الرد على الجابري في تنقيصه لرسول الله صلى الله عليه وسلم
سلسلة القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري
لقد رأينا في المبحث السابق https://islamanar.com/the-response-to-al-jabri/ كيف ذهب الجابري إلى إنكار عصمة الأنبياء جميعا، مما جعله لا يرعى لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – حرمة ولا مكانة، وما ترك فرصة إلا وتناوله بالتنقيص والطعن، وهكذا نجده يبدأ كلامه بأن »هناك مذهبا إسلاميا يميز في ” النبوة “– نبوة محمد صلى الله عليه وسلم – بين ما هو مختوم فعلا وبين ما هو مستمر بصورة من الصور « [1]، قال الجابري هذا الكلام دون توثيقِ – كعادته – و دون أن يبين لنا هذا المذهب الذي أخذ عنه هذا الكلام، ودون أن يوضح لنا بالمثال ما الذي خُتم وما الذي لم يختم حتى يكون الكلام على أمر واضح ومحدد. ولكن الجابري ألف الاختفاء وراء ” مذهب إسلامي !” .
فالجابري في هذا الأمر كحاطب ليل يأخذ من جميع المذاهب دون تمييز، لأن » الإنتاج الفكري أو المفكر في العادة لا ينتج إلا عبر مفكر آخر…لكن يحدث أحيانا أن المنتج للأفكار عبر مفكر آخر لا يكون قد استوعبه كل الاستيعاب « [2]، والجابري ينتج فعلا فكره عبر مجموعة من الوسائط، يتعمد عدم ذكرها، ربما خوفا من أن تكون جهة مدانة أو غير معتبرة، كما أن الجابري يرى أنه » لا معنى..لتصنيف الإسلام إلى صنفين : ” إسلام السنة ” و ” إسلام الشيعة “…فالإسلام واحد عقيدة وشريعة وتاريخا…إن التعدد نشأ داخل الوحدة، لا خارجها ، وكانت إشكاليته هي تحقيق وحدة أمتن وأفضل لا تفتيت الوحدة « [3]، والأسوأ من هذا أن وسائط الجابري ليست كلها من داخل الدائرة الإسلامية رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على هذا الموقف أو ذاك، بل أغلب وسائط الجابري هم المفكرون الغربيون وعلى رأسهم المستشرقون، وهكذا نجد كثيرا من المواقف التي يتخذها الجابري والتي تهدف إلى الغض من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم مأخوذة عن مستشرقين معروفين ذكروا »أن محمدا كان بطبعه ضعيف العزم . أجل ، لقد كان يخاف إلى درجة أنه لم يتجرأ في البدء على المجاهرة برسالته « [4]، نفس هذا الموقف البغيض والبعيد عن الحقيقة والمجانب للصواب نجده عند الجابري عندما يزعم أن محمدا »بن عبد الله بقي واحدا من البشر في مرآة نفسه ، وفي خطابه للناس ، فكان لا بد أن ينتابه شيء من الشك والضعف من حين لآخر بسبب إصرار قومه على تكذيبه والإعراض عن دعوته ! « [5].
ولكن وفي الصفحة الأخرى بعد بضعة أسطر فقط يناقض الجابري نفسه ويصبح النبي الذي كان قبل قليل ضعيف العزم مشتتا بسبب الشك، مثيرا للإعجاب بسبب إصراره على تبليغ رسالته، يقو الجابري : »ولا شك أن ما ينتزع إعجاب قراء السيرة المحمدية من مستشرقين وغيرهم هو ذلك الإصرار الذي رافق حياة محمد بن عبد الله منذ أن ابتدأ نزول الوحي عليه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى ، إصراره الذي لم يتزعزع على تبليغ رسالته والاستماتة في سبيلها«[6]، لقد رد الجابري على نفسه بنفسه.
ويكفي في الرد على الجابري – في اتهامه للنبي عليه السلام بالشك -، أن المرء لا يخبر بأمر مهم إلا إذا تأكد منه هو في قرارة نفسه، فلو كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مثقال ذرة من الشك لما أخبر بأمره أحدا من الناس، ولذلك لما نزل عليه قوله تعالى: » فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبـِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ « [7]، قال لا أشك ولا أسأل، فعن قتادة في قوله : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا أشك ، ولا أسأل [8]“، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكا كما زعم الجابري لسئل، ولكنه لم يشك حتى يسأل، ولم يسأل لأن ما عنده من علم أكبر مما عند الذين سيسألهم، فكيف يستدل على ما يأتيه من وحي بما في أيدي الناس من كتب تلقوها جيلا عن جيل مع ما فعلوه بها من تحريف وتغيير، كما أن الغرض مما في هذه الآية الكريمة هو تثبيت للأمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب.
