منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأرض لله والوطن يتسع للجميع 

الأرض لله والوطن يتسع للجميع / أشرف شعبان أبو أحمد

0

الأرض لله والوطن يتسع للجميع 

بقلم:  أشرف شعبان أبو أحمد

 الأرض لله تعالى، فهو المالك الحقيقي لها، والمالك لكل ما فيها ولكل ما عليها، قال تعالى ( ولله ملك السموات والأرض ) آل عمران 189 وقال سبحانه ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ) المائدة 17 وقال عز وجل ( له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ) طه 6 ولله سبحانه ميراث الأرض، قال تعالى ( ولله ميراث السموات والأرض ) آل عمران 180 وقال عز وجل ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) مريم 40 وهو سبحانه يورثها من يشاء من عباده، قال تعالى ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) الأعراف 128 وقد ذكر سبحانه صورا من هذا التوارث في كتابه الكريم، فقال تعالى في سورة الدخان 28 آية ( كذلك وأورثناها قوما آخرين ) وقال عز وجل ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها ) الأحزاب 27 وقال سبحانه ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الأنبياء 105وقال تعالى ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) الأعراف 137 وقال سبحانه ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) القصص 5 وكما أن الله يورث الأرض من يشاء، فإنه يستخلف فيها من يشاء، وفق حكمته ومشيئته، قال عز وجل ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) الأنعام 165 وقال تعالى ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) الحديد 7 ويرتبط الاستخلاف في الأرض بالتمكين فيها، وقد جمع الله تعالى بينهما في سورة النور 55آية قال تعالى ( وعد الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) وكما إن وراثة الأرض ليس حكرا أبديا على أمة أو قوم دون غيرهم، فقد ورثها أقوام عمن سبقهم، وسيرثها من يأتي بعدهم، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فكذلك الاستخلاف والتمكين فيها، وقد حكى القرآن الكريم عن أمم استقرت في الأرض، مبينا أنها لم تكن أول من سكنها، وإنما خلفت أمما سبقتها، فقال عن قوم عاد ( واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) الأعراف 69 وقال عن ثمود ( واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ) الأعراف 74 وقال سبحانه ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوما آخرين ) الأنعام 133 وقال سبحانه عن قوم سبقوا غيرهم في التمكين ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) الأحقاف 26 غير أن الاستخلاف والتمكين في الأرض ليسا غاية في ذاتهما، وإنما تترتب عليهما مسئوليات وواجبات، وقد بين الله تعالى ذلك في سورة الحج آية 41 ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) كما أن الله تعالى ينظر كيف يعمل كيف من استخلفهم في الأرض، وكيف يتعاملون مع ما استخلفهم عليه، قال سبحانه ( ثم جعلنكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) يونس 14 كما قال على لسان موسى عليه السلام لقومه ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) الأعراف 129 ، فإذا أعرض أهلها وتولوا، واستبدلوا الطاعة بالمعصية، والإصلاح بالفساد، والعدل بالظلم، فقد يأتيهم من الله من يسلبهم ما مكنوا فيه، ويستخلف غيرهم من بعدهم، قال تعالى على لسان هود عليه السلام ( فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ) هود 57 وقال تعالى ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكنكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) إبراهيم 13- 14 وهكذا تتعاقب الأمم على الأرض، ويخلف بعضها بعضا، فلا تمكين يدوم، ولا أمة تضمن بقاءها فيها إلى الأبد، وإنما يخضع ذلك لسنن الله تعالى، فالأرض باقية، وأهلها متغيرون، وقد يذهب الله بقوم ويستخلف غيرهم، وقد يورث المستضعفون ما كان في أيدي المستكبرين، وينهي تمكين قوم، ليبدأ غيرهم أيام تمكين جديدة، ومن ظن أن ما أوتي من قوة وتمكين حق أبدي لا يزول، فقد غفل عن سنة الله في تداول الأيام وتعاقب الأمم.

