منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الجائزة -قصة-

0

ليس من شك في أن كل إنسان في الحياة الدنيا يتعرض لمجموعة من الابتلاءت، والمحن التي قد تغير مسار حياته، فهناك من يدرك أنه لا مفرّ من قدر الله إلا لقدر الله، فيصبر ويحتسب، ويعمل على تحويل الابتلاءات إلى غايات سعيدة يبتهج بها في الدارين، أما البعض الآخر فيجزع، ويسخط، غير آبه بقسمة الرحمن، وهي دلائل وعلامات على حب الدنيا، والشغف بها، وبزخارفها المثيرة والمتعددة.

ولكن السعيد حقا هو الذي يحول النقم إلى نعم، حيث لا يعرف القنوط له طريقا، ولا ترى الاستسلام له رفيقا.

ولقد كان هداية الله شخصية ناجحة في المجتمع، فقد جمع بين الخصال الخلقية والأخلاقية، مما أكسبه سمعة طيبة بين جميع زملائه في العمل، ناهيك عما يكنه له طلبته من حب وتقدير منقطع النظير، خاصة طلبة السلك الثالث الذين يدرس لهم علم اللسانيات النحوية (Grammatical Linguistics).

لقد مكنته مرتبته العلمية وسلوكه المتميز بالتواضع ونكران الذات، ومساعدة جميع فئات الطلبة بأن يحصل على ثقة رئيس الجامعة، الذي عينه نائبا لعميد الكلية المكلف بالبحث العلمي تكريما له، واعترافا بمجهوداته الكبيرة في خدمة العلم.

فأصبح لزاما عليه إنجاز عمل يتكون من شقين: شق إداري محض، وآخر تربوي يتمثل في مواصلته إعطاء محاضراته، وتأطيره لأبحاث طلبته، فكان لا يألو جهدا في التوفيق بين جميع المهام الموكولة له بالرغم من العناء الكبير الذي كان يجده في ذلك، لكن ثقته بخالقه الذي هيأ له كل الظروف المواتية لبلوغ أعلى درجات النجاح العلمي والاجتماعي، كانت دائما تشكل له سندا ونبراسا يهتدي به في جل الأوقات الصعبة و العصيبة.

كان الأستاذ هداية الله، زوجا مخلصا ووفيا لزوجته صفاء، التي كانت تحبه وتعزه وتخاف عليه كثيرا، وهي عقدها الثالث، مهندسة معمارية ناجحة، لديها مكتب خاص تشتغل فيه بمعية خمسة موظفين آخرين :( مهندس، وتقني، وتقني مساعد، وكاتبة، ومندوب).

كانت صفاء قد اعتادت منذ ثلاث سنوات على عدم الذهاب إلى مكتبها إلا بعد إتمام أغلب واجباتها المنزلية التي كانت تفضل قضاءها بنفسها إرضاء لزوجها المحبوب، في المسرّات والخطوب.

كانت كل أمور الزوجين على ما يرام، استقرار مادي واجتماعي، وبيت فسيح، ورصيد بنكي متميز، وسيارتان فارهتان، وحب كبير يجمع بين الزوجين، وعقلية فكرية ترقى بحياة الزوجين عن طينة المشاكل الزوجية التي من شأنها أن تعكر هذا الصفو الجميل.

لكن إرادة الله ومشيئته في هذا الكون، ولحكمة لا يعلمها إلا هو اقتضت أن تتميز حياة البشر فوق هذه البسيطة بالنقص والقصور، فكان هناك مشكل ينغص حياة الزوجين السعيدين من حين لآخر، كلما تذكرا أنهما لم ينجبا أي مولود لحد الساعة بعدما ناهزت مدة زواجهما ثلاث سنوات.

ولكن كان يعتريهما شعور خاص بالحسرة والنقص، فرغم أنهما على شاكلة واحدة في إيمانهما العميق بقدرة الله وقدره، وأنه عز وجل هو المعطي وهو المانع، بالرغم من كل ذلك فلقد كان لهذا المشكل بالغ الأثر على حياتهما، وخصوصا على الزوجة صفاء التي كان يزيد تأثرها بهذا المشكل مع توالي السنوات واقترابها من المرحلة المعروفة لدى النساء بسن اليأس، أو سن الأمل وهي المرحلة المخيفة للنساء بحكم انقطاع الخصوبة الإنجابية قبل نهاية العمر الطبيعي.