لقد روى عدد من أئمة الحديث – رحمهم الله تعالى – موقفا مشهودا لرسول الله صلى الله عليه ينبئ باليقين المطلق الذي كان يتمتع به صلى الله عليه وسلم فيما كان يدعوا إليه، وكيف أنه – عليه السلام – كان يتوعد المعارضين لدعوته حتى كانت كلماته – وهو عليه السلام وحيد مستضعف – تبعث الرهبة والخوف والفزع في قلوب المشركين، فعن عبد الله بن عمرو ، قال: قلت : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال : قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا ، فبينا هم في ذلك ، إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، فمر بهم طائفا بالبيت ، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض القول ، قال : وعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى صلى الله عليه وسلم ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى صلى الله عليه وسلم ، فمر بهم الثالثة ، غمزوه بمثلها ، ثم قال : ” أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده ، لقد جئتكم بالذبح ” . قال : فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا لكأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك يتوقاه بأحسن ما يجيب من القول ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشدا ، فوالله ما كنت جهولا . فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ، وبينا هم في ذلك ، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، يقولون له : أنت الذي تقول كذا وكذا- لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم ؟ قال : ” نعم ، أنا الذي أقول ذلك “. قال : فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه ، وقال وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ، ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط”[9].
أما الضعف الذي ينسبه الجابري لنبي الله صلى الله عليه وسلم فالحق أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن ضعيفا قط، ولن تجد في كل صفحات السيرة المحمدية البيضاء كلمة واحدة تشير مجرد إشارة إلى حالة ضعف واحدة، وهل يليق بضعيف أن يخاطب بقوله تعالى : » اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً اِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً اِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً وَاذْكُرِ اسْمَ رَبـِّكَ وَتَبَتَّلِ اِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً وَاصْبِرْ عَلَىا مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً « [10]، فهل هذه صفات شخص ضعيف، حاش لله، بل لقد أوتي – عليه السلام – من القوة واليقين ما جعل أشد الناس عداوة له من صناديد الشرك يبدو أمامه كريشة في مهب الريح، فعن محمد بن كعب رحمه الله تعالى ، حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل منا بعضها ويكف عنا؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، فيما قال له عتبة ، وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أفرغت يا أبا الوليد ؟ ” قال : نعم، قال : ” فاسمع مني ” قال : أفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد فيها , ثم قال : ” سمعت يا أبا الوليد ؟ ” قال : سمعت . قال : فأنت وذاك . فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم، قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي . خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه فقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ، ثم ذكر شعرا قاله أبو طالب يمدح عتبة فيما قال”[11].
التهمة الثالثة التي رمى بها الجابري رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هي الخوف من الفشل حيث زعم الجابري أن »الرسول بشر ، فكان لا بد من أن يقلق ويتخوف من أن يؤدي إصرار قريش على عدم الاستجابة لدعوته إلى فشله في تبليغ رسالته… « [12]، وهذا قصور واضح في الفهم، لأن النبي – عليه السلام – كان مكلفا بمهمة محددة ورد ذكرها في عدد من الآيات البينات، كقوله تعالى : » إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تَسْئَلْ عَنَ اَصْحَابِ الْجَحِيمِ« [13]، وقوله تعالى : » يَآ أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبـِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ « [14]، وكقوله تعالى : » يَآ أَيـُّهَا النَّبِيءُ اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا اِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعَ اَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىا بِاللَّهِ وَكِيلاً « [15]، أما مسألة استجابة الناس لهذا البلاغ وإيمانهم بهذه الرسالة وقبولهم لهذه الدعوة فلا تعلق له برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يدخل في مجال تكليفه، وقد جاء ذلك واضحا في كثير من الآيات، كقوله تعالى : » وَإِن مَّا نُرِيَنـَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمُ أَوْ نَتَوَفَّيَنـَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ « [16]، وقوله تعالى : » فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ اِلاَّ مَن تَوَلَّىا وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الاَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ « [17].
