سرّ التنكيس في الخلق
قراءة علمية في آية قرآنية
بقلم: الدكتور محمد السقا عيد
قال الله تعالى: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (يس: 68)، هذه آية كريمة تحمل دلالة عميقة على حقيقة الشيخوخة بوصفها مرحلة تنكيسٍ وانقلابٍ تدريجي في قوى الإنسان الجسدية والعقلية. فلفظ نُنَكِّسْهُ في اللغة يعني قلب الشيء على رأسه، ويُستعمل للدلالة على الارتداد من حالٍ إلى حالٍ أدنى، وهو توصيف بالغ الدقة لما يطرأ على الإنسان عند تقدّم العمر، حين تعود قواه من الاكتمال إلى الضعف في مسار عكسي لمسيرة النمو الأولى.
ولم يقيّد القرآن هذا التنكيس بجانبٍ واحد، بل جاء التعبير شاملًا بقوله في الخلق، وهو لفظ جامع يشمل البنية الجسدية والوظائف الحيوية والقدرات العقلية معًا. وقد أدرك الناس قديمًا مظاهر الشيخوخة الظاهرة كالشيب وترهل الجسد، لكن التقدم العلمي الحديث كشف أن التغيرات الأعمق تكون خفية على مستوى الخلايا والأنسجة والأجهزة، وهو ما ينسجم تمامًا مع الإطلاق القرآني الذي يستوعب الظاهر والباطن دون تعارض.
وتؤكد الدراسات البيولوجية أن الشيخوخة تصاحبها تغيرات جسدية واضحة، مثل ضعف العضلات، ونقص كثافة العظام، وفقدان مرونة الجلد نتيجة تراجع إنتاج الكولاجين والإيلاستين، إضافة إلى ضعف الحواس كالبصر والسمع. وهذه المظاهر ليست إلا انعكاسًا خارجيًا لعملية تنكس داخلية متدرجة، تعيد الجسد إلى حالة من الوهن بعد أن بلغ ذروة قوته في مرحلة الشباب، كما وصف القرآن هذا المسار بدقة لافتة.
ولا يقتصر التنكيس على الجسد، بل يمتد إلى القدرات العقلية والإدراكية، حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى تراجع كفاءة الخلايا العصبية، وضعف الذاكرة والتركيز، وبطء المعالجة الذهنية مع التقدم في العمر، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى فقدان قدر من المعرفة المكتسبة سابقًا. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى تعبيرًا موجزًا في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، في وصف دقيق للتغيرات الباطنة المصاحبة لأرذل العمر.
كما تشمل عملية التنكيس التغيرات الهرمونية والمناعية، حيث ينخفض إفراز كثير من الهرمونات المنظمة للطاقة والنشاط، ويضعف الجهاز المناعي، فيصبح الجسم أقل قدرة على مقاومة الأمراض والضغوط البيئية. وهذه الحقائق لم تُعرف إلا حديثًا، بينما استوعبها النص القرآني منذ البداية في إطار شامل يدل على علمٍ محيط بتفاصيل الخلق.
وقد رسم القرآن مسار العمر الإنساني في صورة متكاملة، تبدأ بالضعف، ثم تبلغ القوة في مرحلة الأشد، ثم تعود إلى الضعف والشيبة، كما قال تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة﴾، وهو تصوير دقيق لمنحنى القوة في حياة الإنسان، يتطابق مع ما تقرره العلوم الحديثة حول ذروة الأداء الجسدي ثم بدء الانحدار التدريجي.
وتشير الاكتشافات العلمية المعاصرة إلى أن الشيخوخة ليست عملية عشوائية، بل تخضع لبرامج دقيقة، مثل الحد الأقصى لانقسامات الخلايا، والموت المبرمج للخلايا، وتراجع كفاءة الميتوكوندريا، وكلها تؤكد أن هذا التنكيس مقدّر بحكمة، وليس وليد المصادفة، وهو ما ينسجم مع الإقرار القرآني بعلم الله وقدرته في الخلق والتقدير.
وتختم الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، في دعوة صريحة إلى التفكر في هذه الحقيقة الكونية، واستحضار ضعف الإنسان مهما بلغت قوته، وتذكيره بقيمة العمر والعمل قبل أن يبلغ مرحلة التنكيس. فالآية ليست وصفًا علميًا مجردًا، بل رسالة عقلية وإيمانية تجمع بين البيان العلمي والتوجيه التربوي، وتشهد بإعجاز القرآن في كشف سنن الخلق بدقة سبقت العلم الحديث بقرون طويلة.