وقد جرت سنة الله أن يعاقب بعض الأمم في الدنيا بسبب كفرها أو ظلمها أو فسادها، وتتعدد صور العقوبة بحسب ما تقتضيه حكمته وعدله، فمنها الإخراج من الأوطان والديار، ومنها الإهلاك بالخسف أو الغرق أو غيرهما، ومنها الاستبدال بقوم آخرين، أو زوال النعم، وما ذلك إلا جزاء بما قدمت أيديهم، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. قال عز وجل ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ) محمد 13 وقال تعالى ( فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) العنكبوت 40 وقال عز وجل في سورة النحل الآيات 45 -47 ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم ) وقال سبحانه في سورة سبأ آية 9 ( إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) ومن صور العقاب أن يخسف بمن بغى وأغتر بما آتاه الله من مال، وسعى في الفساد في الأرض، كما قال سبحانه في سورة القصص آية 81 عن ما فعله بقارون ( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ). ومن صور العقاب أيضا، الحرمان من الأرض، كما وقع لبني إسرائيل حين أمرهم الله تعالى على لسان موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة التي كتبها لهم، فقال ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) المائدة 21 غير أنهم أحجموا عن دخولها، وقالوا ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) المائدة 22 فعصوا أمر ربهم، فحرمت عليهم تلك الأرض أربعين سنة، قال سبحانه ( قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) المائدة  26 فكان تحريم الأرض والتيه فيها صورة من صور العقوبة، وفي المقابل حين أراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل من الأرض، وأن يخرجهم منها، عاقبه الله ومن معه بالغرق، فقال سبحانه ( فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ) الإسراء 103

وقد يكون الخروج طريقا إلى النجاة، فقد أمر الله تعالى بعض رسله بالخروج من الأرض، لينجو المؤمنون، ليعاقب ما تبقى عليها وينزل بهم العذاب لإصرارهم على الكفر والتكذيب، ويتضح هذا المعنى في قصة نوح عليه السلام، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله، فلما أصروا على الكفر والتكذيب، أوحى الله إليه أن يصنع السفينة، فقال سبحانه ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) هود 37 فلما جاء أمر الله حمل نوح فيها من آمن معه، ومن كل زوجين اثنين، كما قال تعالى ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ) هود 40 ثم أغرق الله المكذبين بالطوفان، ونجا نوح ومن معه في السفينة، حتى استقرت السفينة على الجودي، نزل نوح ومن معه إلى الأرض، لتبدأ مرحلة جديدة من الحياة على الأرض، ومن ذرية من نجا معه تكاثرت الأمم بعد ذلك، قال تعالى ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) الصافات 77 ويتكرر هذا المعنى في قصة لوط عليه السلام، فقد أمره الله أن يغادر القرية بمن آمن معه قبل نزول العذاب، فقال تعالى ( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) هود 81 فخرج لوط عليه السلام ومن آمن معه، ونجوا من العذاب، بينما بقيت امرأته مع قومها فأصابها ما أصابهم، ثم نزل العذاب بالقرية، قال تعالى ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) الذاريات 35