ولذلك نجد في القرآن الكريم التمييز بين نوعين من الهداية، هداية توفيق، وهداية إرشاد، أما هداية الإرشاد فقد وُصف بها القرآن الكريم في قوله تعالى : » إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيـُبـَشِّرُ الْمُومِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْرًا كَبِيرًا « [18]، ووصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : » وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ أَلآَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ « [19]، ووصف بها الله جل جلاله في قوله تعالى: » وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىا عَلَى الْهُدَىا فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ« [20]، وأما هداية التوفيق فلا يقدر عليها إلا الله تعالى، ولذلك وصف نفسه بها على سبيل الحصر في قوله تعالى : » إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ « [21].
والجابري كان قد صرح قبلُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكلف بحمل قومه على الإيمان به، وأن ذلك لا يدخل في مجال اختصاصه، ولكنه مع ذلك يصر على اتهامه لرسول الله بما اتهمه به، في تناقض غريب واضطراب عجيب، يقول الجابري : » ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحس في بعض الأحيان ، إزاء إصرار قومه على الإعراض عن دعوته ، بما يشبه الشعور بالفشل في المهمة ، وفي هذه الحال يأتيه الوحي ليذكره بحدود مهمته ، فهو ليس مكلفا بإجبارهم على الإيمان وإنما المطلوب منه أن يذكرهم بالقرآن… « [22]، وهكذا يصور لنا الجابري رسول صلى الله عليه وسلم وكأنه لم يكن يعرف حدود مهمته، وإلا فكيف يخاف النبي – عليه السلام – من الفشل في أمر لا حيلة له فيه، وقد أدى الذي عليه.
ثم إن الله تعالى أخبرنا في القرآن الكريم أن الذين استجابوا للرسل عبر التاريخ قلة قليلة، ولكن منطق الجابري القاصر يأبى إلا أن يصور لنا رسل الله تعالى – عليهم جميعا صلوات الله وسلامه – وكأنهم مجموعة من الفاشلين لقلة التابعين.
رغم أن قلة أتباع الرسل – كما قلنا آنفا – سنة من سنن الله تعالى، فعن ابن عباس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه رهط ، والنبي ومعه رجل ، والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع لي سواد عظيم ، فقلت : هذه أمتي ؟ فقيل : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، ثم قيل لي : انظر إلى هذا الجانب الآخر ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب”[23]. وهذا الحديث الشريف ينقض كلام الجابري، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بمنطق الجابري كان على يقين أنه سيحقق – بفضل الله تعالى – ما لم يحققه أحد قبله من المرسلين .
أما القلق الذي كان ينتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن بسبب الخوف من الفشل كما ذهب إليه الجابري، بل كان ذلك رحمة منه عليه السلام بقومه، وخوفا منه عليهم من عاقبة تكذيبهم له، وحرصا على هدايتهم، كيف لا ؟ وهو النعمة المسداة والرحمة المهداة، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة [24]“، وبذلك وصفه ربه جل وعلا وبصيغة الحصر في قوله سبحانه : » وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ « [25]، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحمل بين جنبيه من الرحمة والشفقة على الناس جميعا ومحبة الخير لهم ما يستعصي عن الحصر، وقد وصفه الله تعالى بذلك في قوله جل وعلا : » لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ « [26]، وفي قوله تعالى : » فَلَعَلَّكَ بَاخِع[27] نَّفْسَكَ عَلَىا ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا« [28]، وفي قوله تعالى : » لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُومِنينَ « [29].
