منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آفة الإعلام في شهر الصيام

آفة الإعلام في شهر الصيام/ مسعود الداودي

0

آفة الإعلام في شهر الصيام
بقلم: مسعود الداودي

باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة

   لا نختلف في أن الإعلام له أهميته البالغة في الإخبار والتوعية والتثقيف وما إلى ذلك مما يخدم الإنسان، باعتباره فضاء لممارسة الحريات المختلفة من التعبير عن الرأي وتحقيق التواصل الهادف… وبذلك يكون الإعلام مشاركا حقيقيا وفعالا في تحقيق التنمية الشاملة وبناء المجتمع الصالح، إلا أن الواقع يؤكد انحراف الإعلام عن هذه الأهداف النبيلة والغايات الشريفة، فأصبح يميل إلى التفاهة أكثر، عوض الاهتمام بما يخدم المصالح المختلفة للإنسان، وما يثير الغرابة أن المنتوجات الإعلامية التافهة تكثر في شهر رمضان المعظم، فما إن يقترب شهر رمضان المبارك حتى تشتد المنافسة بين القنوات التلفزية خاصة الرسمية منها في إشهار منتوجاتها الإعلامية ذات البعد الترفيهي والفكاهي.

 كما لا يخفى على المشاهد سيطرة الإعلام السمعي البصري على الاستثمارات الإعلانية في الشهر الكريم، خاصة في المواد الاستهلاكية، فحسب موقع آنفا نيوز فإن:(التلفزيون يستحوذ على غالبية استثمارات الإعلانات في المغرب الاستثمارات الإعلانية خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان شهدت توزيعا مثيرا للاهتمام، حيث تم تخصيص 307.9 مليون درهم للتلفزيون، 54.1 مليون درهم للإعلانات الخارجية، 43.7 مليون درهم للإذاعة، 32 مليون درهم للإعلانات الرقمية، و13.7 مليون درهم للصحافة المكتوبة…. فيما يخص القطاعات التي استثمرت أكثر خلال هذه الفترة، جاء قطاع الأغذية في الصدارة بـ 135 مليون درهم…)[1]

  وكل هذا يمكن اعتباره اختلالات إعلامية تثير أكثر من سؤال حول خلفية اختيار رمضان بالضبط لبث المنتوجات الإعلامية الخالية من الجدية والواقعية!

  فإذا بدأنا بمناقشة المسلسلات الفكاهية التي تُبث على الفضائيات السمعية البصرية بعد أداء عبادة الصيام وبالضبط بعد وجبة الإفطار، فإن ذلك لا تفسير له سوى أن نعتبر هذه الفكاهة والتسلية كأنها بمثابة مواساة للصائم الذي أمضى يوما شديدا حُرِمَ فيه مما كان مباحا في غير رمضان؟! فلم يجد الإعلام وسيلة لتخفيف آلام الصيام على الصائم سوى الفكاهة والمقالب المثيرة على حساب القيم….. إذا كان الأمر كذلك فإن هذه المواد الإعلامية السخيفة تنطوي على رسائل واضحة، وهي أن الناس في حاجة إلى من ينفس عنهم ويواسيهم على ما أصابهم في رمضان، لذلك فإذا خرج رمضان انتهى وقت الفكاهة لأنه حل محلها الأكل والشرب وغيرها من الحريات التي كان غيابها يعكر مزاج الناس ويغير من حالهم؟!

 أما ما يتعلق بجانب الاستثمارات الإعلانية خاصة في قطاع التغذية بشهر رمضان، فلا يخفى ما في الظاهرة الإعلامية هذه من تكريس لثقافة الاستهلاك غير الرشيد الخالي من كل الضوابط الدينية والإنسانية، وإذا رجعنا إلى الدراسات التي أنجزت بخصوص هذا الموضوع ووقفنا على لغة الأرقام فإننا بلا شك سنندهش لهولها، لكننا نكتفي بالإشارة إلى أن (شهر رمضان يشهد في المغرب ارتفاعًا ملحوظًا في استهلاك مجموعة من المنتجات الغذائية حيث تسجّل الأسر زيادة في نفقاتها بنسبة 18.2% مقارنة ببقية أشهر السنة)[2] . مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار خاصة في المواد الغذائية التي يعتبرها معظم الناس أساسية كالحليب… ونتيجة لما ذكرنا يتزايد منسوب الأغذية التي تلقى في النفايات، وهذا مؤشر قوي على ظاهرة الهدر الغذائي التي تتنامى في هذا الشهر الكريم. فالإعلام إذن يزيد من تكريس هذه الثقافة الاستهلاكية التي تتنافى ومقاصد الصيام.