ومن الخروج ما يكون خيرا للإنسان، وإن جاء على كره ومشقة، ومن ذلك ما وقع يوم بدر، فعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه يريد عير أبي سفيان، لم يكن في حسابهم أن يلقوا جيش قريش، فإذا بهم أمام أمر آخر لم يخرجوا له ابتداء، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) الأنفال 5 فإذا بهذا الخروج الذي بدا شاقا على النفوس، يصبح طريقا إلى نصر عظيم للمؤمنين على عدوهم. فالهجرة والخروج من الأرض ومفارقة الوطن، قد تكون في بعض الأحوال، طريقا إلى النجاة، وبداية لحياة جديدة، وسببا في التمكين بعد الاستضعاف، وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، لم تكن مجرد انتقال من أرض إلى أرض، وإنما كانت انتقالا من حال إلى حال، من الاستضعاف إلى الإيواء، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الضعف إلى القوة والنصر، ومن الشدة إلى سعة العيش والرزق، فقد أقام النبي عليه الصلاة والسلام، في المدينة مجتمع المسلمين، وأرسى دعائم دولتهم، ثم أصحبت المدينة منطلقا لانتشار الإسلام إلى آفاق أوسع، ومع اتساع الدولة الإسلامية، خرج عدد من الصحابة من المدينة إلى الأمصار، كحمص ودمشق والكوفة والبصرة ومصر وغيرها، فأقام بعضهم فيها، وقاموا بالتعليم والدعوة والقضاء والولاية، ولم يعد جميعهم إلى المدينة، بل استقر بعضهم في تلك البلاد، ومات عدد منهم فيها. ويذكر الله تعالى المؤمنين بما كانوا عليه قبل الهجرة، وما آلت إليه أحوالهم بعدها، فيقول سبحانه ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) الأنفال 26 وقد بين الله تعالى حال الذين أخرجوا من ديارهم في سبيله، وما لحقهم من أذى وما بذلوه من جهاد، ثم وعدهم أعظم الجزاء، فقال سبحانه ( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) آل عمران 195 وأثنى الله تعالى عليهم، مبيننا سبب خروجهم وغاية هجرتهم، ووصفهم بالصدق، فقال سبحانه في سورة الحشر آية 8 ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) وقال تعالى في سورة النحل آية 41 ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) وكما مدح الله خروج المؤمنين فرارا بدينهم وابتغاء مرضاته، ذم خروج أهل الباطل حين يكون باعثه البطر والرياء والعدوان، فقال سبحانه ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ) الأنفال 47 فالعبرة إذن ليست بمجرد مفارقة المكان، وإنما بالبواعث والغايات والآثار المترتب عليه، فقد