وقد جاء في عدد من الآيات التعبير عن الحالة النفسية التي كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب إشفاقه على قومه ورحمته بهم وخوفه عليهم إلى الدرجة التي قد يهلك فيها نفسه، فنبهه الله تعالى إلى أنهم لا يستحقون ما يحيطهم به – عليه السلام – من محبة ورحمة وشفقة ورفق، لأنهم قد زين لهم سوء أعمالهم فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فرفقا بنفسك، قال تعالى : » أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ اِنَّ اللَّهَ عَلِيمُم بِمَا يَصْنَعُونَ « [30]، وهكذا يتضح أن خوف النبي صلى الله عليه وسلم كان خوفا على قومه لأنه يعلم ما لا يعلمون، ولم يكن خوفا من الفشل، حاشاه عليه السلام، والجابري لم يكن يغفل هذا الأمر وقد أشار إليه، ولكنه أساء التعبير في ذكره، لأنه أولا قرنه بالخوف من الفشل، وثانيا بالهلاك الدنيوي في قوله : » ..والرسول بشر ، فكان لا بد من أن يقلق ويتخوف من أن يؤدي إصرار قريش على عدم الاستجابة لدعوته إلى فشله في تبليغ رسالته من جهة ، وإلى تعرض قومه للعذاب والهلاك، كما حصل لأقوام ماضية اتخذت الموقف السلبي نفسه من أنبيائهم « [31].
أما دعوى الخوف من الفشل فقد أجبنا عنها بما فيه كفاية، وأما دعوى الخوف عليهم من الهلاك الدنيوي فإن الله تعالى قد حفظ هذه الأمة منه ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: »وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ « [32]، فالله تعالى يخبر هنا أن الكفار أهل لأن يعذبهم ، ولكنه سبحانه لم يوقع العذاب بهم لبركة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ثم أرشدهم جل وعلا إلى أمر آخر يحفظهم به من العذاب هو الاستغفار من الذنوب ، التي هم متلبسون بها من شرك وفساد، والتاريخ يشهد لهذه الأمة المرحومة أن الله تعالى لم يعاقبها لا بخسف ولا بإغراق ولا بإرسال حاصب ولا بصيحة، فالكفار جعل الله لهم عقوبة محددة في الدنيا هي قوله تعالى : » قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّومِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىا مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ « [33] .
أما التهمة الرابعة التي رمى بها الجابري رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسول له نفسه عقد صفقات مع كفار قريش حتى عاتبه القرآن الكريم، فقد جاء في تعليقه على قوله تعالى : » وَإِن كَادُوا لَيَـفْـتِـنُونَكَ عَنِ الذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْـتَرِي عَلَيْنَا غَـيْـرَهُ وَإِذًا لاَّتـَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلآَ أَن ثَـبَّـتْـنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذًا لأَّذَقـْنـَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا « [34] قول الجابري :” والمقصود أن قريشا ساومت الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء ما ليتسامح مع آلهتهم ، حتى يؤمنوا وأن النبي ربما سولت له نفسه قبول الصفقة ثم عدل عن ذلك “[35]. فكفار قريش تجار محترفون، يتقنون فن المساومة، ويبحثون دائما عن حل وسط يحمي مصالحهم، وحتى الدين عندهم مجرد تجارة تدر عليهم أموالا طائلة في المواسم ، وبالتالي فهذه الصورة التي رسمها لهم الجابري قد تكون صوابا، ولكن الانحراف يبدأ عندما يصف الجابري رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس الأوصاف، حيث يزعم الجابري أن »توالي الشدائد وإصرار قريش على العناد وكثرة تدخلاتهم من أجل حل وسط ) وهم تجار مستعدون دائما لحل وسط ( ، جعل النبي عليه السلام يأسف لعدم استجابتهم وأحيانا يخطر له أن يجرب استمالتهم بوعد من الوعود « [36].
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم – حسب زعم الجابري – كان يتمنى لو أنه استطاع الزيادة والنقصان في القرآن الكريم إرضاء لقريش، وهكذا يزعم الجابري أنه » وبقدر ما كان القرآن يؤكد للرسول وصحابته ، ولخصومه كذلك ، أن القرآن وحي من عند الله ، وأنه ليس من افتراء محمد ولا من إنشائه ، وأنه لا يملك أن يزيد فيه أو ينقص ) على الرغم من أنه كان يتمنى أحيانا لو أنه فعل شيئا من ذلك بقصد استمالة قومه ( « [37]، قال الجابري هذا الكلام ثم عاد وناقض نفسه عندما ذهب إلى أن قريشا كانت تتجنب الحرب الأهلية التي كان سيؤول إليها الأمر لو دخلت في حرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، »وهذا ما كان النبي عليه السلام يعرفه جيدا ، وهو ما يفسر تصرفه باطمئنان ورفضه أية مساومة معهم.. « [38]، وهكذا نجد الجابري يتخبط ويخرج من زعم إلى زعم أنكى منه، فمرة يزعم أن النبي كان مطمئنا لا يقبل المساومة انطلاقا من حسابات ومؤشرات واقعية، ومرة يتهمه بأنه كان عليه السلام يتمنى لو يستطيع تقديم بعض التنازلات لكفار قريش ولو بإخضاع القرآن للزيادة والنقصان.
