المعلقة الفلسطينية: صرخة الأرض والذاكرة (قصيدة)
المعلقة الفلسطينية: صرخة الأرض والذاكرة (قصيدة)/ابو علي الصبيح
المعلقة الفلسطينية: صرخة الأرض والذاكرة (قصيدة)
ابو علي الصبيح
**
قِفي نَسألِ الدُّنيا عَنِ العِزِّ وَالقِمَمِ * وَنَذكُرْ فِلَسطينَ الكَرامَةَ في الكَلِمِ
بِلادٌ كَساها اللهُ زَيتًا وَزَعتَرًا * وَأَجرى بِها نَبعَ الحَياةِ لِكُلِّ فَمِ
وَالأَقصى يُنادينا بِصَوتٍ مُقَدَّسٍ * كَأَنَّهُ الفَجرُ المُضيءُ عَلى الأُمَمِ
فَمِنهُ عُرِجَ المُصطفى في مَهابَةٍ * وَأَمَّ الأَنبِياءَ بِنُورِهِ المُتَقَدِّمِ
نَسيرُ إِلى نَابُلسَ جَبلِ النّارِ إِنَّهُ * حِصنُ الكِفاحِ وَمَرفَأُ المَجدِ وَالعِلمِ
وَيا كَرمَلًا شامِخًا بِشُموخِنا * تُعانِقُ سُحبَ العَزِّ في مَوطِنِ الحُلُمِ
وَكُفرُ مَندا أَرضُ عِزٍّ وَمَكرُمَةٍ * تَفيضُ بِحُبٍّ في الفُؤادِ وَفي الدَّمِ
وَفي اجزِمٍ تُزهُو الحُقولُ كَأَنَّها * فُسَيفِساءُ العِزِّ في بَيتِ مَغرَمِ
وَفي الفَرديسِ جَنَّةُ البَحرِ رَونَقٌ * تُنادِي رِحابَ المَجدِ في صَوتِ نَغَمِ
وَفي الصَّبيحِ أُصولُ قَومٍ كِرامَةٍ * تُعانِقُ أَحلامَ الفُؤادِ المُتَيَّمِ
وَآلُ السَّواعِدِ سَندُ حَربٍ وَمَكرُمٍ * يُذَكِّرُنا مَجدًا بَعيدًا وَمُلهِمِ
وَآلُ النَّجيداتِ الثِّقاتُ عَزيمَةً * تُثَبِّتُ أَركانَ الفِداءِ وَمَغنَمِ
وَنَسلُ نَعيمٍ أَصلُهُ في المَكارِمِ * عَريقٌ كَأَرضٍ لا تُبَاعُ وَلا تُقسَمِ
وَفي الحُجيراتِ مَجدُ قَومٍ أَبِيَّةٍ * تُقاوِمُ أَيّامَ الشِّتاءِ وَمَوسِمِ
وَفي حُوراني يَنبُعُ العِزُّ كامِلًا * كَنَجمٍ يُضيءُ في الفَضاءِ وَفي الظُّلَمِ
وَأَبو خيطٍ في العُلا ذِكرُ باسِلٍ * تَسامى كَسَيفٍ في يَدِ الفارِسِ الحُسَامِ
وَعَكّا صُدورُ البَحرِ في صَبرِها بَدَت * تُقاوِمُ في وَجهِ الرَّدى كَالبُرابِمِ
وَحَيفا رُبى المجدِ الشَّموخُ جِبالُها * تُنادِي فَتُصغي لَها كُلُّ أُمَمِ
وَيافا تُهيمُ النَّفسُ في شَمسِ ساحِلٍ * وَفي لَيمونِها حُلوُ المَذاقِ كَمُنغَمِ
وَطَبرِيَّةُ الغَنّاءُ بَحرٌ تَفَجَّرَت * عُيونٌ كَأَنَّ النُّورَ في صَفحَةِ العِلمِ
وَفي جِنينٍ صَوتُ موسى مُجلجِلٌ * يُدوّي كَأَنَّ البَرقَ يَسطَعُ في الظُّلَمِ
إِذا ما تَغنّى فَالمَجالِسُ هَزَّها * صَدىً يُعانِقُ في القُلوبِ وَفي الفَمِ
غَنى فَأَزهَرَ زَيتُونُ الأَرضِ وَاِرتَوَت * بِأَوتارِ لَحنٍ صادِحٍ غَيرُ مُنهَزِمِ
فَفي صَوتِهِ يَجري حَنينُ جِبالِنا * وَتَرقُصُ أَودِيةٌ كَأَنَّ صَداها نَغَمِ
وَزَيتونُنا المَغرُوسُ يَشهَدُ أَنَّنا * صُمودٌ كَجِذرٍ في الوُجودِ مُعَظَّمِ