وعلى امتداد التاريخ، شهدت البشرية موجات واسعة من النزوح والهجرة، تنقلت خلالها قبائل وشعوب من أرض إلى أخرى، بحثا عن الماء والمرعى، أو طلبا لمواطن أصلح للحياة، أو استجابة لظروف المعيشية ومتطلباتها، أو لعوامل طبيعية واقتصادية وأمنية مختلفة. كما ارتبطت تحركات سكانية أخرى بالغزو والاحتلال العسكري، وما ترتب عليهما في كثير من الحالات من الاستيلاء على أراضي المغلوبين وممتلكاتهم، وتهجير بعض السكان، وفي بعض الحالات إحلال غيرهم محلهم، فتغيرت التركيبة السكانية، وتبدلت مواطن الاستقرار في عصور كانت فيها أشكال الدول وحدودها السياسية، تختلف عما استقرت عليه في عالمنا اليوم. ولعل تاريخ أمريكا الشمالية يقدم مثالا واضحا على بعض هذه التحولات، فقد تشكل المجتمع فيها عبر موجات متعاقبة من الاستيطان الأوربي والهجرة، وتوسعت المستعمرات تدريجيا على حساب أراضي السكان الأصليين، من خلال الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضيهم، وتهجير جماعات منهم وتشتيتها، فضلا عما تعرضت له شعوب وجماعات أصلية من قتل ومجازر، وما فتك بها من أوبئة وافدة، وما عانته من أشكال مختلفة من العنف والاضطهاد خلال مراحل متعددة من تاريخ الاستيطان. ومن جهة أخرى، ينحدر جانب كبير من الأمريكيين السود من أفارقة نقل أسلافهم قسرا إلى الأمريكتين، عبر تجارة الرقيق، فعاشوا أجيالا في ظل الاستعباد، ثم خاض أبناؤهم وأحفادهم، عبر مسيرة طويلة من المعاناة والكفاح، نضالا من أجل الحرية والمساواة والحقوق المدنية، حتى تمكنوا تدريجيا من انتزاع حقوقهم، وتوسيع مشاركتهم في المجتمع الأمريكي، وأصبحوا مع مرور الزمن جزءا أصيلا منه، وبرز كثير منهم في مختلف مجالات الحياة، ووصل بعضهم إلى أعلى المناصب في الدولة. ويضم المجتمع الأمريكي المعاصر أعدادا كبيرة من المهاجرين القادمين من شتى أنحاء العالم، ممن قدموا إليه عبر أجيال متعاقبة، واستقر كثير منهم فيه، وحصلوا على جنسيته، وأصبحوا جزءا من نسيج مجتمعه، وأسهموا في نهضته في مختلف المجالات، ولم يكن انتقال كثير منهم واندماجهم في المجتمع قائما على الحروب أو الصراع المسلح، بل تم في كثير من الحالات بصورة سلمية، ووفق القوانين والإجراءات التي تنظم الهجرة والإقامة والتجنيس. وكثير من الناس غادروا أوطانهم، بحثا عن حياة أفضل، وهم لا يملكون إلا القليل، بل ربما خرج بعضهم منها صفر اليدين، ثم استطاعوا في بلاد أخرى أن يحققوا نجاحات لم يكن من الممكن لهم تحقيقها في ديارهم الأصلية، فاتخذوا من موطنهم الجديد مستقرا لهم ولذريتهم من بعدهم، حتى أصبحت تلك البلاد أوطانا لهم ولأبنائهم وأحفادهم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى. كما شهدت مجتمعات كثيرة، عبر العصور المختلفة، وجود جماعات وطوائف متعددة الأديان والأعراق واللغات وغيرها من وجوه الاختلاف بين البشر، عاشت جنبا إلى جنب، تجمعها المصالح المشتركة، وتنظم القوانين والأعراف علاقاتها وحقوق أفرادها وواجباتهم، وإن تفاوتت حقوق الجماعات وأوضاعها القانونية والاجتماعية من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، فلم يكن لأي من هذه الاختلافات، سببا حتميا في ذاته للإقصاء أو الإبعاد لأي كان فردا أو جماعة مادام أفرادها ملتزمين بقوانين المجتمع، مؤدين ما عليهم من الواجبات، ولهم من الحقوق مثل غيرهم. وهكذا يتبين أن انتقال الإنسان من أرض إلى أخرى، وتعدد أصول السكان واختلافهم، ليسا أمرين استثنائيين في تاريخ البشر، وإنما هما جزء من مسيرتهم الطويلة، وأن الأرض قد تستقبل أجيالا من البشر لم يولدوا فيها، ثم تصبح مع مرور الزمن موطنا لهم ولأبنائهم وأحفادهم، غير أن هذا الانتقال لا يكون لا يبرر انتزاع حقوق السكان الأصليين ولا إكراههم على مغادرة ديارهم.

ومن الملاحظ أن كثيرا من الصراعات التي شهدها التاريخ حول الأرض، لم تكن ناشئة بسبب انعدام الأراضي أو ضيقها بمن فيها ومن عليها، فأرض الله واسعة، وفيها من سبل العيش ومواطن الاستقرار ما يتسع لأجيال متعاقبة من البشر، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، وسائر اختلافاتهم، قال تعالى ( يا عبادي إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) العنكبوت 56 ففي أي بقعة يأمن فيها الإنسان على نفسه ودينه، ويجد فيها من أسباب الحياة ما يعينه، يستطيع أن يعبد ربه، ويقيم من شعائر دينه وأحكامه ما يستطيع، ويعمر الأرض ويصلح فيها، ويطلب رزقه، ويتزوج ويتناسل، ويبني حياته مع غيره من الناس. كما أخبر الله تعالى إنه قدر في الأرض أقواتها، وهيأ فيها من أسباب المعيشة ما تقوم به حياة خلقه، فقال سبحانه ( وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) فصلت 10 وقال تعالى ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) هود 6 كما بين سبحانه أن اختلاف الناس وتنوعهم إلى شعوب وقبائل، لكل منهم لغته وثقافته وهويته، يمكن أن يكون سبيلا إلى التعارف والتعاون، قال تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات 13 ومن هذا التعارف تنشأ المصالح المشتركة، وروابط التعاون، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