وهذه تهمة بادية البطلان لأن الآية التي استشهد بها الجابري إنما جاءت على سبيل الامتنان، حيث يخبرنا تعالى بتأييده جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وتثبيته له عندما طَمع كفار قريش في أن يستنزلوه لأن يقول قولاً فيه مدح لآلهتهم ليتنازلوا إلى مصالحته وموافقته إذا وافقهم في بعض ما سألوه ، فعصمه جل وعلا من مجرد التفكير في أمر كهذا ووقاه شر الأشرار وكيد الفجار، وبين له ولنا أنه تعالى هو المتولي أمره ونصرته ، وأنه جل وعلا لم ولن يكله لأحد من خلقه ، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وحاربه ، في مشارق الأرض ومغاربها وبذلك تكون هذه الآية دليلا آخر على عصمته صلى الله عليه وسلم من كل ما لا يليق بمقام النبوة الرفيع كالوقوع في الذنوب صغيرها وكبيرها والخطأ والسهو والنسيان في تبليغ ما أمر عليه السلام بتبليغه وعصمته أيضا من كل ما نسبه الجابري إليه من نقائص، كيف؟ وهو الذي اصطفاه الله تعالى لتبليغ رسالته إلى الناس أجمعين وشهد له في كتابه العزيز بكمال الخلق وجمال النفس وقوة العزم، ولو صح شيء من هذا الذي يزعمه الجابري لكان طعنا في الأهلية.
والغريب أن الجابري عندما يتبنى موقفا لا يتفق مع صحيح الدين يحتج له بفهم معوج للقرآن الكريم وبروايات مكذوبة وأخبار واهية، بينما يرد الأحاديث الصحيحة والأخبار الثابتة والفهم الصحيح، فكفار قريش كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهابونه، ولذلك قلما ساوموه أو حاوروه، وإنما كانوا يمارسون ضغوطهم على أبي طالب، فمرة يهددونه ومرة يفاوضونه على أن يخلي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتعبوه ” بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت ، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك ، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه فيه ، وأنه خاذله ومسلمه وضعف عن القيام معه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه ” ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي فأقبل عليه ، فقال : ” امض على أمرك وافعل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا [39]“.
فهل هذا موقف يقفه من يقبل بأنصاف الحلول أو يفكر في المساومة أو النزول ؟ حاشاه عليه السلام، ولكن الجابري أنكر العصمة الإلهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراح يتحدث عنه وكأنه يتحدث عن أي زعيم سياسي يريد تحقيق مكاسب دنيوية وبأي ثمن، كلا، إنه الدين، وإن الذي تتحدث عنه هو رسول رب العالمين اصطفاه واجتباه واختاره، إذ كيف يعقل أن يخطر ببال من اختاره الله تعالى واصطفاه لتبليغ دعوته أن يغير في القرآن شيئا بالزيادة أو النقصان أو الخضوع لمساومات كفار قريش على البهتان؟ ألا يدل ذلك – لو حدث – على سوء الاختيار ؟ نعوذ بالله من الخذلان .
إن الجابري قد أسرف وهو يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في استعمال ألفاظ تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوصاف تتعارض مع مقام النبوة والاصطفاء الإلهي، ومن ذلك ما أورده الجابري في حديثه عن عام الحزن الذي فقد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه خديجة وعمه أبا طالب، قال الجابري : »مع ما تلا ذلك من خيبة أمله في أهل الطائف الذين ذهب يطلب النصرة منهم… « [40]، وهذا الكلام أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع، لأن العاقل منا يؤمن أن اشتداد الأزمة هو عنوان انفراجها، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يحمل في قلبه يقينا لا يتزحزح بأن الله تعالى ناصره ومظهر دينه ولو كره الكافرون ؟.
