قامت القيامه (قصيدة)
قامت القيامه (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
قامت القيامه (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
الموتُ يعزف لحنهُ بسكوتِ
فتجيبهُ الأقمارُ فوق السكوتِ
سحقاً لراقمة الخلود اذا نست
ما أحوجَ الناسوتِ للملكوتِ
__
قامت بالشام القيامَهْ
فتلبست روحي السآمَهْ
وعلا الصراع بويله
وتبنت الفوضى احتدامه
وطغت أعاصير الردى
فامتدّ في وطننا قتامه
والطائفية جعجعت
وبها العمائم مستهامه
قزم على قزم على
لص يسوق لنا انتقامه
موت يطوق دورنا
وبموتنا علت الغرامه
سجن هنا غرق هناك
وحاكم سوّى مرامه
كم جائر في حكمه
يسعى لخنق الإبتسامه
فشيوخنا وكبيرهم
قد باع بالفلس اعتصامه
أين الذين تقولوا
وعلت بصوتهم الفخامه
وتفيهقوا وتبجحوا
وأزاح للستر احتشامه
هل بايعوا أم بويعوا
وتسلموا كاس الوسامه
باعوا دماء الثائرين
وجاوزوا حد الظُّلامه
كنا نظن بأنه
سيعيد للوطن احترامه
ويعيد ما أكل الدمار
يرد من عدم حطامه
لا لا تجادلْ قولنا
فالقول ما قالت حذامه
فكما يريد الخائرون
ويشتهي ألقى كلامه
ومضى يفتش عن فتات
الحلم كي يروي نيامه
عن قاتل فينا اكتسى
بدمائنا ورمى العمامه
عن خائن قد باعنا
فتبزلت سور الندامه
ويغوص في موج الجراح
يعيد في قتلي اقتحامه
فيرى هنا خلفي مشى
وهناك يلقاني أمامه
فجميع حكام العروبة
والشهامة والإمامه
صنعوا البلاء إلى العراق
من الرباط إلى المنامه
هم أعلنوا موت الجميع
وطفلنا لجموا فطامه
فبكى عبير الياسمين
وراح يشكوني شآمه
طفل بغزة متيبسا
نخر الصقيع له عظامه
وهناك تزدحم الخيام
بكل من رسموا ختامه
هم راودوك على الممات
وبالهدى أعليت هامه
لن يعرفوك إذا عدوت
وشلت للساحات (قامه)
أنت المعبأ قوة
وإليك تنتسب الشهامه
ما مثل كفك لو دعت
تلوي لعاصيها زمامه
فلكي تظل كما يراد
وكي تظل بنا العلامه
لا تستجب للمارقين
ومن بنا أرخى لثامه
الجالسين على القبور
يقيم في الموتى خيامه
القابضين بقبضة
شكمت بمعوج لجامه
باسم ألوطن وألدين
أشعلوا علنا ضرامه
فجميعهم في جمعهم
كقمامة تعلو قمامه
فالشعب يقتل والحاكم
يزيد في فرق الدعامه
شتان من يرث القصور
ومن يموت بوسط (دامه
فغدا سيبصقه السلام
ولا يرى إلا رغامه
فهم الوباء وخيرهم
لا لا ولا يسوى قلامه
وهم البلاء المستديم
وهم إذا اعتكرت نعامه
فعلام يا وطني السكوت
وفيك تنعدم السلامه
ما حك جلدك مثل ظفرك
أو أزال لديك شامه
سر في طريقك للعلا
يا شعب والتمس الكرامه
فعلام ترزح في القيود
وأنت تذبح كاليمامه
فكن السلام إلى السلام
وكن بوادينا حمامه
وكن الجحيم إذا ادلهمت
غزوة وأتت زحامه
لتدوس طاغوتا بغى
وتهد معتدا نظامه
يا غصن زيتون المحبة
منك صغنا الإبتسامه
يا أنت يا شام العروبة
فمن يعيد لنا وئامه؟
هم صيروك طوائفا
ليطيب للدول اقتسامه
فمتى ستغضب ألخيل
وتدوس للعاصي سنامه
*
هذه الشام الحبيبة
جـــاروا عليـهـــا واستُبيــحَ حِمــاهــــا
مـــاذا جنَــت حتـى تُـــراقَ دِمــاهــا؟!