لقد حبا الله تعالى الأستاذ هداية الله بوالدين كريمين يجسدان روح الأخلاق، ومثالية السلوك، وبحكم قربه الشديد من والده الذي يعتبر بالمناسبة أستاذا من الرعيل الأول الذي كان يتقن علوم التربية، وفنون الحياة، بحكم تمرسه وخبرته الطويلة في تكوين أجيال شكلت لبنات للوطن يمكنه الاعتماد عليها، كان بحكم هذا القرب من والده يناقشه في جميع أموره، وخصوصا حينما كان يستعصي عليه أمر ما في الحياة.

قرر هداية الله الاستعانة بوالده على إيجاد حل لمشكلة الانجاب، واختار أن يخبره بما عكّر صفو خاطره، وكان ذلك بعد صلاة المغرب.

قال هداية الله: يا أبت، إن أمر الانجاب بات يقض مضجعي، أنا وزوجتي صفاء، وإنك لتعلم عدد الزيارات التي قمنا بها عند عدد غير قليل من الأطباء المتخصصين داخل وخارج البلد، وكم كلفنا ذلك من جهد مادي ومعنوي، ووالله إن جميع الفحوصات والأشعة التي نقوم بها سويا تكون نتائجها جيدة، ولا تشير إلى أي مشكلة، سواء بالنسبة لي أو لزوجتي، فأشر علي يا والدي الحبيب، ما الذي بقي على فعله؟

أطرق الوالد الحاج عبد السلام رأسه  برهة، وهو ينظر إلى مكان سجوده، ثم رفع رأسه مبتسما، وقال لابنه:  يا ولدي، اجعل ثقتك بملك الملوك، ورب الأرباب الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، وكن واثقا بأن ما عند الله أوثق مما في يدك، فإن الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لأن الأمر كله بيده، وأمره بين الكاف والنون، قال الله تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ (سورة يس: 82).

ثم ختم نصيحته قائلا: هل تعلم أن الاستغفار هو سيد الدعاء؟ أوصيك بالاستغفار يا ولدي عقب كل صلاة، وفي كل الأوقات مع ذكر حاجتك إلى المولى عز وجل، وقل: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وكن واثقا أن الله جلت قدرته، وتعالت هيبته، سوف يجعل لك مخرجا ويرزقك من حيث لا تحتسب.

يا ولدي، إن عجائب الاستغفار لا تنقضي، أو ما قرأت قول الله تعالى ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ (سورة نوح: 10، 12).

عليك بالاستغفار يا ولدي حتى يستجيب الله لك مطلبك، فسيقضي لك ما فيه صلاحك وصلاح أسرتك.

رجع هداية الله إلى بيته مستبشرا بما سمعه من والده، وهو يردد عبارات الاستغفار كما أوصاه والده بذلك، ليس هذا فحسب، بل إنه طلب من زوجته أن تقوم بنفس الشيء، وألا يفارق  الاستغفار شفتيها، وأن تجعلها ديدنها، ووردها اليومي حتى يحقق الله أمنيتهما، ويرزقهما بالذرية الصالحة التي توحد الله، وتعبده.

وظل الزوجان على هذا الحال، لا يفتران عن استغفار الكبير المتعال، بل إنهما أصبحا يتنافسان في كثرة الاستغفار، في مشهد تسطع فيه الأنوار.

وبعد طول انتظار استفاقت الزوجة يوما على خبر نتيجة كشف الحمل الذي اعتادت أن تنجزه مرات عديدة، وكان دائما يأتي سلبيا، لقد استفاقت هذه المرة على رنين هاتف إدارة المختبر التي تزف إليها خبر النتيجة المخبرية، فقد جاءت هذه المرة إيجابية بإذن السميع العليم.

وقد اهتز الزوجان فرحان على وقع هذا الخبر، فامتلأ البيت بالحبور، بما لا تفصح عنه هذه السطور.