وموقفه عليه السلام من أهل الطائف في هذا الباب لا يحتمل التأويل، فعن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ، قال : ” لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد، فقال ، ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا[41]“. هذا الموقف النبوي من أهل الطائف الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغروا به سفهائهم دليل على قوة اليقين الذي كان يحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك شيء يدل على خيبة أمله على الإطلاق إذ لو خاب أمله لتجلى ذلك في فعله، وفعله وقوله عليه السلام كانا دائما يشعان أملا فيمن حوله، والآثار في ذلك أكثر من أن تحصى، منها ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه، على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إن دوسا عصت وأبت ، فادع الله عليها ، فقيل : هلكت دوس ، قال : ” اللهم اهد دوسا وأت بهم [42]“.
ومنها ما ورد على سبيل التبشير العام لأهل الإسلام في وقت كان الأفق مظلما والمستقبل مجهولا، ومع ذلك جاء قوله عليه السلام مبشرا، فعن تميم الداري رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ” ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، يعز بعز الله في الإسلام ، ويذل به في الكفر ” وكان تميم الداري رضي الله عنه ، يقول : ” قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ، ولقد أصاب من كان كافرا الذل والصغار والجزية [43]“. فهل هذا الكلام يمكن أن يصدر عن شخص يتجاذبه الفشل وخيبة الأمل ؟.
ورغم أن هذا الكلام يجعلك تعتقد أن الجابري لم يكن يفرق بين مقام النبوة وبين الزعامات السياسية والقبلية التي كانت تظهر هنا أو هناك فإنه يناقض نفسه عندما يقرر »أن الذين يتتبعون السيرة النبوية المحمدية من خلال ذلك[44] ، ومن خلال مسار نزول القرآن وبالارتباط معه ، لا بد أن يدركوا ، مهما كان دينهم أو ميولهم العقدية والإيديولوجية والسياسية ، أنه إذا كان التاريخ هو الذي يصنع الرجال فإن محمد بن عبد الله نبي الإسلام هو وحده صنع التاريخ« [45]، وأنى لفاشل خاب أمله مرارا وتكرارا أن يصنع التاريخ ؟ إنه المنطق الجابري المتناقض أو الحريص على إرضاء كل الأطراف ولو أدى ذلك إلى عدم الخروج بأي نتيجة مفيدة من بحوث مديدة !!!.
هناك تناقض آخر وقع فيه الجابري وقد أشرت إلى جانب منه آنفا، عندما زعم أن »الحرب الأهلية القبلية هي أكثر ما تتجنبه قريش ، لأنها تمس بعمق مصالحها الاقتصادية : عائدات الحج والتجارة . وهذا ما كان النبي عليه السلام يعرفه جيدا ، وهو ما يفسر تصرفه باطمئنان ورفضه أية مساومة معهم والمضي في تبليغ رسالة التوحيد وشجب الشرك وتسفيه عقول من يعبدها « [46]، ثم عاد وناقض نفسه عندما علق على قوله تعالى : ” أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [47]” بالقول : » محكمون الحماية لك «[48] .
فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى حالة كونه مطمئنا إلى حفظ الله له، أم معتمدا على حسابات مادية قد تخطئ في أي لحظة مما كان سيؤدي إلى ضياع الرسالة المحمدية بكاملها، كلا، إن الواقف على السيرة المحمدية يلاحظ أن النبي عليه السلام كان يأخذ بكل الأسباب الممكنة لحماية الدعوة الإلهية تعبدا لله تعالى كما أمره، ولكنه كان في الحقيقة ينظر إلى حفظ الله تعالى له ولدعوته، وقد تجلى ذلك في عدد من الموقف أهمها موقفه في غزوة بدر، فعن عمر بن الخطاب ، قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه: ” اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ” ، فما زال يهتف بربه ، مادا يديه مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة “[49].
ثم إن قريشا كانت ترى في نجاح الدعوة المحمدية الخطر الحقيقي الذي تهون دونه كل الأخطار، ولذلك أخذت في النهاية قرار اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت لتنفيذه آلية جهنمية لا يفكر فيها إلا شيطان رجيم، ولكن الله سلم، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لايفوت فرصة دون أن ينسب الفضل لله وحده جل وعلا، فعن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج ، أو عمرة ، أوفى على فدفد أو شرف قال : ” الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون ، تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لربنا حامدون، الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده[50] “، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى : » اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىا وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « [51] .
