أبناء غزة وجهاد الإغاظة |سلسلة خطبة الجمعة
أبناء غزة وجهاد الإغاظة |سلسلة خطبة الجمعة/ الأستاذ بن سالم باهشام
أبناء غزة وجهاد الإغاظة |سلسلة خطبة الجمعة
الأستاذ بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عباد الله، في إطار سنة التدافع بين أهل الحق والباطل، والتي قال تعالى فيها في سورة البقرة: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251]، وقال سبحانه في سورة الحج: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز) [الحج: 40]، يتطلب الواجب الجهادي، ولوج كل أبواب الجهاد، منها: جهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد التعليم، وجهاد التعبئة والبناء، وجهاد النموذج الناجح، والجهاد السياسي، وجهاد الكفر، وجهاد التوحيد…
واستعمال كل الوسائل الجهادية الحسية والمعنوية المتاحة ضد الكفار والمنافقين، ومن هذه الوسائل؛ إغاظة الكفار والمنافقين، والتي تعتبر عبادة من العبادات يؤجر صاحبها، ولها تأثير بليغ وفعال في نفوس الأعداء، وفي السنة النبوية الشريفة نماذج عديدة من هذه العبادة، والتي هي إسخاط الكفار والمنافقين وإغضابهم أشد الغضب، وسنقتصر على بعض منها:
أولا: الهجرة من مكة إلى المدينة
فهجرة المسلمين عموما، وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا؛ من مكة إلى المدينة، كان فيها مغايظة للكفار، الذين حاولوا منعها بشتى السبل؛ لأنهم لا يريدون أن يخرج عدوهم الذي يراغمهم من مكة؛ ليصبح حراً طليقاً، يدعو إلى دينه، ويعمل ما يشاء، بل يريدونه تحت القهر والإذلال في مكة، فكان من فوائد الهجرة؛ المراغمة لأعداء الله، قال تعالى في سورة النساء: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) [النساء: 100].
ثانيا: الجمل “الهدي”، في عمرة الحديبية.
لما خرج النبي ﷺ إلى عمرة الحديبية في شهر ذي القَعدة من العام السادس للهجرة
في جيش المسلمين، وساق معه هدياً، – ومن السنة الهدي في العمرة أيضاً، وليس فقط في الحج -، كان من جملة هدي النبي ﷺ جمل، فما هي قصة هذا الجمل؟ ولمن كان الجمل؟ ولماذا خرج عليه الصلاة والسلام بهذا الجمل ضمن هديه؟ وما علاقة الجمل بجهاد إغاظة المشركين؟
روى أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب في الهدي، بسند حسن، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بُرَةُ فِضَّةٍ قَالَ ابْنُ مِنْهَالٍ: بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ زَادَ النُّفَيْلِيُّ يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ ). [سنن أبي داود ، كتاب المناسك باب في الهدي (حديث رقم: 1749 )]، والبُرَة: حلقة تجعل في أنف البعير، وقوله: “يغيظ بذلك المشركين“: معناه أن هذا الجمل كان معروفا بأبي جهل، فحازه النبي – صلى الله عليه وسلم – في سلبه، فكان يغيظهم أن يروه في يده، وصاحبه قتيل سليب. قال ابن القيم رحمه الله في فوائد هذه الغزوة العظيمة: (ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي ﷺ أهدى في جملة هديه جملاً في أنفه بُرة من فضة يغيط به المشركين.)
ثالثا: ثبات بلال رضي الله عنه على الحق
كان بلال رضي الله عنه يغيظ الكفار بثباته على الحق، ويقول تلك الكلمة التي كانت ترفع ضغط أمية بن خلف، وتجلب العصبية الشديدة لأبي جهل، والتي هي: “أحد أحد”، كان لا يكتفي بإعلان الإيمان، أو بمجرَّد رفض مساوماتهم، إنما كان يتعمَّد إغاظة الكافرين وإحراجهم، فعند ابن عساكر والذهبي رحمهما الله (أن المشركين كانوا يأخذونه فيضجعونه في الشمس، ثم يأخذون الحجر فيضعونه على بطنه ويعصرونه، ويقولون: دينك اللات والعزى. فيقول: ربي الله. ويقول: أحدٌ أحدٌ. فقال: وأيم الله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتُها) [ابن عساكر: تاريخ دمشق 10/441، 442، والذهبي: سير أعلام النبلاء، 1/352.].
