تأثير “طوفان الأقصى” على وعي الشباب
بقلم: مريم فلوح
لم يكنْ صباح السَّابع من أكتوبر لسنة 2023 كغيره من الصباحات التي مرّت على هذه الأمّة، فبعد أكثر من خمسة وسبعين سنة من القهر والترحيل والإذلال والاحتلال، ولد “طوفان الأقصى”.
لكن الطوفان الحقيقي هو الذي عصف في فكر أمتنا، خاصة الشباب منها، بعدما ظنوا أن الأجيال الجديدة لا خير فيها، جاء الطوفان ليكون الصحوة والانبعاث الجديد، لينهض بها بل ينهض بوجود الإنسان ذاته، فطوفان الأقصى استئناف جديد للحضارة واكتشاف جديد للذات. يقول الدكتور طه عبد الرحمن” إن طوفان الأقصى استئناف جديد للحضارة …من خلال قيم جديدة يكتشف فيها المرء ذاته فيغوص إلى أعماقها، ليتصل ظاهره بباطنه، وعاجله بآجله، ومفاهيم جديدة يتلمس فيها حريته في ظل شيوع قيم التعبيد للإرادة الإسرائيلية، وشروط جديدة يستعيد فيها فطرته في واقع شاعت فيه قيم الضلال.”
انقسمت ذواتنا وطريقة تفكيرنا إلى قبل وبعد الطوفان، فقبل الطوفان كان اهتمام الشباب بالمحتوى التافه الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، أما بعد الطوفان فقد تبلور فكر الشباب، وزاد اهتمامهم بالقضية الفلسطينية والبحث في تفاصيلها بعد أن كان قليلا أو منعدما إما بسبب عدم الفهم أو بسبب الخوف من الخوض في القضايا السياسية.
وتوجه اهتمامهم الى الإسلام وأحوال المسلمين، قبل الطوفان كنا نتذمر من كل الأمور المزعجة حتى الصغيرة منها، اليوم أصبحنا ننتبه إلى النعم الصغيرة التي خصنا الله تعالى بها، ولم تعد اهتمامتنا الصغيرة تشغلنا عن الأمة، فقد أمست همومنا وصراعتنا اليومية لا تعني شيئا، أبسطها توفر الماء صالح للشرب في الصنبور بدون تعب أو بحث.
الشاب اليوم يؤمن أن له دور في نصرة أخيه المسلم كما أننا الآن متأكدين أن القضية لن تموت وتورث جيلا عن جيل، على أي حال لنا يقين في الله سبحانه وتعالى أن النصر آت لا محالة .
ليس العرب وحدهم من تعلموا وتغيرت طريقة تفكيرهم اتجاه القضية الفلسطينية أو الحياة بصفة عامة، الغرب أيضا عصف بهم طوفان الوعي وأضحوا يهتمون بفلسطين وأهلها، وابتعد محتواهم عن الحديث عن الشذوذ وعن مجموعة من القضايا الهدامة .
كما أثار دهشتهم، صبر الغزّاوييّن وقوة إيمانهم، ورضاهم الدّائم على ما أصابهم، رغم المجازر والقصف والنزوح والجوع وفقدان الأهل.. ، واستغربوا ترديدهم كلمة ” الحمد لله ” كثيرا.
وعبروا في تصريحاتهم عن تعجبهم من التفاف الفلسطنيين حول المقاومة، رغم ما يتعرضون له من تقتيل، قالت إحدى هؤلاء المؤثرين”إنهم مصرون على التوجه إلى الله بالشكوى والحمد، حتى وهم يحملون جثث أطفالهم بين أيديهم. ومثل هذه المشاهد تظهر إيمانا قويا ثابتا”.
هذه الظاهرة جعلت هؤلاء يبحثون عن مغزى وسرّ هذا الصّبر والتفاؤل العظيم ، وعلموا أن ما ذلك إلا من الإسلام ، فتحولت أنظار الكثير من بنات وأبناء الغرب نحو قراءة القرآن الكريم وما يتضمنه من تعاليم وأحكام مشروحة بأسلوب مباشر، يعطي للمرأة والرجل حقوقا متساوية، ويدعو إلى حق المظلوم في الدفاع عن نفسه، فأطلقت مبادرات لقراءة القرآن الكريم وتبادل الانطباعات والتجارب بشأنه وهذا ما نتج عنه إسلام بعضهم.
وهكذا اكتشفوا في النهاية خطأ وتضليل ما كان يروج عن المسلمين بسبب “الاسلام فوبيا” التي عششت في المجتمع الغربي لعقود وجعلت المسلمين يعانون تضييقا وعنصرية عبر كثير من الدول الغربية، فكان طوفان الأقصى قد قام ويقوم بما لم نستطع أن نفعله منذ سنين.
وأخيرا إن ما يعيشه قطاع غزة من مجازر وإبادة، هو امتحان لإيماننا وعقيدتنا، فمظاهر صبر الغزاويين وهم يحملون أقاربهم وأولادهم وآباءهم أشلاء ممزقة بصبر وحمد كبيرين، يجب أن تعلمنا الصبر والمقاومة والعزيمة والثقة في الله عز وجل، وأن الحياة الدنيا فانية وما ينتظرنا بعد الموت أفضل بكثير، ولنعلم ونتأكد أن النصر قريب ووعد الله وبإذنه سيتحقق.