ومن الأخطاء الخطيرة التي ارتكبها الجابري في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أورده في تقديمه لسورة التحريم، حيث قال : »روى البخاري في صحيحه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن سبب نزول هذه السورة أنه صلى الله عليه وسلم شرب يوما عسلا عند زينب بنت جحش ، إحدى نسائه ، وكانت عند مولاه زيد بن حارثة، فعلمت بذلك عائشة فتواطأت هي وحفصة… « [52]، فالجابري هنا ارتكب جملة أخطاء منها :
1 – أنه ذكر الرواية بالمعنى وكان الأولى أن ينقل الخبر كما جاء في صحيح البخاري دون تدخل يفسد النص .
2 – أنه رد هذه الرواية – رغم ورودها في صحيح البخاري – بشكل بعيد عن المنهج العلمي الصحيح جاء فيها » وضعف هذه الرواية في كونها لا تتطابق تماما مع الآيات الواردة في السورة« [53]، دون أن يوضح لنا سبب عدم هذا التطابق المدعى .
3 – أنه أدخل في الكلام ما ليس منه فهذه الجملة – ” إحدى نسائه ، وكانت عند مولاه زيد بن حارثة “- لم ترد عند البخاري، كما أنها تشوش على القارئ لأنها تصور زينب بنت جحش كأنها زوجة لرجلين، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على امرأة متزوجة من رجل آخر ويجلس عندها وقتا طويلا يشرب فيه العسل بشكل أثار غيرة أزواجه !!! .
والصواب أن البخاري – رحمه الله تعالى – روى هذا الخبر بشكل لا يحتمل التأويل، فزينب أصبحت زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاقتها بزيد انقطعت منذ زمان، بل إن زيدا نفسه قد قتل في غزوة مؤته، فالخبر لا يحتمل أي خلط، فعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها ، فواطيت أنا وحفصة على، أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ، إني أجد منك ريح مغافير ، قال : ” لا ، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا[54]“، فرواية البخاري لم يرد فيها هذا الخلط الذي أحدثه الجابري عندما أعاد صياغتها بشكل أوحى بأمور لا تليق بمقام النبوة، فإن كان يقصد بهذا التشويش أو ربما التشويه فالله حسيبه، وإن لم يكن يقصده وإنما هو سبق قلم فإنه يدل بوضوح على أن الجابري تسرع في إنجاز فهمه للقرآن بشكل أضر بسمعته، حيث دفعته السرعة إلى النقل من هنا وهناك دون تمحيص أو إدراك لكثير من الأمور الضرورية بسبب عدم معرفته بالعلوم الشرعية والقواعد الأصولية والضوابط المعرفية ، ففهم القرآن له قواعده ، وآلياته ، وشروطه ، وأهله، والجابري قطعا ليس واحدا منهم .
هناك خطأ آخر ارتكبها الجابري في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي فرع عن إنكار العصمة، فقد ذكر الجابري في سياق حديثه عن تحريم الخمر كلاما يفهم منه أنه يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشربها، يقول الجابري : » والمبدأ في الإسلام ، في مجال الحلال والحرام ، هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من ” أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك ” . فشرب الخمر قبل نزول آية تحريمها كان حلالا . وقد خص الله نبيه الكريم بوضع خاص في هذا الشأن، فبشره بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر : ” لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا “[55] « [56] فالجابري بدأ كلامه هذا بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نسب إليه القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك، مع العلم أن أصغر طلاب العلم يعلم أن هذه قاعدة أصولية من وضع العلماء – رحمهم الله تعالى – وليست حديثا نبويا، كما أنها مخالفة لمذهب المعتزلة الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين والجابري غالبا ما ينحاز إلى عقلانية المعتزلة . كما أن شرب الخمر قبل ورود الشرع لا يوصف بأنه حلال أو حرام .
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان معصوما من الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها بعد البعثة وقبلها، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد ، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته ، فإني قد قلت ليلا لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة : لو أنك أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب ، فقال : افعل ” قال :” فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة ، سمعت عزفا بغرابيل ومزامير، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : هذا فلان بن فلان تزوج فلانة بنت فلان ” قال : ” فجلست أنظر وضرب الله على أذني ، فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، فجئت صاحبي ، فقال : ما صنعت ؟ ” قال : قلت : ” ما صنعت شيئا ، ثم أخبرته الخبر ، ثم بت ليلة أخرى مثل ذلك، فقال : افعل ، فخرجت حتى جئت مكة، وسمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني ، فما أيقظني إلا حر الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فأخبرته الخبر ، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته[57]“.
