُها ومُعيلُها، وكل كتابة تقفز على ضرورة وجود زاد قرائي مكين يتفاعل مع التجربة الوجودية الشخصية، هي كتابة تقترب من الفقر المعنوي والدلالي وتروم انعزالية وانغلاقا لا يليق بها، بل لا وجود لكتابة، خارج مخزون اللغة ذاته، وهو مخزون ما كان له أن يصير متأتّيا لولا القراءة ودورها الحاسم في العملية، وهي قراءة تتطور حواملها حسب تطورات التكنولوجيا، من الورقي إلى الرقمي، إلى ما لا نعلمه في المستقبل، يقول السارد في قصة “اقتراع”: “جلس إلى مكتبه الافتراضي يقلب بأنامله الكتب المتناثرة بصيغة البيدي إيف: بوهيميا الخراب، تغريبة العبدي، كتاب الأمير، القوقعة.. فتح برنامج الوورد، بدأ يرقن بنهم تفاصيل المشهد رقم: 0”[16].

والقراءة هنا مفتوحة، ما دامت تقدم الرواية نموذجا لعالم هجين، تتداخل فيه المعارف والعلوم والفنون، ويقدم حياة موازية أخرى، لبناء الوعي وشحذ الحواس، وتطعيم الوجدان، وأجرأة المعرفة في سياق الوجود الاجتماعي والنفسي على المستوى الفردي والاجتماعي.

إن القراءة، باب الكتابة، ومفتاح أخر لكسر “قُفْل الصّمت” أيضا.


[1] – ص: 7.

[2] – ص: 7.

[3] – ص: 17-18.

[4] – ص: 26.

[5] – ص: 26-27.

[6] – ص: 29.

[7] – ص: 30.

[8] – ص: 40.

[9] – ص: 44.

[10] – ص: 48.

[11] – ص: 54.

[12] – ص: 52-53.

[13] – ص: 58.

[14] – ص: 56.

[15] – ص: 57.

[16] – ص: 68.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.