التصور المنهاجي لظاهرة العري سببها وعلاجها (1) |سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بالمغرب خنيفرة سابقا
عباد الله، يقول تعالى في سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 27].
عباد الله، الحق سبحانه وتعالى قبل أن يطلب منا ألا نفتتن بالشيطان، أوضح أنه قد رتب لنا كل مقومات الحياة، وعلينا أن نتذكر موقف الشيطان من أبينا آدم وإِغواءه له . وبعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى قصة خلق آدم، وأعلمنا أنه خلقه للخلافة في الأرض، وأن موضوع الجنة هو حلقة مقدمة لتلقي الخلافة؛ فمن رحمة الله بهذا الإنسان الخليفة، أنه لم ينزله للأرض ابتداءً ليتلقى المنهج بدون تدريب واقعي على المنهج، فجعل الجنة مرحلة من مراحل ما قبل الاستخلاف في الأرض، وحذره من الشيطان الذي أبى أن يسجد له، وأراد منه أن يأخذ التجربة في التكليف. وحصره في شجرة واحدة فقط، وكل تكليف محصور في « افعل كذا »، و « لا تفعل كذا »؛ لذلك شاء الله أن يجعل له في الجنة فترة تدريب على المهمة؛ لينزل إلى الأرض مباشراً مهمة الخلافة بعد أن زوده بالتجربة الفعلية الواقعية، وأوضح له : أَنْ كُلْ مِنْ كُلِّ ما في الجنة، ولكن لا تقرب هذه الشجرة . و « كُلْ » أَمْرٌ ، و « ولا تقرب » نَهْيٌّ . وكل تكليف شرعي هو بين: « لا تفعل » وبين « افعل » .وبعد ذلك حذره سبحانه من الشيطان الذي يضع ويجعل له العقبات في تنفيذ منهج الله، فلما قرب آدم وحواء وأكلا من الشجرة؛ خالفا أمر الله في: (وَلاَ تَقْرَبَا )، وأراد الله أن يبين لهما بالتجربة الواقعية أن مخالفة أمر الله لابد أن ينشأ عنها عورة تظهر في الحياة، فبدت لآدم ولزوجته حواء سواءتهما، فلما بدت لهما سواءتهما علم كل منهما أن مخالفة أمر الله؛ تُظهر عورات الأرض وعورات المجتمع، فأمره الله: أن اهبط إلى الأرض مزوداً بهذه التجربة . ولما هبط آدم وزوجه حواء إلى الأرض، أرسل الله إليه منهج السماء بعد التجربة، وأراد أن يبين لنا أنه عصى أمر ربه في قوله : (وَلاَ تَقْرَبَا) ، وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وأراد سبحانه أن يبين لنا أن آدم يتمثل فيه أنه بشر يصيب ويخطئ، وتدركه الغفلة، وقد يخالف منهج الله في شيء، ثم يستيقظ من غفلته فيتوب. فأمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. إنها كانت تدريباً لآدم على المهمة التي سيقوم بها في الأرض، وإلا فلو أن آدم قد خلقه الله للجنة، وأن المعصية أخرجته، إلا أن الله قد قبل منه توبته، وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة، ومن هنا نقول ونؤكد: إن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع علينا التجربة لآدم حتى نتعظ بها، وأن نعرف عداوة الشيطان لنا، وألا نقع في الفتنة كما وقع أبونا آدم عليه السلام. [تفسير الشعراوي بتصرف(ص: 2849)]
عباد الله، من الظواهر الاجتماعية التي تقض مضجع المسلم الغيور، ما يلاحظ من أنواع اللباس السافر الذي تعج به الأسواق، ويتنافس على ارتدائه غالبية النساء المسلمات، حتى إنه لم يبق من جسدهن المغطى إلا ما لا يليق كشفه لانعدام صلاحيته للإثارة، فما السبب في تفشي هذه الظاهرة المرضية الخطيرة التي لا تزداد في مجتمعاتنا المسلمة إلا فشوا كالنار في الهشيم، فضلا عن المجتمعات الغربية؟ وما علاج هذا المرض؟
عباد الله، إن أعجب ما أعجب منه، ذلك العالم المسلم، وذلك المفكر، وذلك المحلل السياسي … الذين يغرقون في التحليلات الجانبية لأية ظاهرة من الظواهر المَرَضية في المجتمع؛ دون رجوعهم إلى المصدر الأصلي الذي هو كتاب الله الذي فيه نبأ من قبلنا، وحكم ما بيننا، وخبر ما بعدنا، هو القول الفصل؛ ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، أو الرجوع إلى سنة الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والتي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، والحجة البيضاء اللاحبة التي من تمسك بها لن يضل أبدا.
