منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثلاثية التخاذل عن نصرة المستضعفين”الاستخفاف والإرجاف والإسفاف”

الأستاذ عثمان غفاري

0

ثلاثية التخاذل عن نصرة المستضعفين

“الاستخفاف والإرجاف والإسفاف”

الأستاذ عثمان غفاري

جعل الله عز وجل نصر المسلمين وعزهم بنصرة دينه فقال: “إن تنصروا الله ينصركم” وجعل الأخوة في الدين بين المسلمين علامة الإيمان وشرطه فقال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة”، وأوجب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النصرة العملية بنصرة المسلم لأخيه المسلم فقال: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”، وقال صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”..

وإن المتتبع لما يمارسه الكيان الصهيوني من قتلٍ وتخريبٍ وإرهابٍ في حق إخواننا الفلسطينيين بدعم دولي غير محدود وبلا قيود، وتغطية إعلامية غربية متعصبة ومتحيزة ضد فلسطين وأهلها المقاومين، وتخاذل مقيت ومخز لحكام العرب والمسلمين الظالمين، ليتساءل بألم وحرقة عن الحجج التي اعتمدها هؤلاء وأولئك لتبرير هذا الخزي والعار؟! فما التفسير الذي يعتمده كثير من أبناء جلدتنا أيا كان دينهم وتوجههم وقناعاتهم لخذلان صمود أبناء فلسطين العزيزة، وتقدير تشبثهم بأرضهم الغالية، وتمسكهم بالبقاء فوق ترابها، مهما كان الثمن والتضحيات؟!

فالأرض أمومةٌ وعِرضٌ وشرفٌ، ولا أحد يحق له أن يلوم المتمسكين بأرضهم، الباذلين للنفس والنفيس حتى لا تترك حمًى مستباحًا للمستعمرين الغاصبين.

لكن مع ذلك نجد من بني جلدتنا وملتنا من لا يستحي من مناصرة الصهاينة والاصطفاف معهم ضد إخوانه في الدين والعروبة والمصير، فما هي يا ترى أسباب هذا التخاذل والتخذيل؟ هذا ما ستحاول هذه المقالة تسليط الضوء عليه بمشيئة الله تعالى.

السبب الأول: استخفاف الحكام

الاستخفاف هو حمل خفاف الأبدان والعزائم، وطائشي العقول والأحلام، على فعل الخطايا والرزايا على عَجَلة بغير بصيرة؛ قال تعالى: “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ”، ومن تم فاستخفاف الحكام بالشعوب لتثبيت عروشهم أمر قديم بدأ بفرعون عليه من الله ما يستحق، الذي حال بين بني إسرائيل والإيمان، لما رأوا آيات الله “ِتسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ” وتهيئوا لقبول دعوة موسى عليه السلام، لكن ظهر فرعون ليعلن “مالكيته للأرض وما عليها” دون برهان واضح أو دليل حسي أو عقلي.

فكان الاستجهال لهم بإعطائهم معلومات مغلوطة صورها لهم عن طريق القوة أو الخداع أو الترهيب، على أنها الحقيقة “نَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ”.. استخفاف يقوم على استخدام القوة في الإخضاع والاستتباع عن طريق القمع بقطع الأعناق أو منع الأرزاق، وكذا استبدال الحقائق وتزييف الوعي بالشعارات البراقة، والوعود المطمئنة حينا، واستعمال الفزَّاعة بتخويف الناس من الإقدام على أمور مُعَينة حينا آخر؛ أو بإيهام الناس بأن الاستقرار والاستثمار يكمن في استمرار الظُلام في أحايين أخرى، ونحن في هذا “نسمع جعجعةً ولا نرى طِحْنًا”، وهذا تجده في السياسة والاقتصاد، والتربية والتوجيه.

