أصل العنف المجتمعي.. الفطرة أم التسلّط؟
أصل العنف المجتمعي.. الفطرة أم التسلّط؟/حسن الإلياسي
أصل العنف المجتمعي.. الفطرة أم التسلّط؟
بقلم: حسن الإلياسي
إنّ عنف الأفراد ضدّ أفراد آخرين، كيفما كان شكل ذلك العنف، ليس شيئا غريبا. لكنّ الذي نجهله بهذا الشأن هو العامل المؤدي لنتوج الظاهرة: هل الفطرة أم التسلّط(الاستبداد)؟ هل الشخص في حد ذاته يميل إلى القوّة كونه فردا أيضا؟ أم أنّ الظرف السياسي برقعة ما كفيل بتغيير جماعة بشرية من جوهرها الأخلاقي إلى القوة بارتداداته الاقتصادية والاجتماعية؟
يرى الفيلسوف السويسري- الفرنسي، جون جاك روسو(Jean-Jacques Rousseau)1778-1712م، أنّ الإنسان بطبعه كائن أخلاقيّ، له ملكة التمييز بين الشرّ والخير، ما يؤهله لفعل الحسَن من الأشياء ومجانبة السيّء منها. أو بعبارة أخرى، فالإنسان ليس عنيفا من حيث الفطرة التي يفطَر عليها.
هذا التصوّر الفكريّ لا يعارض الواقع الملموس، فالفعل الأخلاقيّ عند الإنسان حاضر دون أن تكون هناك ظروف معينة أنتجته..
إنّ هذا الشيء الذي سنفعّل به ممارستنا الأخلاقية مع غيرنا هو أنْ تبعثنا حاله على الإحساس بشعور نشرك أنفسنا من خلاله فيما هو عليه وجدانيا، فنندفع صوبه دون تفكير.
إنّنا نعني نوعا من الإحساس لا جميع الأنواع.ذلك الإحساس الذي نظهر به في أوضح تجلّ وأسماه لإنسانيّتنا.أقصد مشاعر العطف، و الشفقة، و الألم لأجل الآخر…هذه المشاعر جميعها تنتج أفعالا حسنة، تتحرر من الظرفية والنفعية، وحتى من الدافع العقلي، فهذا الخير في غنى عن تدخّل العقل تصرّفا و إنتاجا.
هذه المشاعر هي أسمى ما في الإنسان.الكائن المتعدّد.إنها لا تدخل ضمن جملة الأحاسيس التي تقف عند حدود الذات الواحدة.تلك التي لا تعدّ إلا انعكاسا مرآويا يبدأ من الداخل وينتهي فيه دون أن يفيد الغير.الشريك الوجودي.في شيء.
يجعلنا هذا الأمر نقول أنّ الآخر موجود فينا، وفي نفس الوقت بعيد عنّا.بعيد عنّا بروحه وجسده وفكره.بجميع كينونته.وموجود فينا كواجب من واجباتنا الحياتية.يلازمنا دائما.إلّا أنّه أوجب هذه الواجبات.
معنى إنسانيّتنا حقيقته لا تكمن في شيء من خصائصنا الطبيعية، ولا حتى الفكرية.ذلك أنّ الإنسانية ليست تقوقعا وانغلاقا.إنما هي أن تنشأ القناعة بأنّ الجميع للجميع مع إقصاء نزعة الأنانية.
لو أنّ شخصا ما غرِق في البحر لبادر الغرباء من بعيد أو قريب لينقذوه.في هذه اللحظة لا قيمة للوشائج الاجتماعية.فالكلّ مبتغاه ذاك الهدف النبيل(إنقاذ الغريق).وإنّ ذات الفعل سيقع لو ألفينا شخصا آخر على مقربة من الموت، أو السقوط من أعلى جبل ما، وما إلى ذلك.
الواقع أنّ الجميع لديه القناعة بمبدأ الجميع للجميع.ولكن لا يعمل به إلا في نطاق جدّ ضيق وفي أدقّ الظروف، و أسمى تجلّيات الإنسانيّة..
الأمر يعود إلى طبيعة التركيبة النفسية التي يؤسّس لها الواقع الاجتماعي.
إذن، فالأخلاق على فطرتيها تتماشى مع الضرورات الظرفيّة للغير عبر وسيط العاطفة.
ثمّ إنّ الطرح السابق، ولو ضمنيا، ينفي العنف عن الفطرة لكونها مجالا للخير الطبيعي.و هذا ليس في محلّه، فكما للأخلاق وجود في الفطرة، وإن كانت أخلاقا ضرورية ظرفية كما أسلفت، هناك جانب من العنف لصيق بغريزة الإنسان منذ أوّل حياته.لكنّ دوره الدفاع لا الهجوم.