عباد الله، وحتى إن رجع أحدهم إلا هذين المصدرين، فبأي فهم يرجع إليهما؟ هل بعقلية علماء العصور الوسطى رحمهم الله تعالى؛ الذين عاشوا زمن الملك العاض؟ أو بعقلية عصر الملك الجبري الذي مازلنا نعيش تحت وطأته؟ وهل بعقلية الذي وعى المراحل التاريخية التي سطرها لنا الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ليعرف أين توضع الأقدام كي لا نخدع بالمظاهر المغرية من فتوحات إسلامية واختراعات علمية، ونغفل عن اللب الأساسي الذي هو سبب كل هذه الويلات التي يعيشها العالم اليوم، نتيجة تخلي المسلمين عن رسالتهم القيادية ؟
عباد الله، لابأس أن نُذكّر بالحديث النبوي الشريف؛ الذي نجعله نبراسا لنا في كل تحليلاتنا، ونورا لنا نهتدي به في سيرنا، وصُوًى على طريقنا، روى الطيالسي، والبزار، وأحمد، والروياني، والضياء، عن النعمان بن بشير عن حذيفة رضي الله عنهم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ)، [أخرجه الطيالسي (ص 58، رقم 438)، والبزار (7/223، رقم 2796)، وأحمد (4/273، رقم 18430)، قال الهيثمى (5/189): رواه أحمد في ترجمة النعمان، والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط، ورجاله ثقات].
عباد الله، إذا أردنا إعادة إبرام ما انتقض من عرى الإسلام، وبناء ما هدم من الدين، فإن الخلافة على منهاج النبوة التي وعدنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي هي حق وصدق، ووعد لا يخلف، لا تبنى على الأنقاض، بل لابد للبناء أن يكون على أسس متينة، وقواعد راسخة، أصلها ثابت في زمن النبوة، وفرعها في السماء.
عباد الله، وحتى إذا اتحد التصور لدى هؤلاء المحللين، يبقى التفاوت باختلاف الإرادات، إذ لا يكفي الرجوع إلى المصدرين الأساسيين الكتاب والسنة في غياب الإرادات القوية، والهمم العالية. وقد حالف الصواب ذلك الرجل الغربي الذي اطلع على الدين الإسلامي في الكتب، فقال كلمته الناصعة: “يا له من دین لو كان له رجال”، والرجال لا يكونون إلا بقوة الإرادة في تطبيق الكتاب والسنة، وهذه الإرادة القوية لا تكون إلا عند أصحاب الهمم العالية، ممن جعلهم الله نموذجا وقدوة للآخرين .
عباد الله، بهذه البداية السليمة، يكون التحليل لأية ظاهرة من الظواهر معنى وهدفا، وإلا فسيبقى كلامنا مجرد صرخة في واد، أو نفخة في رماد، وتبقى أفكارنا مجرد حبر على ورق.