أما معنى الآية التي أوردها الجابري فبعيد تماما عما قد ينصرف إليه ذهن من لم يعرف مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه، باستحضار كل الأدلة الشرعية التي لا تدع مجالا للشك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الوقوع في أي مخالفة شرعية، وبالتالي فالمغفرة هنا ليست إلا مغفرة لجميع الذنوب سابقها وما عسى أن يأتي منها مِما يعده النبي صلى الله عليه وسلم ذنباً لشدة الخشية من أقل التقصير كما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً من أن يأتي بعد هذه المغفرة بما يؤاخَذ عليه وإنما المقصود هنا التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب[58] .
[1] التعريف بالقرآن ، ص 18 .
[2] التراث والحداثة ، ص 334 .
[3] نفس المرجع ، ص 39 .
[4] تاريخ القرآن ، ص 5 .
[5] التعريف بالقرآن ، ص 430 .
[6] نفس المرجع ، ص 431 .
[7] سورة يونس ، الآية 94 .
[8] مصنف عبد الرزاق الصنعاني ، كتاب أهل الكتاب ، هل يسأل أهل الكتاب عن شيء ، حديث : 9920 .
[9] صحيح ابن حبان ، كتاب التاريخ ، ذكر بعض المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديث : 6671 .
[10] سورة المزمل ، الآية 5 – 10 .
[11] دلائل النبوة للبيهقي ، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز ، حديث : 506 .
[12] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 162 .
[13] سورة البقرة ، الآية 119 .
[14] سورة المائدة ، الآية 67 .
[15] سورة الأحزاب ، الآية 45 – 48 .
[16] سورة الرعد ، الآية 40 .
[17] سورة الغاشية ، الآية 21 – 26 .
[18] سورة الإسراء ، الآية 9 .
[19] سورة الشورى ، الآية 52 – 53 .
[20] سورة فصلت ، الآية 17 .
[21] سورة القصص ، الآية 56 .
[22] فهم القرآن القسم الأول ، ص 127 .
[23] رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ، حديث : 346 .
[24] رواه الحاكم ، كتاب الإيمان ، حديث : 97 .
[25] سورة الأنبياء ، الآية 107 .
[26] سورة التوبة ، الآية 128 .
[27] باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم .
[28] سورة الكهف ، الآية 6 .
[29] سورة الشعراء ، الآية 3 .
[30] سورة فاطر ، الآية 8 .
[31] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 162 .
[32] سورة الأنفال ، الآية 33 .
[33] سورة التوبة ، الآية 14 – 15 .
[34] سورة الإسراء ، الآية 73 – 75 .
[35] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 335 .
[36] فهم القرآن القسم الأول ، ص 127 .
[37] التعريف بالقرآن ، ص 431 .
[38] فهم القرآن القسم الأول ، ص 219 .
[39] دلائل النبوة للبيهقي ، باب قول الله عز وجل ياأيها الرسول بلغ… ، حديث : 492.
[40] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 413 .
[41] رواه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ، حديث : 3075 .
[42] رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ، حديث : 2800 .
[43] رواه الحاكم ، كتاب الفتن والملاحم ، حديث : 8390 .
[44] أي من خلال مراجع السيرة النبوية .
[45] فهم القرآن القسم الأول ، ص 378 .
[46] نفس المرجع ص 219 .
[47] سورة الزخرف ، الآية 79 .
[48] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 137 .
[49] رواه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ، حديث : 3396 .
[50] مستخرج أبي عوانة ، كتاب الحج ، باب…وحظر إتيان المنصرف من حجه ، حديث : 2912 .
[51] سورة التوبة ، الآية 40 .
[52] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 324 .
[53] نفس المرجع والصفحة .
[54] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ، حديث : 4631 .
[55] سورة الفتح ، الآية 2 .
[56] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 374 .
[57] رواه الحاكم ، كتاب التوبة والإنابة ، حديث : 7686 .
[58] التحرير والتنوير .