قال هداية الله لزوجته: والله لقد أخذت على نفسي عهدا بأن أستغفر الله كل يوم ألف مرة، أجزأها عقب كل صلاة، وذلك منذ أن نصحني والدي الحبيب بالاستغفار ليحقق الله رجاءنا، فكنت منذ ذلك اليوم وأنا أحرص على ورد يومي بمعدل مائتي استغفار عقب كل صلاة، من الفجر إلى الليل بعد صلاة العشاء، وهكذا حملت نفسي على كثرة الاستغفار، والمواظبة عليه آناء الليل وأطراف النهار، حتى أجد نفسي قد استغفرت الله تعالى كل يوم ألف مرة، وحمد لله أن استجاب دعاءنا، وحقق رجاءنا بأن يسر لنا ظروف الحمل التي كنا نحلم بها منذ مدة غير قليلة، فالحمد لله عز وجل على هذه النعمة التي لطالما انتظرنا أن تعمنا منذ سنين.

فما كان من الزوجة إلا أن أجابت ودمع العين يسبقها قائلة: إنني لأعجز بصدق أن أشكر الواهب على تيسيره لي لحمل طالما انتظرته، حتى أشعر كغيري من الأمهات بهذا الإحساس العظيم الذي كدت أحرم منه لولا أن الله منَّ علينا بجوده بعدما كاد يطول الابتلاء، وإني والله لقد كنت مؤمنة، وراضية بقدر الله تعالى، وكنت قد عاهدت نفسي على أن أبقى صابرة محتسبة حتى يقضي الله  أمرا كان مفعولا.

ولعل ما كنت تجهله هو أني كنت أقوم في جوف الليل كلما يسر الله لي ذلك، وأصلي ركعتين لا أزيد عليهما، ثم أتضرع لخالقي بأن يرزقنا ما فيه خيرنا وصلاح أحوالنا، ثم ألهج بالاستغفار حتى بلوغ وقت الفجر.

وقد نذرت نذرا لله تعالى إذا تحقق المراد، بأن أخصص جزءا من راتبي شهريا لمساعدة أسرة فقيرة في احتياجاتها الضرورية اليومية، وإنني سوف أفي بما قطعته على نفسي وأشهدت الله عليه، بعدما أكرمني بهذا الخبر السار.

وهكذا تحقق رجاء الزوجين المباركين، وكانت نصيحة الحاج عبد السلام لهداية الله نصيحة أبوية من ذهب، ومن بر الابن بأبيه أن عمل بالنصيحة، ولم يتوانى في الأخذ بها،موقنا بكراماتها، بل وأوصى زوجته بتطبيقها والعمل بها، حتى جاء الفرج المنتظر ولله الحمد والمنة.

عاش الزوجان على وقع الخبر المفرح، وهما كالحالم في ليل الربيع، لما يفوق شهرا من الزمان، وهكذا سافرا إلى بلد سياحي، ليزيلا عن كاهلهما أثقال الحياة، ومكثا فيه أكثر من أسبوع استرجعا فيه مجموعة من الذكريات الجميلة، وقد كان فرصة مواتية للتخلص من تعب الضغوط النفسية التي كانت تخنق أنفاسهما بشكل خفي.

وقد دار بخلد (هداية الله) أن يقيم مأدبة عشاء في بيته إكراما لوالديه، وأيضا لأصهاره على اعتبار أن أواصر النسب من شأنها توحيد الأسر فيما بينها مع تقريب أكثر للجانبين، وتعزيز الرؤية العائلية لما فيه الخير والصلاح.

وفعلا، كانت مناسبة رائعة لصلة الأرحام وللتعرف أكثر على البعض الآخر من أفراد العائلة، ومرت الأمسية بسلام بعدما انصرف الجميع داعين لهداية الله وصفاء بالمزيد من النجاح والتوفيق.

رجع هداية الله إلى عمله في اليوم الموالي، بهمة عالية، ونفسه تتطلع إلى غد باسم، وها هي نفسه تتحدث قائلة: سوف يمن علي الرحمان بولد من صلبي، وسيحمل اسمي من بعدي، سوف أعمل كل ما في جهدي لأجعله من الصالحين، أجل سوف أجتهد في تربيته أنا وأمه التي سوف تحيطه بعناية فائقة، سوف ترضعه من ثديها، ولن نستطيع تغذيته بحليب الصيدليات، نعم سوف أجعله يحفظ كتاب الله، ليكون لي ذخرا وملاذا في حياتي، وبعد مماتي..