عباد الله، ماذا يمكننا أن نقول عن هذا العري الذي تظهر به المرأة المسلمة في مجتمعاتنا، والذي لا مثيل له من قبل، ولخطورته نبأنا عنه الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلامه عليه، وحذرنا منه، وتوعد أصحابه بالحرمان من نعيم الجنة، والخسارة الدائمة والأبدية؟ روی الإمام مسلم في صحيحه، باب النساء الكاسيات العاريات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (صنفان من أهل النار لم أرهما … ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ). [صحيح مسلم (6/ 168)، باب النساء الكاسيات العاريات، ح 5704]
عباد الله، إن اللباس في غياب التصور المنهاجي، يعتبر عند الناس مجرد مسألة شخصية، في حين؛ أن الله عز وجل اعتبره تكريما للإنسان، ونعمة منَّ الله بها عليه، فمنذ أن خلق سبحانه وتعالى آدم وحواء عليهما السلام، ستر جسميهما في الجنة تكريما لهما، فقال عز وجل ممتنا عليهما كما ورد في سورة طه: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) [طه: 118]، وبعد الخروج إلى الأرض التي هي دار الامتحان، أمر الله عز وجل الرجل والمرأة على حد سواء، أن يسترا من جسمهما كل الأجزاء التي فيها جاذبية وفتنة للصنف الآخر، وما اللباس الذي يشف عن الجسم، ويفضح العورات بلباس في نظر الشرع، ولا في نظرة الآدمي، وأول ما يميز المؤمن من الكافر، الشعور بذاته وجسمه، ذلك أن للمؤمن عورة، بمعنى أن لجسمه كرامة، في حين أنها ليست للكافر عند نفسه ولا عند الله، فهو نجس كله، قال تعالى في حقه في سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [التوبة: 28].
عباد الله، إن شرع الله يريد تكريم الآدمي، فيحدد له حدود عورة جسده، ويدعوه لسترها، وعدو الإنسان من شياطين الإنس والجن يریدون إهانته وإذلاله فيدعون إلى تعريته، ومن تكريم هذا الإنسان، تطهير جو المجتمع الذي يعيش فيه، من كل مغريات الفحشاء والمنكر، وهذه المغريات مصدرها جميعا الباطن الإنساني. فهناك تنشأ جراثیم کل منكر وفاحشة، ومن هناك تبتدئ المحركات الضعيفة التي ربما غفل عنها الإنسان الجاهل، زاعما أنها مجرد هنات لا تضر، ولكنها في – رأي الحكيم العليم – علة العلل، وأصل الأمراض التي تدمر التمدن والأخلاق والاجتماع …
عباد الله، إن قصة اللباس في حياة البشرية، تبتدئ، ببداية خلق أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، وصراعهما مع عدوهما إبليس لعنه الله، ينقلها لنا القرآن الكريم في سور قرآنية عديدة، ويفصلها في سورة الأعراف، إذ تبدأ القصة بقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) [الأعراف: 10- 15]، أي أن الله سبحانه وتعالى جعل لكم أيها الناس في الأرض مكانا وقرارا من سكناها وزرعها والتصرف فيها، وجعل لكم ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب؛ وسائر ما تكون به الحياة، ومع هذا الفضل والإنعام، قليل منكم من يشكر ربه، و خلق الله أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صوره سبحانه وتعالى أبدع تصوير، وأحسن تقويم، وذكر سبحانه وتعالى لفظ الجمع تعظيما لآدم عليه السلام؛ لأنه أبو البشر، ثم أمر سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود لآدم تكريما له ولذريته، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس امتنع من السجود تكبرا وعنادا، فرد الأمر على الآمر، فقال سبحانه وتعالى – وهو العليم الخبير – لإبليس لعنه الله: أي شيء منعك أن تدع السجود لآدم؟ والاستفهام هنا للتقريع والتوبيخ، فقال إبليس اللعين: أنا أفضل من آدم، وأشرف منه، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر إبليس العلة في الامتناع فقال: أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره، لأنني مخلوق من نار، والنار أشرف من الطين، فنظر اللعين إلى هذا؛ ولم ينظر لأمر من أمرَه بالسجود، وهو الله جل جلاله، ونظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم، الذي يكمن في أن الله عز وجل خلق آدم بيده، و نفخ فيه من روحه، وقاس قياسا – فاسدا فأخطأ – قبحه الله – في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار محل العذاب، ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار، فأمره الحق عز وجل بالهبوط من الجنة، فما يصح ولا يستقيم ولا ينبغي أن تتكبر عن طاعتي وأمري، وتسكن دار قدسي، فخرج منها وحكم الله عليه بالصغار والذل والخسارة، واستدرك اللعين، فطلب من الله الإمهال إلى يوم البعث، لينجو من الموت، لأن يوم البعث لا موت بعده، فأنظره الله عز وجل إلى النفخة الأولى فقط، حيث يموت الخلق كلهم، وأبی الله عليه طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمین.
