المـــــرآة
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
من الأمور العادية والاعتيادية في حياتنا أن يقف المرء منا أمام المرآة، لغسيل الوجه وتزينيه، وتمشيط الشعر وهندمة الملابس إلى غير ذلك من الأمور. منا من يمضي وقتا قصيرا أمامها، ومنا من يطول به الوقت بعض الشيء، حيث يزهو بجمال وجهه ووسامة ملابسه، ومنا من ينظر إليها باحثا عن جمال يراه في نفسه وتخفيه المرآة عن عينيه، كخفة ظله وجاذبية شخصيته، وما إلى ذلك من الصفات التي يطرى بها الفرد نفسه. ومع أن المرآة تنقل الصورة الظاهرية لوجه وجسد الإنسان على حالهما، ولا تغير فيهما شيئا، إلا أنه، منا من إذا رأى عيبا فيهما، فيرجعه للمرآة، كتلك المرأة الشمطاء، التي تصب نيران غضبها على المرآة، عندما تنقل لها آثار الزمن التي يحملها وجهها، متهمة إياها بأنها قد فسدت أو أظلم ماؤها، ويجب تغييرها، والأمثلة على ذلك كثيرة في حياتنا، وهذا هو يومنا مع المرآة، تارة نعشقها عندما تنقل الصورة التي نحب أن نراها، ونحب أن يرانا عليها الناس، وتارة ننهرها عندما تنقل من على وجوهنا الواقع الذي نعيشه، وتارة أخرى نهشمها، وهذا هو موضوع حديثنا التالي.
ففي أحد الأيام وقفت كعادتي أمام المرآة، أرتدي ملابسي وأهندمها، للذهاب إلى العمل، وإذ بي أرى بقعة واضحة على قميصي، فاندهشت!. فما عهدت بزوجتي إلا مهتمة بي وبشئوني، فما بالها اليوم؟. لكنني لم أجهد نفسي كثيرا في التفكير في هذا الأمر، وسرعان ما تجاهلته، فكلنا يخطئ وكلنا يسهو، دون قصد أو عمد، واتجهت إلى موضع ملابسي، وانتزعت قميصا ثان ارتديه بدلا منه، وإذا بي أمام نفس البقعة، فامتدت يدي لثالث أغيره، فإذا بي أنتقل من قميص لآخر، وأبدل قميصا وراء قميص، حتى انتهيت منهم جميعا، ولا شيء يتغير، نفس البقعة بذات لونها في نفس مكانها، فذهب عقلي وثار غضبي على كل من في المنزل، ماذا حدث لكم وماذا فعلتم بي؟ أوصلتم لهذه الدرجة من التهاون بي وبشئوني؟. وتطاولت عليهم حتى كدت أن أفقدهم. وبعد أن هدأت ثورتي وخمد غضبي، استلقيت على مقعد في مواجهة المرآة، استلقيت محدقا فيها فأخذني بصري إلى عمقها، وبعد برهة من الزمن لم أشعر بمدتها، ولا بكيفية مرورها، وما شعرت فيها بشيء، إلا كما لو أزيحت من على عيني غشاوة، كشفت لي سر هذه البقعة التي أزعجتني صباح هذا اليوم، فقد اكتشفت أن مرآتي هذه المرة وعلى غير العادة، وعلى غير المعتاد، اخترقت ملابسي جميعها، الخارجية منها والداخلية، وتغلغلت إلى ما بداخلي، لتظهر ولتنقل ما في باطني، من نفس خبيثة، فاض بها الشر، من كثرة ما ارتكبت من معاصي وآثام، ومن كثرة ما تكنه لمن يحيطونني من زملاء وجيران وأقارب، من صفات ذميمة وأخلاق سيئة، نكت فيها هذا الشر، فصبغها بلون هذه البقعة. فكدت أهشم هذه المرآة، ولكنني تريثت قليلا، عندما وجدت نقطة بيضاء تتلألأ وسط هذه البقعة ظننت أنها مساحة ما بداخلي من خير وتقوى، فصدق الله العظيم حين قال في كتابه الكريم ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) سورة الشمس آية 7 – 10 وعدت لأسأل نفسي لماذا فعلت بي مرآتي هكذا؟. فما بالها بي هذه اللعينة، كيف اخترقتني، ألم يعد ما في باطني، صندوقا مظلما مطبقا على ما فيه من أسرار، لا يستطيع أحد كائنا من كان، أن ينفذ إليه ليكشف ما بداخله؟ وهل رصدت كل حركاتي وسكناتي ما سلف منها وما حضر؟ أم ماذا ولماذا؟. وأخذت نفسا عميقا حتى تهدأ أفكاري، وحدثت نفسي قائلا: لماذا لو أن مرآتي قد أشفقت علي من كثرة ما أحمل من ذنوب، فقامت بما لم تقم به نفسي اللوامة التي أودعها الله عز وجل فينا، قال تعالى ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) سورة القيامة 1- 2 فأرادت أن تكشف لي عما سترته في صندوقي وغفلت عنه، فاخترقت كل الحواجز لفتح هذا الصندوق، لتطلعني على ما فيه، وقد جسدته أمامي، ليكون لي بمثابة كشف حساب، أرى فيه كل ما فعلت. فمن عادة الكثير منا أن يرجع بعد أن قضى يومه طال أو قصر إلى منزله زاهيا بنجاحاته ومشفقا على نفسه من إخفاقاتها، راجيا يوما آخر يزيد فيه من نجاحاته ويقلل فيه من إخفاقاته، لا يسأل نفسه هل ما فعله لابتغاء وجه الله ومرضاته، أما لعنترية أو لهوى أو لشهرة أو لمنصب أو لغيرهم من الأمور الدنيوية التي يبتغيها، كما أنه لا يلقي بالا كيفما حقق ذلك، أاتقى الله فيه، أم اتبع خطوات الشيطان، وغض بصره عما سببه لغيره من أضرار وخسائر؟. هل ظلم؟ هل تكبر؟ هل اغتاب؟ هل نافق؟ هل غش؟. وما إلى ذلك مما يعد على الفرد منا موبقات وأوزار تزيد من سيئاته، وهذا هو حال معظمنا. وإذا كان كذلك هو حال مرآتي معي فما الذي علي فعله؟!. ألا ألقي لها بالا، وأحاول أن أجد لنفسي المبررات والتمس لها الأعذار على ما فعلت، لأبرئها من أي جرم أو معصية، وحينئذ لن أقدر على مواجهتها مرة ثانية وسأخشى لقاءها، لأنني كذبت فمبرراتي واهية وأعذاري غير مقنعة وحججي داحضة مردود عليها، ولكن ماذا علي لو فشلت كل محاولاتي في الهروب منها ووضعت أمامها ووقعت عيناي على تلك البقعة فوجدت مساحتها تتسع، ودكانتها تزداد؟. فهنا إما أن أعود إلى ما كنت عليه من الغفلة، وإما أن أكون قد استوعبت الدرس جيدا، فأسعى جاهدا بتوبة خالصة إلى الله عسى أن يغفر لي، على ألا أعود لما فعلت، وأصلح ما أفسدت، فإذا انتهيت إلى هذا فليكن لي عودة حميدة مرات ومرات إلى مرآتي. لكن هل يستطيع كل منا أن يجد لنفسه مرآة كهذه تحاسبه وتوقظه من غفلته، فإذا أراد فما عليه إلا أن يجلس مع نفسه لبضع لحظات كل يوم، يضع أمامها أعماله، لمراجعة ما فعله، تسأله هل أديت ما أمر الله به، وانصرفت عما نهى الله عنه؟ وتحاسبه على ما قصر فيه. كما تسأله هل أمنت نفسك من يوم توضع فيه تحت التراب، ومن يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا جاه ولا سلطان، يوم يفر كل امرئ من جميع أهله ومن كافة معارفه، لكل منهم يومئذ شأن يغنيه، هل ستستطيع السير بثبات على الصراط، ماضيا إلى الجنة؟ أم أنك ستقع؟. ويا ويلك إذا وقعت!. فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وقبل أن نصل إلى المطاف الأخير، حيث الحساب الذي لا شيء بعده إلا نتيجة ما اقترفته أيدينا.