وإذا تأملنا هذا جيدا يمكن تقرير ما يلي:

  • إن معظم الناس ليس لهم فهم بحقيقة الصيام ومقاصده ومنزلته عند الله سبحانه، وصيام رمضان بالنسبة لهم من قبيل أداء عادة سنوية…. وبهذا الفهم يكون رمضان مناسبة ذات أبعاد اجتماعية أكثر مما هي فرصة للعبادة، فلا يقدرون قيمة الوقت الضائع في مشاهدة المنتوجات الإعلامية الرمضانية التافهة… ولا شك أن وجود هذا الفهم لدى شريحة عريضة في المجتمع يطرح وبقوة مسألة التوعية الحقيقية الملقاة على عاتق كل المؤسسات بما في ذلك الإعلام الذي يكرس ثقافة التفاهة والانحلال أكثر مما يقدم البرامج النافعة.
  • إن المؤسسة الإعلامية تستغل ضعف الوعي لدى شريحة واسعة في المجتمع بحقيقة الصيام ومقاصده، لتجد المجال مهيئا لتسويق بضاعتها المسمومة والملفوفة بغلاف الفكاهة والمرح، كما تستغل الضغط النفسي الذي يعاني منه المجتمع خاصة الطبقة المقهورة منه، بسبب الأسعار المسعورة في المواد الاستهلاكية التي يشهدها الشهر المبارك، ومعنى ذلك عدم وجود حاجة حقيقية داخل نفس الصائم تدعوه لمشاهدة برامج الفكاهة الفارغة من أي محتوى رسالي،(وهكذا نجد أن ازدياد إقبال الأفراد والشعوب على الفكاهة قد يقترن بازدياد قسوة المعيشة، مما يدل على أن الضحك قد يكون فنا تبتدعه النفس البشرية لمواجهة ما في حياتها من شدة وقسوة وحرمان، وقد تصبح الفكاهة والسخرية أداةً سيكولوجية ناجحة لصيانة السلم في العالم أجمع. إن الضحك والبشاشة والمرح والفكاهة والمزاح والدعابة والهزل والنكتة والملحة والنادرة والكوميديا إن هي إلا ظواهر نفسية من فصيلة واحدة، وكلها إنما تصدر عن تلك الطبيعة البشرية المتناقضة التي سرعان ما تمل حياة الجد والصرامة والعبوس، فتلتمس في اللهو ترويحا عن نفسها، وتبحث في الفكاهة عن منقذ للتنفيس عن آلامها، وتسعى عن طريق النكتة نحو التهرب من الواقع الذي كثيرا ما يثقل كاهلها)[3]. وليس مستبعدا أن تسلك سياسة الدولة هذا الاتجاه (فسح المجال للإعلام من أجل نشر التفاهة والسخافة) لتصرف المشاهد عن الاهتمام بالقضايا المصيرية للمجتمع والتي هي أولى بالاهتمام.

   وإذا كان هذا هو حال الإعلام في شهر له حرمة عند الخلق، ومقاصد عند الخالق، فإننا نخلص بخصوص هذا الموضوع إلى الخلاصات الآتية:

  1. إن الإعلام في بلداننا المسلمة لابد أن يسترشد بالعقيدة والقيم الإسلامية، سواء في رمضان أو في غيره من الشهور، طالما أن له تأثير قوي على المشاهد[4]، فعِوض أن يشوش على عبادة المسلمين أو ينشر في المجتمع المسلم ما يتعارض مع قيمه، يجب أن يكون مشاركا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم، ووسيلة فعالة من وسائل التوعية والتأهيل، وإلا بقي أداة من أدوات الحرب الناعمة كما هو الحال الآن.
  2. إن برامج رمضان الإعلامية ذات المضمون الفكاهي السخيف-الذي قد تبلغ درجة السخافة فيه إلى حد أن المشاهد إذا كان له مستوى من التعقل والرزانة الفكرية فإنه لم يعد يدري هل هذه المسلسلات الفكاهية تروم تسليته أم تستهزئ وتستخف به- والتي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة، يمكن اعتبارها بمثابة استمرار لخطة مسخ هوية المسلمين، ومعاكسة مشاريع الإصلاح الحقيقي التي يقودها الشرفاء من أبناء المجتمع.
  3. إن المجتمع في حاجة ماسة إلى توعية حقيقية بمقاصد الصيام وغاياته النبيلة، ولا ينبغي أن يكون مستغلا ومستهدفا من قِبل المؤسسات الاقتصادية التي لا هم لها سوى الربح المادي ولو كان ذلك على حساب الدين والقيم.
  4. لا يليق بالمجلس العلمي الأعلى أن يُعرض عما يشهده الإعلام من انحراف أخلاقي سواء في رمضان أو غيره.
  5. لابد للمشاهد أن يكون حذرا من الإعلام خاصة في هذا الشهر المبارك لأن هذه المنتوجات الإعلامية الفكاهية الرمضانية تضر أكثر مما تنفع طالما تستهلك وقت المسلم الذي من المفروض أن يستغله في العبادة مادام يعيش في شهر تَعْظُمُ فيه العبادة أكثر من غيره من شهور السنة.

وقانا الله من شر الدنيا والآخرة! وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] – من مقال منشور بموقع آنفا نيوز بتاريخ15مارس2025.

[2] – عن موقع InfoSocial بتاريخ3 مارس2025.

[3] – من بحث بعنوان ”لغة السخرية في رباعيات علي الشرقي” شيماء طالب غني، 2014، ص:5

[4] – أشار تقرير المرصد العربي للأخلاق عن أداء الإعلام العربي في رمضان 1445هـ، إلى أن 80 بالمائة من سلوك وأفكار المواطن العربي مستمدة من تأثير وسائل الإعلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.