هكذا كان يمشي أستاذنا بين جنبات الكلية، يحدث نفسه، ويضع التصاميم المستقبلية لحياة المولود المنتظر، حتى إنه من كثرة فرحه قرر أن يخفف عبء مقرر الاختبارات الخاصة بمادته لفائدة طلبته الذين سوف يمتحنون خلال هذا الفصل.

أما الزوجة صفاء فقد قررت إعطاء علاوة شهرية استثنائية خاصة للذين يشتغلون معها، اعتبرتها بمثابة تفريج بعض الكرب على هؤلاء بعدما فرج الله كربتها وأزاح همها، وهي بذلك تكون قد أقدمت على شكر الله بطريقتها الخاصة.

استمر الزوجان في أعمالهما الخيرية، مع ملازمة الاستغفار بشكل يومي، إلى أن قررت صفاء بعد استشارة زوجها، أن تقوم بزيارة للطبية المختصة في التوليد وطب النساء من أجل العناية بجنينها، واتباع النصائح الطبية التي سوف تقدمها لها الدكتورة المعالجة حتى نهاية الحمل، وتاريخ الوضع بسلام.

وفعلا وبعد ترتيب الموعد مع إدارة العيادة الطبية النسائية، ذهبت الزوجة صفاء عند الطبيبة في الموعد المحدد لوحدها، على اعتبار أن زوجها هداية الله غير رأيه في مرافقتها في آخر لحظة بعدما توصل بمكالمة مستعجلة من رئيسه المباشر يدعوه فيها لحضور اجتماع طارئ.

وكم كانت فرحة صفاء وهي بغرفة الانتظار تنتظر دورها، وترى النساء الحوامل ممن اقترب أوان وضعهن، وهن في حالة صعبة نسبيا، لكنها كانت تستحسن المنظر، وتبتسم ابتسامة خفيفة لكل امرأة حامل وقعت عينها عليها في تلك اللحظات، وتقول في همس خفي، وهي في فرحة غامرة: “الحمد لله الذي قدر لي أن أعيش هذه اللحظات العظيمة التي لطالما انتظرتها منذ تاريخ زواجي بهداية الله، اللحظات التي تشعر كل امرأة بأنها سوف تصبح أما راعية للأجيال”، وتسترسل قائلة:  لقد حقق الله رجائي ورجاء زوجي، وها أنا الآن حامل، أحمل بين أحشائي جنينا تدب فيه الحياة، وإنني لأشعر بأن الله تعالى كافأني على الصبر الذي صبرته برفقة زوجي الذي تجسدت فيه روح الصبر والجلد، والاحتساب، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، ومجدك وكرمك.

وبينما هي كذلك، إذ سمعت صوتا يقول: السيدة صفاء العربي، فلتتفضل من فضلكم.

لم يكن هذا الصوت إلا صوت مساعدة الطبيبة التي أعلنت عن حلول دور صفاء من أجل الدخول على الطبيبة للاطمئنان على صحتها، وعلى صحة جنينها.

استقبلتها الطبيبة بحفاوة كبيرة، وهنأتها على الخبر السعيد، ودعت لها بكل خير، ثم طلبت منها الدخول معها إلى غرفة الكشف للتخطيط بالصدى أو ما يعرف (بالايكوغرافي)، فوافقت السيدة صفاء، وعلامات الفرح والاستبشار تعتلي وجهها الصبوح.

طلبت الطبيبة بعد ذلك من السيدة صفاء الانتظار خارج غرفة الفحص قليلا قبل أن تراجعها، وفعلا حدث الذي أوصت به الطبيبة.

وأثناء فترة الانتظار الثانية، أخذت السيدة صفاء تفكر في الطريقة التي تعاملت الطبيبة معها، وتستحضر التفاصيل الدقيقة للقاء، فتأكدت أن الدكتورة تعاملت معها بكل احترام وتقدير، ورقة وحنان، إلى حين وصولها لمرحلة الفحص بالصدى حيث لاحظت أن الطبيبة في تلك اللحظات غمرها الصمت بعدما كانت تتبادل أطراف الكلام معها، ثم طلبت منها بعد ذلك مغادرة غرفة الفحص والانتظار قليلا!! ، والأسئلة تخامرها:

لماذا يا ترى أقدمت الطبيبة على هذا التصرف الذي لا أعرف مسوّغه؟!

