البعد الرسالي الاجتماعي من خلال شخصية أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
سعد أفوغال
البعد الرسالي الاجتماعي من خلال شخصية
أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
سعد أفوغال
باحث: في قضايا الفكر الإسلامي
جامعة محمد الخامس- الرباط.
أكد علماء الإسلام قديما وحديثا أن من فاته علم السيرة في معرفة تاريخها، ومصنفاتها، ومضمونها، ووقائعها، وأحداثها، فقد فاته خير كثير، وجميل به أن لا يُعِد نفسه من أهل العلم، ولو كان له رسوخ في علوم أخرى. قال العز بن عبد السلام (ت 660هـ): “واعلم أن لا أدب كأدب رسول الله، ولا خلق كأخلاقه، فمن وفقه الله أعانه على البحث عن أخلاقه والاقتداء به، ليتخلق منه بما قدر عليه، ويصل إليه، وما من أحد إلا وقد هم ولمَّ، فيا سعادة من اقتدى به، واستن بسيرته وأخذ بطريقته، وامتلأ قلبه من محبته، في دق ذلك وجله، وكثره وقلّه، ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[ آل عمران: 31] ، ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[ النور: 54] ، ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[ سورة الأحزاب: 71] “[1].
وليس الغرض من دراستها وفقهها، مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث، ولذا فلا ينبغي أن نعتبر دراسة فقه السيرة النبوية من جملة الدراسة التاريخية، شأنها كشأن الاطلاع على سيرة خليفة من الخلفاء، أو عهد من العهود التاريخية الغابرة- وإنما الغرص منها “أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته عليه السلام، بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكاما مجردة في الذهن”[2].
حينما نتحدث حديث الاجتماع في الإسلام، أو في السيرة النبوية، نجد الله تعالى يقول: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ ﴾ [ سورة الأحزاب: 6] ، هذه الآية كما فيها ما يرتبط بمقام النبي من أمته من حيث توقيرُه، ومن حيث إجلاله عليه السلام، كما تبين أيضا محل أمته منه أنه صلى الله عليه وسلم اولى منها من أنفسها، هي أيضا تتحدث حديثا اجتماعيا خلال شطر الآية الثانية ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ ﴾ [ سورة الأحزاب: 6] ، فالمسلم في هذه الآية يجد نفسه مَعنيا بصلة اجتماعية بينه وبين أزواج رسول الله، ينبغي له أن يَعيها ويفهمها، فكل زوجة منهن أم لك أيها المسلم أيتها المسلمة.
ولا يخفى أنّ من كانت له أمٌّ، يحرص كل الحرص على أن يعرفها على الأقل، وإلا فإنه ينبغي أن يحيط بحالها من كل جانب، ليجعل تلك الصلة الاجتماعية بينه وبين أمه صلة متينة جدا.
إننا في حاجة للحديث والإشارة والتنبيه إلى المجتمع الإسلامي القائم منذ البعثة المحمدية، ولا ينبغي تجاوز تلك المرحلة إلى الحديث مباشرة عن المدينة وما بعد المدينة، وأن ندعي أن تأسيس المجتمع ما كان إلا بعد الهجرة إلى المدينة، فالخصال النبوية قبل البعثة خصال اجتماعية، فقد كان عليه السلام كما هو مشهور ومعروف: يُغيث الملهوف، وكان يحمل الكَل، وكان يعين على نوائب الدهر. وقس على ذلك بعض أهل تلك البلدة زمن “الجاهلية”، فالوعي الاجتماعي كان جارٍ أثناءها قبل أن ينزل الإسلام برسالة يؤسس لنا بها النظرة الاجتماعية.
وإن أول ما ينبغي البدأ به في بسط هذا الموضوع، سبر أغوار هذا الصلة الاجتماعية القائمة قبل البعثة، وذلك بتقديم نموذج قيّم هو دراسة الجانب الاجتماعي في حياة أمهات المومنين، واخترنا نموذج السيدة الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
فحينما يرتبط الأمر بالجانب الرسالي الاجتماعي، لا ينبغي لنا أن نتجاوز بيت النبوة أولا الذي شهدت له السماء.
لذلك، فإن حديثنا عن هذه الشخصية في عمر النبي آنذاك أي قبل البعثة هو حديث ذو شجون، وحديث غاية في لذة النفس والفؤاد، حديث يجعل قلب المومن بهذا النبي في نعيم، يَود لو لم يخرج منه أبدا.