رابعا: الاختيال والتكبر عند القتال
إن مشية الصحابي الجليل أبو دجانة رضي الله عنه وهو يتبختر، بمشيته وبثوبه أمام الكفار لإغاظتهم، هي من صميم الدين، ويحبها الله تعالى رب العالمين. فالتكبر في الإسلام محرم؛ ومن الكبائر، ومشية الخيلاء يجلجل الله صاحبها في النار يوم القيامة، ويمكن أن يخسف به الأرض، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لكن روى أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب، عن جابر بن عتيك رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (… وإن من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله، فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي)، [رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب (حديث رقم: 2659 )]، فالاختيال والتكبر المحمود بأن يمشي المؤمن المجاهد مشية المتكبرين عند التقاء الصفين، وإذا توجه الجيشان في المعركة، فإن قيام المسلمين بالتبختر أمام الكفار، ومشيهم مشية الكبر أمامهم، والدخول في المعركة بالنشاط والقوة، وإظهار الجلادة والتبختر، والاستهانة والاستخفاف بالأعداء لإدخال الروع في قلوبهم، وتخويفهم، عبادة، ويحبها الله في هذا الموضع.
خامسا: فتح المعركة الإعلامية على الكفار بلسان حسان رضي الله عنه
لماذا اشتغل حسان بن ثابت رضي الله عنه بهجو الكفار؟ ولماذا قُدم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا سعى النبي ﷺ لفتح المعركة الإعلامية على الكفار بلسان حسان بن ثابت رضي الله عنه؟ ولماذا طلب من الشعراء من الصحابة رضي الله عنهم أن يتكلموا؟ إن في كل هذا جهاد إغاظة الكفار والمنافقين، روى مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل حسان بن ثابت، رضي الله عنه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ)، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنه: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِحَسَّانٍ: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ). قَالَتْ: (وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ” هَجَاهُمْ حَسَّانٌ فَشَفَى وَاسْتَشْفَى)،[ رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل حسان بن ثابت، رضي الله عنه (حديث رقم: 6395 )].
بناء على ما ذكر من نصوص شرعية من السنة وفعل الصحابة رضي الله عنهم، يتبين لنا مدى أهمية جهاد إغاظة الكفار والمنافقين، في إطار تدافع أهل الحق مع أهل الباطل، والتي تتخذ صورا متعددة في عصرنا الحالي ونحن في صراع مستمر مع أعداء الدين سواء الكفار منهم أو المنافقين من بني جلدتنا، فلا نستهين بهذه العبادة والتي تعتبر جهادا، وعملا صالحا، ومن أعمال المحسنين المجاهدين، وتقتضيها الظروف الراهنة أكثر من غيرها، فما علينا إلا أن نعظم النية، ونبتكر الطرق المتعددة للإغاظة، من هذه المواقف المغيظة للكفار والمنافقين:
*الوقفات التي يقفها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها مساندة للشعب الفلسطيني ومدعمة له، والمسيرات التي يقومون بها في الكثير من البلدان المغربية، وفي سائر بلدان العالم، نصرة لإخوتنا الفلسطينيين، ونصرة لكل المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، فهي إغاظة للكفار والمنافقين، وكلما ارتفع عددها إلا وازداد مددها، روى الطبراني في “الأوسط” بإسناده حسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته) [أخرجه الطبراني في “الأوسط” (8642)، وقال الهيثمي في “المجمع” 7/ 267: رواه الطبراني في “الأوسط” وإسناده حسن.]
* ومن صور الإغاظة رفع عدد المشاهدات للمواقف الإسلامية المشرفة التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فهي إغاظة للكفار والمنافقين كذلك.
* توسعة نشر الفديوهات التي يستقبل بها الفلسطينيون موت أحبابهم وأقاربهم على أوسع نطاق، فحالة تلك المرأة الفلسطينية التي يزف إليها خبر استشهاد ابنها الشاب، فتزغرد بدل الصراخ والعويل، والندب وشق الجيوب، إغاظة للكفار والمنافقين، وهي أكثر وقعا في نفوس الأعداء من طلقات الرصاص، لأنها تعبر عن شعب لا يهاب الموت، بل يحرص عليها كما يحرصون هم على الحياة، ومشهد تبسم تلك الفتاة الشابة الفلسطينية، والجنود اليهود يضعون القيد في يدها، إغاظة للكفار والمنافقين، يزعزع كيان الشباب عندهم، ويقذف في قلوهم الرعب والهلع.
* وحفلات الزواج الجماعي التي تقام في غزة، وسائر بلدان فلسطين، وحفلات الخاتمين والخاتمات لكتاب الله، كلها تغيظ الصهانية والمنافقين من بني جلدتنا.
* بل حتى محافظة المؤمنين على الصلوات الخمس في الجماعة والجمعة، وقد أخذوا زينتهم عند كل مسجد، إغاظة للكفار والمنافقين.
* واكتظاظ المساجد وساحاتها بالمصلين في صلاة التراويح في رمضان، واكتظاظ الساحات في صلاتي عيد الفطر والأضحى، كلها فيها إغاظة للكفار والمنافقين….
هذه بعض الصور لعبادة “إغاظة الكفار والمنافقين”، فما على المسلمين والمسلمات في غزة وفلسطين خصوصا، وفي العالم كله عموما إلا أن يبدعوا وينوعوا في صور وأشكال عبادة إغاظة الكفار والمنافقين، فهي باب من أبواب الجهاد، ونوع من أنواع تدافع أهل الحق مع أهل الباطل. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.