هذا الشكل من العنف نتيجة لردة فعل تأتي على شاكلة شعور خالص، هو الغضَب باعتباره جزءا قارّا في النظام النفسي الإنسانيّ، ولكونه أيضا الشعور الوحيد الدافع نحو القوة.
الإنسان في هذه الحالة فقط، له الحقّ في اللجوء إلى العنف لدفع ما يمكن دفعه من الأذى الخارجيّ صونا لقيمته.
إنّ الغضَب هو الحدّ الأدنى من دوافع القوة عامة.ما يمنع وقوع ضرر كبير على غرار عوامل أشدّ تأثيرا.وإنّ فعله مشروع لأنّه مسبوق بعنف لا مشروع.
وفقا لطرح جون جاك روسو(Jean-Jacques Rousseau) لا يمكننا أن نعزوَ أصل العنف المجتمعي إلى الفطرة لأنها تدعو للأخلاق الضرورية، و إلى جانب من القوة الدفاعية المتفهّمة كذلك.وعليه، فإن الإنسان، في طرحنا النسبيّ، ليس عنيفا كما يسمح فضاء الممارسة، ولا أخلاقيا بقدر ما يجب.وههنا، نعود لتكرار السؤال السالف: هل التسلّط هو أصل العنف المجتمعي؟
من الصواب القول بأَنَّ لكلّ فعل ردة فعل.و مؤسسة الدولة ليست في منأى عن هذا القانون الكوني.فإمّا أن تؤدي واجباتها تجاه المجتمع بكامله فيكون الارتداد إيجابيا، أو تستبدّ و تتحوّل إلى آلة أمنية للظلم والاعتداء فيقعَ الأمر المضادّ.
إنّنا أمام نموذجين لا ثالث لهما للدولة على الصعيد الإداري العامّ، يحقّ لنا أن نقارن بينهما التماسا للأبعاد المجتمعيّة.وهما:
1 – دولة السلطة(État Juste)
2 – دولة التسلّط(État Injuste )
فالأولى مبدؤها العدل الذي يتلخّص فيما يلي:
أ – ضمان الحقوق والحريّات دون تمييز(المساواة/العدالة الاجتماعية).
ب – تمكين المجموع من اختيار الحاكم أو تنحيته(السلطة الشعبية).
ج – علوية القانون على مؤسسة الحكم و جميع المحكومين(نزاهة القضاء واستقلاليته).
د – رفع القداسة عن الحاكم(مدنية السلطة التنفيذية).
ذ – السماح بالرأي المعارض دون حيلولة(حرية التعبير).
خ – علاقة الدولة بالمجتمع منفعية خدماتية.
أمّأ الثانية فنقيض للأولى، تماما، إذ تتأسس على مبدأ الظلم الذي يظهر فيما يأتي:
أ – تغييب الحقوق والحريات.
ب – علوية مؤسسة الحكم على القانون(فساد القضاء).
ج – قداسة الحاكم.
د – الذهنية الأمنية(الرقابة).
ذ – قبول الرأي الواحد(قمع حرية التعبير).
خ – تضارب الدولة و المجتمع.
كما هنالك تناقض على المستوى التأسيسي للدولتين، فالارتدادات أو الآثار على المجتمع المرؤوس تتضادّ فيما بينها.و نختزلها فيما يأتي:
1- دولة السلطة:
أ – رخاء معيشي.
ب – سيادة الوعي.
ج – طبقية وظيفية.
د – سلم مستديم.
2- دولة التسلّط:
أ – استفحال الفقر.
ب – علوية المطالب الحياتية على مطلب الوعي(التعليم الجيّد).
ج – طبقية ماديّة حادّة(تجريد الإنسان من قيمته كإنسان).
د – قابلية دائمة للتوترات(مظاهرات/ثورَات/أعمال عنف).
الأهم في هذه الارتدادات المجتمعية هو مستوى العنف: أتغذّيهِ أم لا؟
لاريبَ في أنّ تعاطي الدولة مع إدارة الشؤون العامّة لإقليم معين يؤثر في أفراده لا من الناحية المادية فحسب، وإنما حتى من الناحية النفسية التي هي وليدة لسابقتها.فإمّا أن يكون نافعا لمحيطه، أو عكس ذلك.
تدبير الدولة العادلة للشأن المجتمعي يحيل، بشكل واضح، على ثلاثة أمور أساسية:
- أولا: المعرفة مطلب ضروري.
- ثانيا: الإنسان كائن حرّ.
- ثالثا: الإنسان كائن مادّي(طبيعي).