الأخلاق تجمع وتفرق، تجمع بين المتآلفين في الأخلاق، وتفرق بين المتناقضين فيها، وقد جمعت الأخلاق الكريمة بين الأمين محمد والطاهرة خديجة رضي الله عنها[3].
يقول ابن حزم الأندلسي(ت 456هـ): “إنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق في الصفات الطبيعية، لابد هذا وإن قَل، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة وتأكدت المودة، فانظر هذا تراه عيانا”[4].
ولنعرض قصة هذا الزواج الرسالي بشكل مختصر.
جاء في كتاب «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد»: “وسبب (يعني سبب النكاح) ذلك ما حدثها به غلامها ميسُرة وما رأته من الآيات وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد فاجتمعن يوما فيه، فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فالتفعل. فحصبه النساء وقبحنه وأغلظن عليه. وأغضت خديجة على قوله ولم تعرض فيما عرض فيه النساء، ووقر ذلك في نفسها. فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقا ما ذلك إلا هذا”[5].
وقال محمد بن علي الفاسي الفهري (ت 1106هـ): “وكانت عرضت عليه نفسها لما رأت منه من محاسن الأخلاق وإظلال الملكين، ولما حدثها به عنه ميسرة، وكانت امرأة حازمة لبيبة شريفة، وهي يومئذ من أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، كل من قومها قد كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه، فلما قالت له ذلك صلى الله عليه وسلم ذكره لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة وقيل ابو طالب حتى دخل على أبيها خويلد بن أسد، وقيل عمها عمرو بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها صلى الله عليه وسلم، وأصدقها عشرين بكرة وهي الفتية (من الإبل)، وقيل اثنتي عشرة أوقية ذهبا ونشا، والنش نصف أوقية، وحضر أبو طالب وغيره من عمومته وبنو هاشم ورؤساء مضر، وخطب أبو طالب خطبة النكاح، وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت من غير خلاف في الأمرين”[6].
وزواج النبي بأمنا خديجة من دلائل نبوة سيدنا محمد، لأنها اصطفت له اصطفاء، في وقت كانت مكة تعج بالفتيات الحسنوات، فكيف يجعل الله تعالى زواجه بامرأة تكبره سنا وبمسافة عمرية بعيدة، ولما تزوجها بدا وعُرف أكثر لطبيعة حسب ونسب أمنا خديجة وأهلها، فهذا حقيقة ليس زواجا عاديا، بل هو زواج رسالي، فهذا الرجل سيكون نبيا يوما، والسؤال اي امرأة قادرة ان تكون زوجة لهذا النبي؟
يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله: “خديجة مثل طيّب للمرأة التي تُكمل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبا شديدة الحساسية ويلقون غبنا بالغا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادا كبيرا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، بله بالإدراك والمعونة! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد أثر كريم”[7].
إن هذا النوع من الرجال الكُمَّل يصعب تأدية دور المؤازرة لهم، وحتى إن سلّمنا لمؤازرته، فإن ذلك يتطلب من الشخص المؤازر صفات استثنائية، منها كمال العقل والذكاء والفهم…، وقد كانت السيدة خديجة مُتخلقة بهذه الصفات الاستثنائية، فلها رضي الله عنها من كمال العقل والخلق والفطنة ما يجعل الإنسان يقف منبهرا. وذلك هو ما جعلها تواكب الأنوار النبوية وأن تحدثت في صاحب الرسالة طمأنينة لا مثيل لها.
جاء في كتاب «فتح الباري»: “وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى خَدِيجَةَ فَأَذِنَ لَهُ، وَبَعَثَ بَعْدَهُ جَارِيَةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: نَبْعَةُ فَقَالَ لَهَا: انْظُرِي مَا تَقُولُ لَهُ خَدِيجَةُ؟ قَالَتْ نَبْعَةُ: فَرَأَيْتُ عَجَبًا، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَتْ بِهِ خَدِيجَةُ فَخَرَجَتْ إِلَى الْبَابِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَضَمَّتْهَا إِلَى صَدْرِهَا وَنَحْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا أَفْعَلُ هَذَا لِشَيْءٍ، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَنْتَ النَّبِيُّ الَّذِي سَتُبْعَثُ، فَإِنْ تَكُنْ هُوَ فَاعْرِفْ حَقِّي وَمَنْزِلَتِي وَادْعُ الْإِلَهَ الَّذِي يَبْعَثُكَ لِي. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ أَنَا هُوَ قَدِ اصْطَنَعْتِ عِنْدِي مَا لَا أُضَيِّعُهُ أَبَدًا، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرِي فَإِنَّ الْإِلَهَ الَّذِي تَصْنَعِينَ هَذَا لِأَجْلِهِ لَا يُضَيِّعُكِ أَبَدًا “.[8]
تأملوا عظمة هذه الزوجة، فما كان رسول الله يطرق الباب حتى كانت خديجة رضي الله عنها قد سابقت خطى رسول الله إلى الباب، وتعلقها الشديد به جعلها تجري لفتح الباب قبل أن يدق النبي عليه السلام. وتأملوا ترجيحها له أنه قد يكون نبيا، قبل البعثة بسبب الارتباط الكبير الذي جمعهما، ارتباط في غاية العفاف والرقي. وتأملوا أيضا جواب النبي عليه السلام لما سألته الدعاء “والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا”. إنه حق الاعتراف، حق الفضل، حق المودة والرحمة. وما أجمل هذه الرسالة الاجتماعية النبوية.
