منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ليس ديني متخلّفًا.. بل واقعنا هو المتخلّف

عبد القاهر عارفي

0

ليس ديني متخلّفًا.. بل واقعنا هو المتخلّف

بقلم: عبد القاهر عارفي

كيف صار من السهل أن نقول إن الدين هو الذي تخلّف؟ نعم، في أحوالنا ضعف وتأخر، ولا يصح أن نغطيهما بأمجاد الماضي. لكن الاعتراف بالتأخر شيء، ومعرفة أسبابه شيء آخر. وقبل أن نصدر الحكم، ينبغي أن نفهم كيف وصلنا إلى هنا، وأن نعرف ديننا ونقرأ مسيرتنا بما يكفي. فهل فعلنا، أم أن الجواب سبق المعرفة؟

حين نعرف السقوط أكثر من البناء

قد يعرف شابٌّ كثيرًا من تاريخ بلد بعيد، ثم إذا سألته عن بخارى أو سمرقند لم يتجاوز بهما حدود الاسم. وليس الخطأ أن يعرف العالم؛ إنما الخلل أن يكون العالم حاضرًا في ذاكرته أكثر من جانب كبير من تاريخه. وعن الأندلس قد يبدأ حديثه من سقوطها، وعن بغداد من اجتياحها.

ولم تكن هذه المدن هوامش عابرة؛ فمدينة الزهراء تشهد على ما بلغه العمران الأندلسي في القرن العاشر، وكانت بخارى قرونًا مركزًا كبيرًا للثقافة الإسلامية في آسيا الوسطى، وبلغت سمرقند ازدهارًا لافتًا في العصر التيموري، ومن شواهده مرصد أولوغ بيك. ومن حق أبنائنا أن يعرفوا أن قصتهم لم تبدأ من لحظة السقوط.

بين «كنا» وميزان العصر

لكن للذاكرة فتنة أخرى؛ فما أسهل أن نهرب من سؤال: ماذا أصبحنا؟ إلى كلمة: «كنا». والاعتزاز بما أنجزه السابقون مشروع، لكن الماضي لم يُترك لنا كي نسكن فيه. فإذا تحول إلى عزاء نستدعيه كلما آلمنا ضعفنا، انتقلنا من الجهل بالتاريخ إلى سوء استعماله؛ فمن ينس جذوره يضيع، ومن يقف عندها لا يمضي.

وفي الجهة المقابلة إغراء آخر: أن نأخذ من عصرنا منجزاته، ثم نأخذ معه ميزانه للإنسان والحياة. ليست المشكلة في العلم والتقنية والعيش الكريم، بل في أن تتحول هذه الأشياء من وسائل نافعة إلى تعريف كامل للنجاح.

نأخذ من عصرنا منجزاته، من غير أن نسلّمه ميزانه؛ لكن قبل أن نحاكم حاضرنا، يبقى السؤال الأسبق: كيف وصلنا إلى هذا التأخر؟

لماذا تأخرنا؟

أن نقرّ بما نحن فيه لا يعني أننا عرفنا أسبابه؛ فتجارب الأمم لا تصنعها علة واحدة. تتداخل فيها السياسة والاقتصاد، والحروب والصراعات، والتحولات الفكرية والاجتماعية، إلى جانب أخطاء الداخل والتدخلات الخارجية.

وفي التاريخ العثماني نفسه لم تكن النهاية ثمرة سبب واحد؛ فقد تداخلت الحروب والخسائر الإقليمية، والأزمات المالية والاقتصادية، والتحولات الداخلية، وصعود الحركات القومية، وضغوط القوى الأوروبية. ولهذا أعاد مؤرخون معاصرون النظر في سردية تختصر قرونًا كاملة في كلمة «الانحطاط»، وقدّموا صورة أكثر تركيبًا.

ما أسهل أن تختصر قرونًا في كلمة، وما أصعب أن تتحمل عناء الفهم.

وتعدد الأسباب لا يلغي مسؤوليتنا، بل يجعل التشخيص أدق؛ فإذا كانت تجربة دولة واحدة لا تُختصر في سبب واحد، فكيف نختصر تاريخ أمة كاملة في جواب جاهز: «الدين هو السبب»؟

أي إسلام نحاكم؟

فبعض ما ننسبه إلى الإسلام ليس إلا صورة ناقصة عنه؛ فمرة يُختزل في العبادات الفردية، ومرة في الأوامر والنواهي، ومرة في السياسة أو الهوية. وهذه كلها جوانب منه، لكن الخلل يبدأ حين يتحول الجزء إلى الكل.

فالقرآن الذي يوجّه القلب إلى الآخرة يقول: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77]، والسنة التي تعلّمنا حق الله لا تمحو بقية الحقوق؛ فقد قال سلمان لأبي الدرداء: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»، فقال النبي ﷺ: «صدق سلمان».

فلا يُحفظ الإسلام بتضييقه، ولا يُجدَّد بتفريغه؛ ما ثبت نحفظه، وما اتسع للاجتهاد لا نحوله إلى باب مغلق.

وأحيانًا نذهب إلى النص وقد حُسم الجواب في أذهاننا، فنبحث عما يؤيد ما سبق أن قررناه. وقد نظن أن الزاوية التي ننظر منها إلى الدين هي صورته كلها؛ لكن الرجوع إلى العلماء الراسخين، والنظر في تعدد اجتهاداتهم، قد يكشف لنا ما غاب عنا. فقد نكتشف أن ما حسبناه ضيقًا في الدين لم يكن إلا ضيقًا في الزاوية التي نظرنا منه إليها.

وهنا ينتقل السؤال من صلاحية الدين إلى صلاحية فهمنا له: هل قرأناه في سعته، أم حاكمناه من زاوية ضيقة ثم نسبنا ضيقها إليه؟

ويردّنا القرآن إلى مسؤوليتنا: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]. فالآية تعيد إلى الإنسان نصيبه من المسؤولية عما يستطيع تغييره في نفسه وفهمه وسلوكه.

ليس ديننا متخلّفًا، وما تأخر في واقعنا ليس قدرًا لا يُردّ؛ فإذا صحّ الفهم، واستقام الميزان، وصدق السعي — تجددت الثقة بالله.

وبين حنينٍ إلى ماضٍ مضى ومرارةِ حاضرٍ لم نرضَ به، يبدو المستقبل كشتاءٍ طال برده، ثم بدأت ثلوجه تذوب، وظهر من وراء غيمه أولُ الضوء.


مراجع مختصرة

UNESCO World Heritage Centre: Caliphate City of Medina Azahara; Historic Centre of Bukhara; Samarkand – Crossroad of Cultures.

Suraiya N. Faroqhi (ed.), The Cambridge History of Turkey, Vol. 3: The Later Ottoman Empire, 1603–1839, Cambridge University Press, 2006.

صحيح البخاري، كتاب الصوم، حديث رقم 1968.

القرآن الكريم: القصص: 77؛ الرعد: 11.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.