بالمجمل، للإنسان قيمة فردية وجودية معترَف بها تمثّلها، مجتمعة، الأسس الثلاثة السابقة الذكر.و إذا كان كلّ هذا لدى المرء فالمفروض ألا نجد شكلا من أشكال العنف لأنّ التبرير لن يكون موجودا فلا هو محروم من الغِذاء أو العمَل، أو الحرية، ولا هو مسلوب الوعي باستغباء رسميّ أو بانعدام المستوى المطلوب من جودة التعليم.كلّ مطالبه الجوهرية بين يديه، و كلّ دوافع القوة منتفية في المقابل.
فيما الدولة المتسلّطة، فالإنسان من منظورها السياسي ليس أقلّ من كائن طبيعي يكفيه الغذاء فقط، وإن تعلّق الأمر بما دون ذلك من الحرية والوعي فالمصادرة هي التعاطي الوحيد الممكن بهذا الشأن.
الخطَر في هذا التصوّر هو ما تقيمه من المساواة، غير المباشرة، بين الإنسان و الحيوان عبر توسيع دائرة الفقر، في مقابل تضييق دائرة الوعي المتمخّض عن تعليم جيّد يستجيب للمتطلّبات المعرفية والفكرية الضرورية لبناء شخصية إنسانية حقيقية متوازنة، فيغدو الهمّ الأكبر هو تلبية المطالب الطبيعية الملحّة.
لعلّ الفقر هو جوهر قضية العنف المجتمعي، و أظنّ أن أمر القوة يجري في تسلسل من الأطوار على مدى طويل من الزمن، بدءا بطور يترجم تفقير الدولة ضد آخرين من نفس المستوى والمجتمع إلى قوة، ومرورا بطور ثان يتبنى العنف عمليّا على أساس تربوي..إلى طور ثالث لا يختلف عنه في وراثة التصوّر و تفعيله.وهكذا، دواليكَ.
الفقر خصاص في مقوّمات البقاء، وحاجة مستمرة إلى تلبيتها.حاجة لا بدّ فيها من مشاقَّ.أو لنقل أنّ الفقر عبارة عن عنف لامادّي نافذ يتبَعه عنف بينيّ يتدرّج شيئا فشيئا متقلّبا بين أوجه عدة مثل الكلمة، والجريمة.
فالكلمة _ كواحدة من هاته الأوجه _ هي أقوى آلية لتعنيف الآخرين، لأنّ وقعها أشدّ من جميع الأصناف الأخرى الجسديّة.ولأنّ هذا الوقع لا يلحق الأذى الجانبيّ بالبدَن، وإنّما بما هو أهمّ، أي النفس.
إنّ الكلمة تقتل القوة الداخلية للنفس، وهي قدرتها الخاصّة على السير قدُما نحو آفاقها المستقبلية والنجاح في تحقيقها، و العيش بشكل سليم على المستوى النفسي والاجتماعي، و إفادة العموم من خلال أفعال خيّرة و مواطِنة.و قد يصل مستوى الكلمة بالنفس إلى حافّة الانتحار المباشر إنهاء للألم، أو ولادة ميل إلى استعمال القوة المضادّة على الأقلّ.
والجريمة على تعدّد مظاهرها هي ثورة معاكسة على الآلام الحياتية، يستهدف فيها الأبرياء لا الجناة الحقيقيون في الغالب(وأحيانا هي ثورة على الآخر).
من المسلّم به أنّ الإنسان لا يولد مجرما ولا ذا جاهزية لذلك في المستقبل.يولد كائنا مجرّدا يحتك بمحيط متضمّن لكلّ العوامل لإنتاج فعل الإجرام لاحقا أهمّها الإلغاء والتدمير وأسلوب التربية، والفكرة.
هاته الدواعي الأربعة يمكن التفصيل يها على النحو التالي:
أ – أسلوب التربية:
أسلوب التربية يتعلّق بالبيئتين الصغيرة والكبيرة(الأسرة والمجتمع) حيث لا وجه للحياة إلا المشقّة والبؤس والتهميش.أسلوب هذه التربية لا يعتمد التلقين الشفهيّ لإنجاح هدفه كما الأمر فيما هو ديني وثقافي و أخلاقي.التلقين هنا يؤديه الواقع المعيش بنفسه عاكسا دلالته الرمزية في النفس التي لا تزال قالبا طيّعا، لا صياغة له.
الدلالة الرمزية لهذا الواقع هي الإقصاء من الكرامة المعيشية التي يحظى بها آخرون من الطبقتين الأرستقراطية(الغنية) و المتوسّطة.بهذا تنفتح الأبواب لممارسة الجريمة لهدفين أساسيّين هما: توفير لقمة العيش، و الانتقام للذات من الإنكار.