من مظاهر الروح الاجتماعية المتجسدة في أمنا خديجة رضي الله عنها، إسعافها لسيدنا رسول الله ومساندتها له وهو في مراحل تأمله في غراء حراء، لما كان الله عز وجل يهيؤه لأمر الرسالة.
فكانت رضي الله عنها تُزوده كل ليلة، فتقطع ما تقطع من المسافات لكي تبلغ محل رسول الله، وتُشعره أنه ليس وحده في طريق هذه الرسالية، تُشعره رضي الله عنها أنها قادرة أن تواكب طموحه، وأن تواكب أشواقه، وأن تواكب المعالي التي كانت تتخطف ذهن رسول الله.
احتملت رضي الله عنها بُعد النبي عنها، وصبرت على مفارقته لها ما دام هو يفضل التحنت في غراء حراء. وما أصعب هذا القرار على طبع المرأة وفطرتها، فمعروف أن أحوال المرأة إذا ما ابتعد عنها زوجها تغضب وتدركها الغيرة عليه، وتخشى أن يكون إعراضه عنها بسبب كرهه لها أو شيء من هذا القبيل، لكنها هي كانت استثنائية في هذا الأمر، كانت تحب ما يحبه رسول الله وما دام يحب العزلة والخلوة بنفسه، فليكن له ما يحب.
وبعد هذا، جاءت الرسالة الربانية لسيدنا محمد وهو هناك في غار حراء، رسالة ستغير حياة هذا الرجل. ولنترك ابن حجر يحكي لنا هذا المشهد، قال في «فتح الباري»: “حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنت فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي”.[9]
ولنقف مع إشارات في غاية الأهمية من القول الذي تقدم.
قول سيدتنا عائشة رضي الله عنها، “فدخل على خديجة”، انظروا إلى هذا اللجوء النبوي كيف يكون! هذا مشهد يصف صنف السكن الذي أخبر الله تعالى عنه ﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ [ الروم: 21] سكن الوِفاق الحسي والنفسي.
وتأمل أيها القارئ قول: “يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع “. لم تتحدث معه بأية كلمة وهو في تلك الحالة، أو تسأله أي نوع من الأسئلة، يا لفطنتها رضي الله عنها وأرضاها.
وتأمل مرة أخرى في تثبيتها له، وقد كان في حاجة ماسة لرسالة معينة وهو آت من ذلك المنظر المهول، وهذه الرسالة كانت خديجة رضي الله عنها هي وحدها من يستطيع أن توصلها له فقالت: “كلا والله، لا يخزيك الله أبدا”، تجاوزت التسامك، وتحدثت بقوة وثبات وثقة، والعبارات التي استعملت تنبئ عن ذلك “كلا، والله”.
كأنها تقول له: إن ما تخشاه من أمر الشياطين ليس بابه موصلا إليك، وإنما بابك هو باب تنزل منه الرحمة الإلهية وتنزل منه البركات.
ولم يستمر نشر هذه المعاني الاجتماعية هنا فحسب، بل استمرت هذه المرأة في المؤازرة وفي إعطاء دروسا قيِّمة في هذا البعد الرسالي الاجتماعي.