أبصـرتُـهم يَتقاسَمـون ، وأشْـرَعـــوا
سيْفَ الجَهالة ، فى الطـريق حَشاهـا
أشــلاؤهــــــا ضَجَّــت كصـــرخةِ حُــرَّةٍ
فتــك العــدوُّ بأهلهــــــا وسَبــــــــاهـا
لــم يَرحمـوا صــوْتَ الحيــاة ، ولارَعَــوْا
عهــدًا تَقــــــادَمَ مـــا طــوَتْــهُ يداهـــا
الشـــرُّ يقفـــز فـى العيـــون ولَهـفـةٌ ،
لـمْ تـدْرِ مـــا جَرحَــتْ فــزادَ عَمـاهــــا
كـمْ مـن شريــدٍ نـــام تحت ظِلالِهـــــا
ألقـــت إليــــه أمــانَـهــــا وجَـنــــاهـــا
غذَّتــه مـن أثمـــارهـــا ، مـــا قَـتَّــرتْ
يـومًــــا ، ولا سَئـِـم العليــلُ هــواهــا
جـازتْــهُ بـالهَجـــرِ الحنـــانَ ، إذا أتَــى
مــالت إليــه غصــونُـهـــــا فَطـواهــــا
واذكُــرْ حبـيـبًــا شَـيِّـــقًـا وحـبـيـبـــةً
أصْغـت لهَمْـس قـلـوبِهــم وعَنـــاهـــا
بــاحت بأســرارِ الغــرام إلــى الــورَى
الغصــنُ أوْحَـى ، والحَفيــفُ حَكاهــــا
والطيـــرُ كــمْ وَكــرٍ لهــــــا أَنِسَت بـه
فى حِضنِـهـا ، كــم اَرضَعَتـهُ شَذاهــا
هَــزَّت بــه الأفنـــانَ هِــزَّة عـــــاشقٍ
حتـى تَمــــايلَ مُغرَمًــــــــا فشَداهــا
لِـلَّـوْنِ موسيـــقـا ، وكم عَـزَفَـتْ على
أوتــــارِهـــا تـلــكَ القلــوبُ لُـغــــاهــا
مِـن أخــضـــرٍ فـى خِصبِـــــهِ مـتـبَـرِّجٍ
أو أصـفــــرٍ قــــد لاح فـيــه ضَنـــاهــا
أو أحـمـــــرٍ مُـسـتَــنـــفَـرٍ كخَـريــــــدةٍ
أدْمَـى الحَيـــــاءُ خدودَهـــــا وحَلاَهــــا
أو أبـيــضٍ كالــقــلـب بَـعـــدَ مَـتُــوبَـــةٍ
لِـلَّـــه أخلَـصَـــهـــا لـــــه ونَـــــواهـــــا
وبَنَـفسَجٍ كالحُبِّ أشـرقَ فـى السَّمــا
فسَمــــا بشــوْق العــاشقيـن وتاهـــا
واليــــومَ تَنـفـطـــرُ القـلـــوبُ لـبُـلـبُـــلٍ
فـى مأتَــم الحُسْـن الشهيـــد رَثـاهــا
لـــم تَـبْـكِهـــا إلا الطيــورُ ، ومـــا بَكـتْ
لـلإ نــسِ عيــنٌ بالجَـفــــــاء رَوَاهــــــا
مــــاذا وقـوفُــــكَ بالديــــــار وأهلُهـــــا
غُـلْــفٌ قلــوبُهُـــمُ ومـــات حَيــــــاهـــا
دورٌ يجـــول القبــحُ فــى عَرَصـــاتِهــــا
مُتبَجـِّحًـــــا ، دانَــت لـــــه فَـعَـلاهــــا
ترتــــاعُ مـن طيْــــف الجَمـــــال كأنــه
“السَّـــــامِــرىُّ” علـى يَديْــه فَـنـاهــا
تَبًّــــا لأعــــداءِ الحيـــاةِ وقـــد رَمَـــــوْا
مِن حِقــدِهم وجـــهَ الحيــاة فَشـاهـــا
إن الديــــــــارَ إذا تَـطــهَّـــــر أهــلُـهــــا
هَـزَجَــت بألحــان الجَمـــــال رُبـاهـــــا
هذه الشام قــد أثَــرْتِ مشـــــاعري
آهًــــــا مــن الألــم الحبيس وآهَــــــــا
__