فعن طريق الاستخفاف مرر الفرعون السياسي، صاحب الغرور والتضخم النفسي، والإمكانات الذاتية الضعيفة أو المتواضعة جريمة التطبيع، وعن طريق هامان الميدان القائم على التخطيط الدعائي والإعلامي والنفسي، تم تسويغ الخذلان والاقتصار على التنديد والشجب البارد في بيان سوى بين الضحية والجلاد وجعلهم سيان، وعن طريق الجنود المنفذين لغرور (الفرعون) وخطط (همان)، أخضعت شعوب بالحديد والنار فصاروا أحلاس بيوت العنكبوت، وإن أوهن البيوت بيت العنكبوت، لو كانوا يعلمون، فكان القمع والسحل والسجن للأحرار والحرائر في كل مكان وزمان.

نظرية الاستخفاف كما يسجلها القرآن الكريم تقوم على فرض إيمان مزيف لا يقبل من القرآن إلا الرسم، ولا من الشريعة إلا الاسم، ولا من المؤمنين إلا كل خائن خائر العزم والحسم.

لذا نطالب حكام الدول العربية والإسلامية، بأن يستشعروا واجاباتهم ومسئولياتهم الدينية والتَّاريخية، ويسارعوا إلى نصرة ودعم الفلسطينيين المدنيين الأبرياء، وتقديم المساعدات الإنسانيَّة والإغاثية على وجه السرعةِ، وضمان عبورها إلى الشعبِ الفلسطينيِّ في قطاع غزة. فالنصرة واجبٌ دينيٌّ وشرعيٌّ، والتزامٌ أخلاقيٌّ وإنسانيٌّ، والتاريخ لن يرحم المتقاعسين المتخاذلين عن هذا الواجب.

ثانيا: إرجاف الإعلام

الإرجاف هو بث ونشر الأخبار المثبِّطة والمحبطة؛ بغرض إحداث الاضطراب، وزعزعة الثقة، والأمنِ والإيمان في نفوس المؤمنين، والإرجاف نوع من أنواع الإشاعات؛ قال عز وجل: “لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا”، وللإرجاف في عصرنا أشكال نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1- الأخبار الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة، والتي يفتريها الأعداء ومروِّجو الإشاعات والأكاذيب، من قبيل قضية بيع الفلسطينيين أراضيهم للصهاينة، ونعت المقاومين بالإرهاب.

2- الأخبار المشكِّكة، التي أصلها صحيح، وفروعها لا أساس لها من الصحة، وهي عناوين صحيحة فقط، والمضامين كاذبة، وكالعادة فالناس يحفظُون العناوين، وينسَوْن المضامين، من قبيل اتهام المقاومة باستهداف المدنيين، والحديث عن خروج قادة المقاومة خارج فلسطين للاستجمام وترك الشعب للقصف والعدوان.

3- الأخبار السيئة التي أصلها وفرعها صحيح، الأخبار والعيوب التي يجب أن تستر، فيفشيها ويضخمها أعداء الدين ومشعلو نار الفتنة، ومنها أخبار الفتن والشر.

فعن طريق الإرجاف الإعلامي يتم يوميا تثبيط العزائم، وتخذيل المقاومين، واستهدافهم بالهمز واللمز والنبز، والتعويق، فإذا كان المرجفون في المدينة زمن رسول الله ﷺ قالوا  “بيوتنا عورة “، فإن المرجفين اليوم يقولون إننا في أرض مكشوفة؛ وأمريكا تملك حاملات الطائرات، وإذا كان المرجفون قديما قالوا “شغلتنا أموالنا وأهلنا” إيثارا للفاني على الباقي، فإن مرجفي اليوم قالوا للمقاومة: معركتك هذه خاسرة! والعدو أقوى وفعلك جلب علينا البلوى، وألا تحرير إلا في عصابة الأمم حين تقرر الدول الكبرى ! ولو كان مرجفو اليوم مع الأمير عبد الكريم الخطابي في معركة أنوال؛ لقالوا له لا طاقة لنا بالإسبان!

إرجاف اليوم صار صناعة لها مدبروها وممولوها وخططها، إرجاف اليوم صار مؤسسة عابرة للحدود تنشر السم في العسل، فصارت تازة قبل غزة، وصار الجلاد ضحية، وصار قتل الأبرياء حقا، ومدافعة الباطل جرما، والصهاينة إخوة، والدعاة متأسلمين، والربا فائدة، والزنا علاقة رضائية، والفساد حرية….