يقول هاشم معروف في سياق الحديث عن أمر الله عز وجل نبيه بالدعوة : “جلست إلى جانبه وأشفقت أن توقظه من نومه وأخذها الحنان وهي تتأمل في وجهه الشريف وتمعن النظر إليه، وفيما هي غارقة في بحر من الأفكار وإذا به قد اهتز واضطرب وثقل وبلل العرق وجهه فاستيقظ من نومه ليستمع إلى الوحي يقول له ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ [ سورة المدثر: 3] ، وعظم عليها ما رأته من حاله، فازدادت إشفاقا عليه وتوسلت إليه بضراعة أن يسلم نفسه لبعض الراحة، فقال لها: لقد انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني ربي أن أنذر الناس وأدعوهم إلى الله وعبادته، فمن أدعوا؟ ومن يستجيب لي؟ فأجهدت نفسها أن تهون عليه وتشد من عزيمته”[10].
قلت: أحسست النبي أنه ليس وحده، ولكي تثبته أكثر آمنت به لأول فرصة دون تردد.
وببث هذه السيدة العظيمة، أمنا خديجة رضي الله عنها لهذه الروح الاجتماعية الفذّة نالت من طوالع الأنوار ما نالت، وترقت في معارج القرب والكمال أيما قُرب، فمن أمثلة ذلك، أنها أول من آمنت بسيدنا رسول الله كما تقدّم معنا، وكذلك حازت قصبة السبق في أول وضوء[11] وفي أول صلاة مع رسول الله، جاء في كتاب «الإشارة إلى سيرة المصطفى» “…ثم قال: انزل عن الجبل، فنزلتُ معه إلى قرار الأرض، فأجلسني على دُرْنوك، وعليه ثوبان أخضران، ثم ضرب برجله الأرض فنبعث عين ماء، فتوضأ منها جبريل، ثم أمر النبي فتوضأ كذلك، ثم قام فصلى بالنبي، ثم انصرف جبريل عليه السلام، وجاء عليه الصلاة والسلام إلى خديجة فأمرها فتوضأت، وصلى بها كما صلى جبريل”[12].
كما أقرأها الله عز وجل السلام من فوق سبع سموات، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف « أتاني جبريل فقال: يا رسول الله! هذه خديجةُ قد أتتك معها إناء فيه إدامٌ أو طعام أو شراب، فإذا أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت من قصَب، لا صخب فيها ولا نصب»[13].
نالت هذا النداء الرباني العجيب العظيم وهي كما عهدنها تخدم سيدنا رسول الله، وما أجمل تعليق صاحب كتاب « سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد » على هذا الحديث قائلا “النكتة في قوله: من قصب، ولم يقل: من لؤلؤ، أن لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، زاد غيره مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ما أمكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها، وقوله: (ببيت) ، قال أبو بكر الإسكاف «في فوائد الأخبار» : المراد بيت زائد على ما أعد الله- عز وجل- لها من ثواب عملها، ولهذا قال: (لا نصب) أي لم تتعب بسببه. وقال السهيلي- رحمه الله-: لذكر البيت معنى لطيف، لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث فصارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، لم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وسلم بيت في الإسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضا غيرها. قال: وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ «البيت» دون لفظ القصر، زاد غيره معنى آخر، وهو أن مرجع أهل بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليها لما نبّئت في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ/ [الأحزاب/ ٣٣].[14]
ولنختم الحديث عن هذه الشخصية الرسالية بشعر مليح للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله:
خدِيجةُ أمِّي عليكِ السلامْ
ورحمةُ ربِّيَ عزَّ وجَلّْ
سلامَ اعترافٍ وحُبٍّ وبِرٍّ
يُزَفُّ إِلَيْكِ بِأبْهى الحُلَلْ
خدَمْتِ النَّبِيَّ وزَمَّلْتِهِ
ودثرْتِهِ إِثْرَ وَحْيٍ نَزَلْ
سَبَقْتِ لِتَصديقِ إِخْبارِهِ
وأسْلَمْتِ والعُرْبُ رَهْنَ الجَدَلْ
وأنفَقْتِ مَالَكِ في سَعَةٍ
لنَصْرِ الإله ودَحْرِ هُبَلْ
وربَّيْتِ أشْرَفِ نَسْلٍ نَمَا
بِدَرِّكِ حتّى استوَى واكتَمل
صلاتُكَ ربِّي على المصطفى
حبيبِ القلوب ونورِ المُقَلْ[15]
[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية- القاهرة، سنة (1414هـ-1991م)، ج1، ص149.
[2] أنظر: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، سعيد رمضان البوطي، دار الفكر- دمشق، ط25، سنة 1426هـ، ص15.
[3] أنظر: السيدة خديجة أم المؤمنين وسبّاقة الخلق إلى الإسلام، عبد الحميد محمود طهاز، دار القلم- دمشق، ط2، سنة (1417هـ-1996م)، ص45.