ب – الإلغاء:
الإلغاء _ كعلة من العِلل المذكورة _ لا يرتبط إطلاقا بالمستوى المعيشي، إذ أنّ كل طرف من الطبقات الاجتماعية الثلاث قد يتعرّض له.لأنه انتقاص للفرد بل تجريد له من كلّ معنى.
تراكم الإلغاء على مدى طويل من الزمن، يفرز أمرين اثنين هما: الانهزامية، و العدوانية حيال الجميع.أما الانهزامية فتمتنع بها محبّة الآخر و السعي إلى تحقيق الخير له ليغدو بكل تجلياته و مهما بلغت مكانة التجلي في الحياة عدوّا موسوما بالقسوة والفظاظة، مهمته قتل الفرد قتلا بطيئا.و مع إبعاد هذا الاعتبار العلائقيّ و في ظلّ وجود مبرّر، تنغرز العدوانية ضدّ الآخرين متيحة الفرصة للفعل الانتقامي.
ج – التدمير:
أظن أنّ تدمير الأفراد داخليا لإعدادهم من جديد كعنيفين لا يتطلّب وقتا طويلا.و تكفي بعض الآليات الخارجية السريعة الأداء، العميقة المفعول لتأدية هذا التحوّل النفسي من قبيل الصدمة، و الكلمة، و الموقف.
د – الفِكرة:
بعيدا عن توظيف الأدوات النفسية في إنتاج العنف(الجريمة)، تستطيع الفكرة أن تقوم بذات الدور و ربما بشكل أكثر إحكاما، وأكثر قابلية للاستمرار.
وإذا كان استعمال القوة مجتمعيا ردّة فعل، فهو في إطار الفكرة يصبح عقيدة أساسها العنصريّة العِرقية و الدينية التي تجد لها أرضية خِصبة لدى المجتمعات الرافضة للتعدّديّة أو المحافِظة بتعبير آخر.
قد يتخذ عنف الفِكرة صورة العمل العِدائي الفرديّ أو الجماعي أو السياسي(مذابح/اعتقالات…).إنّ هذا الشكل المتطرّف من العنف يبرر نفسه بادّعاء أن هناك تهديدا، أو بعلة الذوذ عن أسس الأمة.
إنّ ما وصفناه من تمظهرات العنف البينيّ ههنا لا يقف عند حدّ الكلمة أو الجريمة بل يتعدى ذلك إلى صيَغ أخرى لا تختلف في شدّتها و أثرها عن الأنموذجين السالفين.و إن هذا الوصف يوحي بأنّ حلقة العنف المجتمعي حتى وإن عُرف طرفاه(المعنِّف والمعنَّف) فلا سبيل إلى معرفة نقطة البدء، ذلك أنّ القوة متعمّقة في التاريخ العامّ قبل التاريخ الخاصّ للمجتمع.
هذا العمق يعني أننا بين دوائر لا نهائية من العنف المجتمعي المتناقل بين الأشخاص والأجيال.دوائر قد تصنع حتى أحد عوامل القوة(الاستبداد) في رجل كان من قبلُ فردا في مجتمعه.الشيء الذي يسوقنا إلى القول أنّ العنف صناعة في حقيقتها غامضة المصدر، يختلط فيها السياسي بالاجتماعيّ لتبادل الأدوار و استمرار الظاهرة و الإبقاء على حركة التاريخ الإنسانيّ.
هل استطعنا أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه بادئ ذي بدء؟
إنّ الفطرة تدفع للعنف كما الفضائل الضرورية، و الدولة بطبيعة إدارتها تغذي أحدهما وتبني عليه.و ما دمنا بين اثنين فلا نسبة لأصل العنف لأحدهما.لأنّ الأصل لا يدعو إلا لشيء واحد ولا يكون سوى واحد.
قد سبق الذكر أنّ المستبدّ وليد العنف المجتمعي، وأنّ من دواعي العنف بين الناس الاستبداد.و ما شأن الفطرة في ذلك؟ أولها غضَب، وآخرها عدوانية عند اشتدادِ الحاجة الطبيعية في مكان وزمان دون مكان وزمان آخرين.لذلك فمدى عنفها محدود ومن المستبعد أن يسبّب ضررا جدّ كبير.
لا يبدو أنّ كلا من الفطرة والتسلّط أصل للعنف المجتمعي.فكل منهما محض فاعل فيه.إذن فهناك أمر ثالث جدّ غامض هو أصل للقوة، رافق التاريخ البشريّ منذ أولى ملامحه.
واعتمادا على ما أوردناه أعلاه، فإن الإجابة لا تزال عصية على غرار كلّ التساؤلات الفلسفية الكبرى، ومنه فإنّ السؤال يعيد طرح نفسه بصيغة مفتوحة تسمح بمزيد من النقاش: العنف المجتمعي..ما أصله؟