ترى ما الذي لاحظته أو عاينته أثناء فحصها لي بالصدى؟!

هل أنا فعلا حامل، أم أن الأمر غير ذلك؟!

مجموعة من التساؤلات جالت بخاطر السيدة صفاء، وهي تمضي أصعب اللحظات في حياتها، فبعد أن منَّ الله عليها بالحمل الذي لطالما انتظرته، ها هي الآن تتفاجأ من موقف غريب صدر عن طبيبة مختصة في التوليد وأمراض النساء، ورغم أنها لم تتأكد مما اعتراها مما جالت بخاطرها، إلا أنه  -في أغلب الظن- قد الخبر غير سار، في انتظار الزوجة الصابرة المحتسبة.

لكن يقينها في الله، ومعرفتها الخاصة به عز وجل، جعلتها تفوض أمرها له جل في علاه، وتستعيد شجاعتها، فهي ترغب في سماع لخبر اليقين الذي لا يساوره ريب، والذي ما زالت لم تسمعه من الطبيبة، وهذا ما يفسر عدم اتصالها بزوجها هداية الله بعدما ترددت كثيرا في الأمر، إلى أن قررت عدم مكالمته إلا بعد خروجها من العيادة الطبية.

إن كل ما قررته السيدة صفاء خلال هذه اللحظات العصيبة، هو أن تستمرّ في وردها اليومي الخاص بالاستغفار إلى حين المناداة عليها من قبل المساعدة الخاصة، وهذا ما حصل فعلا، حيث إنه تمت المناداة عليها أخيرا، لتلج الغرفة الخاصة بالطبيبة التي طلبت منها التفضل بالجلوس لتشرح لها نتيجة الفحص بالصدى الذي أجرته لها قبل قليل.

في هذه اللحظات كانت أعضاء جسم السيدة صفاء ترتعش من شدة الخوف، كما أن أنفاسها أخذت تتضارب من شدة خفقان القلب. ورغم أن الطبيبة حاولت قدر جهدها أن تهدأ من روع صفاء، إلا أن هذه الأخيرة لم يهدأ لها بال إلا بعدما طمأنتها الطبيبة مخبرة إياها أنها فعلا حامل، لكن هناك مشكلة بسيطة على ما يبدو.

كان الله في عون صفاء، فهي في موقف صعب لا تحسد عليه، ولولا نباهة الدكتورة لأغمي عليها، ومن يدري ما الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور؟

وبعدما شربت رشفة ماء، أنعشتها نسبيا، أخبرتها الطبيبة، بأن الجنين قد تجاوز شهره الثالث، إلا أنه –والأسى ملء الجوانح- تبدو عليه بعض التشوهات التي رصدها الفحص بالصدى، والتي من شأنها أن تؤثر بشكل سلبي على حملها، فضلا عن صحتها.

حاولت السيدة صفاء أن تتماسك، وهي تسمع كلام الطبيبة الذي كان يهوي على رأس المسكينة دون سابق إنذار، كأنه سيل هدّار، لتسأل في صوت خافت وحزين عن مدى وجود حل لما ألمَّ بها وبجنينها.

لكن الطبيبة لم تستطع طمأنتها أكثر مما فعلت، فما كان منها إلا تجيبها قائلة:

أيتها السيدة صفاء، لقد عهدتك تجالدين الخطوب، صابرة على المحن، وإنني لأعرف أن الخبر الذي سمعته قبل قليل ليس بالشيء الهين على امرأة كانت تنتظر سماع خبر حملها لسنوات عديدة، ولكنها حكمة الله وإرادته التي لا نقوى على تغييرها، ولا نجد عنها بديلا، وإني أرى أن الحل الذي تسألين عنه يكمن في إجهاض الجنين لإزالته من بطنك،  وينبغي أن يكون ذلك في أقرب الآجال الممكنة، وطبعا بعد إخبار زوجك، وتوقيعه على محضر موافقة الإجهاض، نظرا لأن الجنين يحمل تشوهات خلقية، وحتى نكون في حماية  قانونية، لأننا نتوفر على تقرير طبي يثبت صحة التشوهات التي يحملها الجنين، وهو يتيح لنا أن نجري العملية حفاظا على صحتك .