عباد الله، من وقتها بدأ التوعد والتهديد من الشيطان اللعين للإنسان المكرم بمنهج الله، إذ قال: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا، لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأعراف: 16 – 18].
وهكذا توعد إبليس اللعين آدم عليه السلام وذريته، وصرح بعداوته لهم، وأنه سيقعد لهم على طريق الحق وسبيل النجاة الموصل للسعادة الدنيوية، والنعيم الأخروي، وأنه سيأتي الناس من كل جهة من الجهات الأربع، ليصدهم عن دين الله، بمعنى أنه سيأتيهم من جميع وجوه الحق والباطل، فيصدهم عن الحق، ويُحسّن لهم الباطل، حتى إنه لا يترك إلا قلة هي الشاكرة لنعم الله، المطيعة لأوامر الله، فيأتيهم من جهة اليمين ويسميه لهم ب“اليمين”، ويجعله لهم مصطلحا سياسيا، ويأتيهم من الجهة المقابلة ويسميها “اليسار”، ويأتيهم من الأمام ويسميها “التقدمي”، ويأتيهم من جهة الخلف ويسميها “الرجعي”، وكلها مصطلحات سياسية تدل على معان مخالفة للهدي النبوي الشریف، لا يقصد منها سوى الصد عن الصراط المستقيم، وهكذا أخرج الله عز وجل اللعين قائلا له: اخرج من الجنة مذموما معيبا مطرودا من رحمتي، وسأملأ جهنم بكل من أطاعك من الإنس والجن من الأتباع الغاوين أجمعين، وهذا وعيد بالعذاب لكل من انقاد للشيطان وأعوانه، وترك أمر الرحمن.
عباد الله، وتبدأ خطوات الشیطان في كشف عورة الإنسان، ويبدأ الصراع على أشده بين آدم وحواء عليهما السلام من جهة، وتخطيطات الشيطان اللعين من جهة أخرى، ويبدأ الامتحان الرباني، قال تعالی في سورة الأعراف: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ، فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 19 – 23]، أي أن الله عز وجل قال: یا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة بعد أن أهبط منها إبليس لعنه الله، وأخرج وطرد، فكلا من ثمارها من أي مكان شئتما، وأباح لهما الأكل من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة عيّنها لهما، ونهاهما عن الأكل منها ابتلاء وامتحانا، ليظهر لهما، عن طريق التجربة الميدانية، كيف يكون مكر الشيطان وخطواته، وأنه عدو لهما ولذريتهما إلى يوم الدين، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة، وألقى لهما بصوت خفي لإغرائهما بالأكل من الشجرة، وقصده من وراء ذلك أنه أراد – لعنه الله – أن يظهر لهما ما كان مستورا من العورات التي يقبح كشفها، وهذا هو قصده اللئيم، في كل عصر وفي كل مصر، بمعنى أن العري الذي آل إليه أمر أبوینا آدم وحواء عليهما السلام، كان عقابا من الله لهما على ذنبهما، وكان نتيجة استجابة لإغواءات الشيطان وطاعته، وارتكاب المعصية، وعلى قدر المعصية المرتكبة، على قدر العري الذي يجازى به الإنسان، فالعري ليس تقدما ولا عملا حضاريا، وإنما هو عقاب رباني، سماه الشيطان اللعين عدو الإنسان موضا، في إطار التضليل بتسمية الأشياء بغير اسمها الحقيقي، إذ سمى الشجرة المحرمة على أبوينا، بشجرة الخلد وملك لا يبلى، قال تعالى في محكم كتابه في سورة الشورى : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30].
عباد الله، هذه هي حقيقة العري في التصور القرآني، وأنه لا علاقة له برقي الإنسان وتقدمه، وإنما هو ارتكاس بفطرة الإنسان إلى الحيوانية الدوابية، لأن جمال الإنسان في الستر، وجمال الحيوان في العري، وهذه هي فلسفة اللباس في الإسلام، والذي ارتقى به فربطه بعبادة الصلاة، ولم يبق مجرد ثوب يستر جسد الرجل والمرأة، بل جعله شرطا في صحة صلاتهما، وأضفى عليه دور الزينة، وربطه بزيارة بيت الله، وحضور الجماعة مع المؤمنين، فقال سبحانه في سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 31 – 32]. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.