وإنما نشأت كثير من تلك الصراعات بسبب الرغبة في الاستئثار بأرض بعينها، وإقصاء من كان عليها، كما لو كانت تلك الأرض بما اختصت به من قيمة إستراتيجية أو دينية أو تاريخية، لا تتسع للقادمين إليها إلا بإخراج من سبق إليها، مع أن الأرض أوسع من أن تكون حكرا على فئة، وأرحب من أن يكون التعايش فيها مشروطا بإخراج الآخرين. وها هو العالم على اتساعه، ومع تزايد عدد سكانه، مازال يضم مساحات واسعة قليلة الكثافة السكانية، فضلا عن إمكان تطوير المدن والمجتمعات القائمة، وإنشاء أخرى جديدة تستوعب أعدادا متزايدة من البشر، واستصلاح مزيد من الأراضي، فلا تزال هناك مساحات شاسعة من الصحاري والغابات، قد يصبح بعضها مستقبلا، قابلا للسكن أو الاستثمار، مع التقدم العلمي والتقني الهائل، متى توافرت فيها شروط الحياة، وروعي في ذلك التوازن البيئي، وحقوق من يقيم فيه، وربما يأتي يوم يصبح فيه انتقال البشر إلى كواكب أخرى غير الأرض أمرا ممكنا.  غير أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في ضيق الأرض، وإنما في تطلع بعض الأفراد أو الجماعات، إلى الاستئثار بما جعل الله فيه سعة للناس جميعا، واستعلائهم على بني جنسهم لاختلافهم عن غيرهم في العرق أو اللغة أو الدين، وضيقهم بمشاركة غيرهم لهم في الموطن، فتضيق الأرض في أعينهم، وينشأ عن ذلك تعصبهم لذاتهم ولمن يشبههم فيما يتميزون به عن غيرهم، ونظرتهم إلى من يختلف عنهم في أي أمر نظرة تقوم على التكبر والازدراء،  ثم ينتهي الأمر إلى الاعتداء على حقوق الآخرين وإقصائهم عن مواطنهم، وهو في ذلك كله لا يخرج عن كونه ظلم لإخوة لهم في الإنسانية، فليس المطلوب أن يتشابه الناس في كل شيء حتى يعيشوا ويتعايشوا معا، فالاختلاف سنة من سنن الله في خلقه. وتتسع الأرض بمن عليها عندما يقوم التعامل بينهم على العدل والقسط، واحترام القانون وصيانة الحقوق والحريات، وحفظ الدماء وصيانة الممتلكات، واحترام حق الإنسان في الأمن والسكن والحياة الكريمة ، فالعدل هو السبيل إلى التعايش والتعاون على ما فيه خير للجميع، واختلاف الناس في الدين أو اللون أو اللغة أو الانتماء لا يسقط عن أحد منهم أي حق من حقوقه، فالمواطنون وإن اختلفت أديانهم وثقافاتهم وانتماءاتهم، يمكن أن يجتمعوا معا في وطن واحد، ما دام كل منهم ملتزما بما عليه من واجبات، متمتعا بما له من حقوق، دون أن يطلب من أحد أن يتخلى عن دينه أو هويته أو خصوصيته. ومن هنا يجب على من ينادون بإخراج مواطنين مثلهم من أوطانهم لمجرد اختلافهم عنهم في لون البشرة أو الثقافة و المعتقد، ألا يشغلوا بالهم بكيفية إخراج غيرهم، بل يشغلوا أنفسهم بكيف يكون وطنهم أكثر اتساعا للجميع، فالأوطان لا تتسع باتساع مساحات أراضيها، وإنما تتسع حين تتسع حين يعلو فيها العدل على التعصب، والرحمة على الإقصاء، والحق على الهوى، فالأرض لله، والوطن يتسع للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.