ونسأل الله تعالى أن يعوضكما خيرا، لكن قبل ذلك سأعطيك بعض الأدوية التي تدخل في إطار العلاج، بالإضافة إلى بعض الأشعة والتحاليل المخبرية التي يجب عليك القيام بها في غضون الأسبوع القادم، على أن تكون جاهزة قبل القيام بعملية الإجهاض، التي نرجو الله أن تخرجي منها وأنت في صحة وعافية.

وبقلب مطمئن بالإيمان، وبعبارات شكر منهكة، طلبت السيدة صفاء من الطبيبة أن تتصل بزوجها ليأتي إليها، فيأخذها إلى البيت، لأنها لم تعد تقدر على قيادة السيارة.

وما أن تلقى هداية الله، -الذي كان على وشك مغادرة مقر عمله بعدما حضر الاجتماع الطارئ الذي دعاه رئيسه إليه-، مكالمة الطبيبة التي أخبرته أن زوجته بخير، وتنتظره بالعيادة، حتى ركب سيارته وانطلق صوب العيادة على جناح الريح.

وما أن قابل زوجته صفاء، حتى حكت له ما فجع قلبها، ودموعها هطّالة، كما أخبرته أنه بإمكانه مقابلة الطبيبة لتؤكد له أن الحل الوحيد يكمن في إنزال الجنين الذي يوجد في أحشائها بعد موافقته وتوقيعه على المحضر.

أخذ هداية الله زوجته إلى البيت، والعبرات تنزل من مقلتيه، وهو يحاول أن يخفيها على زوجته الطيبة، التي بدت وكأنها قد أيقنت أن الله قدر، وما شاء فعل، وعسى أن يبدلهما جلت قدرته، بمولود اخر ينسيهما فظاعة ما يعيشانه من مدلهّات.

وبعد وصولهما للبيت، سألت صفاء زوجها قائلة له:

منذ وصولك إلى العيادة، وسماعك للخبر، لم تفه بشيء، ولم ترغب في مقابلة الطبيبة من أجل المزيد من التوضيحات بخصوص الموضوع، وحتى الآن لم تفصح عن رأيك أو قرارك فيه، فهلا أطلعتني على ما يجول بخاطرك، حتى أفهم سر صمتك المطبق هذا؟

نظر هداية الله إلى زوجته نظرة استغراب لأنه لم يسمعها قط تخاطبه بلهجة حادة كالتي سمعها الآن، لكن حلمه وأخلاقه العالية جعلته يلتمس لها أعذارا بحكم ما هي فيه من الأسى والضيق، واكتفى بالقول:

سوف تعرفين قراري النهائي في الموضوع، ولكن بعد أن نتوضأ، ونصلي سويا ركعتين لله شكرا.

فما كان من الزوجة الصالحة صفاء، إلا أن نفذت طلب زوجها بالحرف، وأسرعت فتوضأت، وصلّت مع زوجها ركعتي الشكر، ثم انتظرت حتى  فرغ هداية الله من دعائه لتسأله:

أسأل الله أن يتقبل منا جميعا، فقل لي الان، ما هو قرارك في الموضوع، وما الذي عزمت على فعله؟

فرد هداية الله، بكلمات تفصح عن ثقته المطلقة بالله تعالى:

والله يا زوجتي الطيبة إن قراري حاسم، ولا رجعة فيه، مهما كلفنا ذلك.

فردت الزوجة وعلامات الحيرة بادية على محياها:  لقد ازداد شوقي لمعرفة ما اتخذته من قرار حاسم طالما انتظرت سماعه منك، فأفصح لي عنه، فقال الزوج بصوت هادئ:

إنني أرى أن نترك الأمور على النحو الذي عليه، وأن نصبر ونحتسب عند الله تعالى، أليس هو الذي أعطانا، وهو القادر على أن يسلب منا ما أعطانا، وفي أي لحظة شاء ذلك؟

والله لقد أخذت على عاتقي منذ أن مَنَّ الله علينا بخبر حملك، بعدما داومنا على الاستغفار جميعا، وبعدما أصبحنا نداوم على ذلك، ألا أبرح هذا الذكر، فهو وردنا اليومي الذي فتح الله لنا به مجموعة من الأبواب كانت مغلقة!!