وَزَعتَرُنا العَطرُ الأَصيلُ كَأَنَّهُ * نَفَحاتُ رَوحٍ في القُلوبِ وَفي الفَمِ
وَصَوتُ جَدَّتِي دُعاءٌ مُبارَكٌ * يُساقِطُ أَدمُعَها كَغَيثٍ مُنَعَّمِ
وَصَوتُ جَدِّي في الصَّباحِ صَلابَةٌ * يُذكِّرُنا أَنَّ الحَياةَ بِمُحكَمِ
وَأَبي يَقولُ الرُّجولَةُ عِزَّةٌ * تَقَدُّمُ حُرٍّ نَحوَ مَجدِ التَّكَرُّمِ
إِذا جاءَ نِداءُ الجِهادِ تَسارَعوا * إِلى الشَّهداءِ الطُّهرِ أَوفى مِنَ القِسَمِ
هُنا غَزَّةُ الأَبطالِ صَخرٌ تَحَطَّمَت * عَلَيهِ جُيوشُ البَغيِ في كُلِّ مَأزِمِ
وَخَان يُونِسٍ الغَالي وَصَوتُ رِجالِهِ * كَرَعدٍ يُدوّي في جِبالٍ وَمَحطِمِ
وَرامَ اللهُ البَيضاءُ مَجدٌ يُشِعُّنا * وَفيها شَبابٌ لا يَلينُ لِمُجرِمِ
وَبيْتُ لَحمٍ أَرضُ ميلادِ مُرسَلٍ * نَبِيٍّ أَضاءَ اللهُ مِن نُورهِ الأُمَمِ
وَالخَليلُ دارُ الصَّبرِ مَأوى خَليلِنا * إِبراهيمُ صَوتُ الحَقِّ في كُلِّ مُعجِمِ
وَيا قَلقِيلَةُ الزَّيتونُ فيكِ مُبارَكٌ * وَفيكَ الكُرومُ تَفيضُ عِطرًا وَمُنَعَّمِ
وَيا طولَكَرْمٍ يا رُبى العِزِّ شامِخًا * صُعودُ الفِدا فيكِ وَمَوعِدُ مَغرَمِ
وَيا بيسانُ العَذبَةُ المَجدُ في ثَرا * كَأَنَّكِ بَيتُ الشِّعرِ في مَجمَعِ الحِكَمِ
هُنا جَنينُ العِزِّ تُذكَرُ في العُلا * كَسَيفٍ يَشُقُّ الغَيمَ في يَدِ مُقدِمِ
وَيا صَفَدًا شَمسُ الحَضارَةِ في الدُّنا * تُنادِي فَتُصغي لَها أَصواتُ أُمَمِ
وَيا بَئرَ سَبعٍ عِزُّ صَحرائِنا وَقَد * حَفِظتِ الوَفاءَ لِكُلِّ بَطلٍ مُعَظَّمِ
وَيا رَفَحًا أَرضُ الصُّمودِ وَعِزَّةٍ * مَقامُ الكِرامِ وَمَوعِدُ الفَجرِ المُكرَمِ
وَأَجزِمُ البَلَدُ العَريقُ وَأَهلُها * هُمُ المُهجَّرُ عن ديارٍ وَمُنعَمِ
يَعيشونَ في الذِّكرى وَيبكونَ دارَهُم * فَصاروا حَكايا في الكِتابِ المُترَسِمِ
وَالفَريديسُ جَنَّةُ البَحرِ إِنَّها * تُناجي المَدى وَالنَّخلُ يُزهِرُ كَالعَلَمِ
مَرابِعُها تُهدي النُّجومَ مَحَبَّةً * وَمَوجُها يَغنّي لِلرِّجالِ وَلِلقِيَمِ
وَالأَرضُ أَرضُ الزَّيتِ وَالزَّعتَرِ الَّذي * يُعطِّرُ أَجواءَ البِلادِ كَما النَّسَمِ
وَصَوتُ جَدّي في المَساءِ حَكايةٌ * تُعيدُ لَنا صَبرَ الأُوَلى وَعَظيمَهُمِ
وَجَدّتي في الفَجرِ تُرتِّلُ أَغنِي * كَأَنَّ صَداها في المَسامِعِ كَالعَلَمِ
وَقالَ أَبي: الرُّجُولَةُ مَسلَكٌ * إِلى الشَّهادَةِ لا لِعَيشٍ مُتَّسِمِ
فَمَن رامَ عِزًّا في الحَياةِ فَإِنَّهُ * بِدَربِ الفِدا يَلقى الكَرامَةَ في الدِّمِ
هُنالِكَ يَعلو رايةً حُرَّةً * وَيَكتُبُ أَمجَادًا لِأُمَّتِنا القُدُمِ
—