فالمطلوب منا تطهير الإعلام من الأدران، وإطلاق بدائل ناجحة للإعلام حتى يكون لنا إعلام قوي مقاوم يدحض أراجيف المبطلين، ويربي الناشئين على مركزية قضية فلسطين.

ثالثا: إسفاف العوام

الإسفاف هو ثمرة الاستخفاف والإرجاف، وعنوانه البارز الابتذال اللفظي والارتجال العملي والاستعجال للثمار المستقبلية، إسفاف يحكم عامة الناس، فيحرصون على الآني بدل الاستراتيجي،٧٧ فتراهم يضيقون بخطوات الصالحين التغييرية، ويمتنعون عن البذل والتضحية، فيمارسون البذاءة ويتابعون التفاهة ويروجون للسخافة، ويخضعون للمتاجرين الذين جعلوا من الكوارث إنجازاتٍ، ومن التزوير نزاهة، ومن الكذب شفافية، ومن الوكسة ريادة، ومن التطبيع استثمارا، ومن الفقر اختبارا، ومن الموات استقراراً.. ومن مجرد انطباعات يحكمون على الدعاة والمجاهدين بأنهم أغرار.. شعب طيب بلغ به الإسفاف لمرحلة الاستعباد والاستبلاد، فمن له ليطهر قلبه بالرحمة، وينير عقله بالحكمة، ويداوي جراحه بالحضور المسؤول.

من لهذا الشعب المظلوم المحقر حتى يوقظه من سبات ويحييه بعد موات، ويأخذ بيديه ليعلم بأن مدخل التغيير تغيير ما بالأنفس عبر الصحبة في الجماعة وهي قبلة الصلات، وبرهان الوفاء والثبات.

 فاستهداف المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ العزل، وقصف المستشفيات والأسواق وسيارات الإسعاف والمساجد والمدارس التي يأوي إليها المدنيونَ، والحصارَ الخانق لقطاع غزة بهذا الشكل اللاإنساني، واستخدامَ الأسلحة الثقيلة والمحرمة دوليًّا وأخلاقيًّا، وقطعَ الكهرباء والمياه، ومنعَ وصول إمداداتِ الطعام والغذاء والمساعدات الإنسانية والإغاثية عن قطاع غزة، وبخاصة المستشفيات والمراكز الصحية -كلُّ ذلك هو إبادةٌ جماعيةٌ، وجرائمُ حربٍ مكتملةُ الأركان، ووصمةُ عار يسطِّرُها التاريخ بعبارات الخزي والعار على جبين الصهاينة وداعميهم ومَن يقف خلفَهم، لا يفوتها في الوحشية والإذلال و الهوان إلا استهداف القلوب بالآثام والذنوب، حتى غشاها الران، ووعمها الصدأ، وعششت فيها الغفلة المقعدة عن الجهاد والاجتهاد.

من لهذا الشعب المجهل المستلب المغرر به بالوسائط الاجتماعية والقنوات الفضائية، حتى يعلمه ويرشده إلى أنَّ الدنيا مفارقة متروكة، وأن تحرير الأمة رهين بتحرير العقول من الشبهات، والنفوس من الشهوات والإقلاع عن الترهات في ظل صحبة مباركة وجماعة مجاهدة.

فالدعم الغربي اللامحدود واللاإنساني للكيان الصهيوني ومباركةَ جرائمه، دل بوضوح كبير على أن الكفر ملة واحدة، وبأنه ما حك جلدك مثل ظفرك، فتعين علينا الاستمداد والإعداد والاستعداد.

فليعلم العالم أجمع بل لتعلم الدنيا كلها أنَّ كلَّ احتلالٍ إلى زوالٍ، إن آجلًا أم عاجلًا، طال الأمد أم قصُر.

 وليعلم حكام الهزيمة بأن ظلم أهل فلسطين، هو ظلم لأنفسهم ولشعوبهم وتواطؤ مفضوح  مع الصهاينة الذين عاثوا في الارض فسادا فأهلكوا الحرث والنسل والحيوان.

فاللهم أعنا على هاته المهام الجسام حتى ننصر إخواننا على الدوام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.