فقالت الزوجة صفاء، وعلامات الحيرة بادية عليها: ولكن ألا تظن أننا بذلك نعرض حياة الجنين إلى خطر حتمي كما صرحت الطبيبة بذلك؟

كان رد الأستاذ هداية الله هذه المرة حاسما، حيث قال:

والله ما هذه الطبيبة أعلم بما عند الله من الحكم التي يجريها على خلقه، وإنني أؤمن بالمنطق العلمي، وبالعلوم الحقة جميعها، لكنني فوق هذا وذاك، أؤمن حتى النخاع بأن الله على كل شيء قدير.

ثم ما أدراك أن الله عز وجل يريد أن يختبر صدق إيماننا في هذا الموقف الحاسم، الذي أقدر صعوبته، وخطورته؟

إن قدرة الله فوق ما يمكن أن تدركه العقول البشرية، فأمره بين الكاف والنون، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون؛ وإنني أرى بأن نلزم الاستغفار الذي هو مفتاحٌ وهبه الله لنا؛ أو ما قرأت قوله عز وجل ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا،  ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين﴾  (سورة هود: 52).

والمقصود بالقوة هنا الرزق الوفير، بالمال والولد، ناهيك عن أنه يجب أن يكون يقيننا دوما في الله العلي القدير.

لم تتمالك الزوجة صفاء نفسها فأجهشت بالبكاء، واقتربت من زوجها بلطف، وهي تعده بألا تخالفه مهما كلفها ذلك، فهي لا تشك في قدرة الله عز وجل في تغيير الأمور في أي لحظة، كما أنها الآن أصبحت على استعداد بأن تقوم برعاية المولود الذي سيزداد معاقا منذ ولادته، عسى الله أن يكفر عنها بعضا من ذنوبها، بهذا العمل الذي سوف تحتسبه لوجهه الكريم.

لقد مر الآن ما يقارب تسعة أشهر على هذا الوضع، حيث إن الزوجة صفاء ظلت وفية بوعدها، غير آبهة بنصائح وتحذيرات الطبيبة المختصة، ولم تخضع لعملية الإجهاض التي أوصتها بها الطبيبة المعالجة، بل لقد نفذت طلب زوجها هداية الله، الذي وجدت فيه البلسم الشافي لجميع أحزانها وهمومها.

وقد أوفى الزوجان بعهدهما في كثرة الاستغفار للواهب الغفار، مع شدة التعلق به جل في علاه، وإخلاص النية والعبودية له وحده دون سواه.

وكم كان استغراب الطبية المولدة التي كانت حاضرة إلى جانب الطاقم الطبي أثناء عملية توليد السيدة صفاء، التي حان موعد وضعها في يوم مطير، وكانت على علم بأدق تفاصيل وحيثيات الجانب الشخصي من حياة صديقتها صفاء، ولك أن تتخيل مفاجئة الطبيبة وهي تعاين ولادة أجمل مولود وقعت عينها عليه، بعد تجربة مهنية ناهزت عقدا من الزمن، فلقد أنعم الله جلت قدرته على صفاء بمولود ذكر، تميز بصفات الحسن والكمال.

لكن أين يا ترى نتائج الفحص بالصدى؟ أين صور الجنين الذي كان مشوها؟ أين هي نصائح الطبيبة بإجراء عملية الإجهاض في أقرب الأوقات؟؟!!

لقد ذاب ذلك بكثرة الاستغفار، كما يذوب الجليد تحت لفح الهجير معلنا انصهاره إلى ماء؛ فالكرامات التي يحققها الاستغفار كثيرة، ولا يمكن عدها أو إحصاؤها، لأنها باقية في الزمان والمكان، وملازمة لكل إنسان فوّض أمره إلى الله، واستغفره وتاب وآب إليه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.