[4] طوق الحمامة في الألفة والألاف، ابن حزم الأندلسي، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- لبنان، ط3، سنة 1987م، ص97.
[5] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، يوسف الصالحي الشامي {ت 946هـ}، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، دار الكتب العلمية- لبنان، ط1، سنة (1414هـ-1993م)، ج2، ص164.
[6] سمط الجوهر الفاخر من مفاخر النبي الأول والآخر، محمد المهدي بن أحمد بن علي الفاسي الفهري، تحقيق سعاد رحائم، منشورات وزارق الأوقاف والشؤون الإسلامية- المملكة المغربية، ط1، سنة (1431هـ-2010م)، ج1، ص104ـ105.
[7] فقه السيرة النبوية، محمد الغزالي، دار الشرق، (د.ت)، ص80.
[8] فتح الباري بشرح البخاري، ابن حجر العسقلاني {ت 856هـ}، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، المكتبة السلفية- مصر، ط1، سنة 1380هـ، ج7، ص134-135.
[9] فتح الباري، ابن حجر، ج12، ص351-352.
[10] سيرة المصطفى، نظرة جديدة، هاشم معروف الحسني، دار المعارف للمطبوعات- بيروت، طبعة 1990م، ص108.
[11] ما أحوجنا إلى الإبداع في الإتيان بفلسفة الوضوء التي ترتقي بالإنسان مقاما روحانيا، ننظر إليه من حيث هو ارتقاء في معارج السلوك، ولتقريب هذا المعنى قلنا:
=إذا أقبلت بالماء على أنفك يا أيها المحب لربك فاجعل استنشاقك واستنثارك الأول طهرة لك من روائح الذنوب التي طالما شممتها فكدرت صفو قلبك، واجعل الثانية دواء لك من زكام غفلتك التي أغلقت قلبك قبل أنفك، ولتكن الثالثة لاستقبال روائح الأسرار التي ستتجلى لك بين يدي الله عندما تقف في حضرة الله.
ثم احمل بكفك الماء واغسل وجهك ليجدد العهد بربه الكريم الذي أتم خلقته فخلقه على أحسن صورة وفي أحسن تقويم. تطهر بالأولى مما رأت عينك ووما وليت وجهك إليه موليا ربك الكريم خلفك – لا إله إلا الله وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين – اغسل وجهك من منابت الشعر إلى لحيتك منيبا إلى الله تعالى مطأطأ قلبك ورأسك مستحييا من وجه الله الكريم، ثم اغسله الثانية تنقية له من كل لحظة ولمحة غفل فيها عن الله سبحانه وإعدادا له أن توجهه إلى الوجهة الحقيقية التي لا لبس فيها ولا شك، حيث وجه الله تعالى، فإذا تحقق هذا المعنى فقد صفى وجهك فكان كالماء، فاحمل الماء بكفك لتلصقه بماء وجهك فقد صدق فيك قول الله: {فالتقى الماء على أمر قد قُدِر}، وكان حقا له أن يتشرف بالسجود تحت بساط الرحمة في حضرة المولى الكريم.
واغسل يديك إلى المرافق متطهرا من جرمك الذي ارتكبته بيديك وجعلتهما شاهدتين عليك أن قد فعلت كذا في يوم كذا، نقهما اليوم لتسعد غدا، وطهرهما اليوم لتُطهر غدا، ثم اغسلهما من ظنك المزعوم وعلمك الموهوم أنك بهما أنت كاسب، وبعملهما تحقق المكاسب، تبرأ يا هذا من هذه المزاعم والمآثم، تبرأ بغسلهما من حولك وقوتك، هذا إن كان لك حول وقوة تتبرأ منهما أيها المسكين، فأنت الضعيف والله القوي وأنت الذليل والله العزيز سبحانه، ثم اغسلهما غسلة الطهر التي تجعلهما يليقان لأن يوضعا في ركوعك وسجودك وتحياتك لله تعالى.
[12] الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا، الحافظ مُغلطاي بن قليْج، تحقيق محمد نظام الدين الفُتَيّح، دار القلم- دمشق، ط1، سنة 1996م، ص90.
[13] أخرجه الإمام مسلم، رقم الحديث: 2432.
[14] سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي {ت 946هـ}، تحقيق عاد أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، دار الكتب العلمية- بيروت، ط1، سنة 1993م، ج11، ص160.
[15] قطوف3، عبد السلام ياسين، قطف 171، ص23.