منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السلوك البشري وأثره على الصحَّة والسلامة المهنيِّة

محمد ياسر منصور

0

السلوك البشري وأثره على الصحَّة والسلامة المهنيِّة

بقلم: محمد ياسر منصور
كاتب وباحث سوري

لا تُعزى جميع حوادث العمل إلى خَلَل في المعدَّات المستعملة فَحسب، ولكن غالباً ما يكون سبب الحادث مزيجاً من خَلَل المعدَّات أو تَلَف في المواد، أو طرق عمل خاطئة والأفراد الذين يستعملون المعدَّات، وتُعتبر مشكلة الحوادث والحالة هذه مشكلة علاقات إنسانية.

 لا يُستنتَج من هذا أنَّ أَمان الصناعة يقتصر على الأفراد بل يجب أن يُلازِم هذا تأمين الآلات وإزالة الأخطار من جميع أجزاء العمل.

إلاَّ أنه لُوحِظَ بالرغم من جميع الاحتياطات المتَّخذة في سبيل تأمين الصناعات والعاملين بها، أنَّه لا يزال يقع الكثير من الحوادث الأمر الذي يتطلَّب دراسة طبيعة العمل. ولا توجد بالذات وسيلة لتوفير الأمن بصفة عامة إلاَّ أن العمل المباشر من الأفراد من أَقرب الوسائل لِحَلّ مشكلة الحوادث.

تَفهُّم الأفراد:

من المفروض تَفَهُّم الطبيعة البشرية في دنيا العمل، والوسيلة المؤدية لهذا الغَرَض هي فَهم الأفراد أولاً، عن طريق دراسة العوامل المكوِّنة لشخصية الفرد والتي تُميِّزه عن غيره . وارتياد هذا المجال يُوضِح وجود عوامل شائعة بين المجموعة وهذه يمكن تطويرها لصالح الأمن الصناعي.

وبصفة عامة لا يمكن إنكار حقيقة ثابتة وهي أن الفرد بصورته الحالية هو ناتج نَشأته منذ مَولده فنحن لم نُخلَق جميعاً من عَجينة واحدة، الأمر الذي يتطلَّب تَفَهُّم ماضي كل فرد. فَمَثلاً كيف يتصرَّف عامل ما، حِيال أوامر يُصدرها المشرف عليه بكبرياء وغِلظَة لتنفيذ تعليمات معيَّنة بِطَبعه سيكون تَصرُّفه مماثلاً لما اعتادَ عليه بالنسبة لأفراد آخرين أَصدروا له أوامر مُماثلة بنفس الصورة في باكورة حياته مثل هذه الطريقة التي يتَّخذها المشرف في إصدار أوامره ربما يكون لها أثرها لدى فَرد بينما لا يُطيعها الكثيرون، مِمَّا يُوضِح ضرورة التعرُّف إلى ماضي الفَرد قبل التعامل معه، لمعرفة كيف سيتصرَّف حِيَال ما يصدر له من أوامر.

العوامل الفسيولوجية:

يُعزى نجاح أي برنامج إلى حُسن تَقبُّله من الأفراد الموجَّه إليهم، وعند البِدء في البرنامج الوقائي يلزم ابتداءً أن يُراعى موضوع” الفَوارق الفردية” وهي من أَعمّ المشاكل وأهمها بالصناعة، رغم أن هذه الفوارق واضحة إلاَّ أنه يدخل ضمن إطارها صفات شائعة بين المجموعة.

ثم وبعد ذلك يلزم تَفَهُّم الدوافع “البواعث الحَرَكية” للأفراد فإذا كانت هناك رغبة في الحصول على شيء فهذا دافِع، كذلك عدم الرغبة في الحصول على شيء دَافِع أيضاً. فَمَثلاً استعمال مهمّة واقية للإصبع عند استخدام المنشار، أمر يدل على دافع العمل بِأَمان، ولكن الرغبة في تجاهل استعمال مهمّة واقية، بِحجّة أنها ستُسبِّب نَقصاً في الإنتاج يعتبر أيضاً دافِعاً له ولو أنه دافِع معقَّد.

فالدوافع المعقَّدة والدوافع السلبية يجب العناية بدراستها عند بَذل أي محاولة لتفهُّم العلاقات الإنسانية، ومن الأمور الهامة الواجب الالتفات إليها…”الانفعالات” فغالباً ما يتصرَّف الفَرد طبقاً لمستويات الانفعالية فبينما تكون الانفعالات بَنَّاءة في بعض الحالات تكون هَدَّامة في حالات أخرى، وتؤدي الانفعالات إلى قَهر التصرفات الملائمة، إذ ربما يفعل الفرد ما يعرف أنه لا يحبّ أن يفعله أو يتصرف بعكس ما يشعر به.

وتَتلازم حالة الفرد مع انفعالاته، ومعلوم الآن في العالم الصناعي أَثر أحوال الفرد على الإنتاج، ولذا يُبذَل الكثير لِلتعرُّف على شعور الفرد نحو أشياء معيَّنة.

ولا يجب إغفال موضوع “التعليم” فالتعليم يُصاحِب الفَرد منذ مَولده، وفي كل ما سَبَق بَيانه. يلعب التعليم دوراً هاماً، إذ يتعذَّر تَفهُّم الدوافع والأحوال والانفعالات التي يمر بها الفرد أو حتى الفوارق الفردية بدون الرجوع إلى وسائل “التعليم” التي تَلقَّاها الفرد منذ نشأته، وكلها تلعب دوراً كبيراً في موضوع الصحة والسلامة المهنية.

الفَوارِق الفَردية:

تعتبر الفَوارق الفردية من أعقد المشاكل في الصناعة وأحد الأمور الهامة الواجب رعايتها هو تقدير هذه الخلافات بين الأفراد عن طريق الاختبارات النفسية فالمفروض أن البَشَر مختلفون تماماً، ولا يوجد اثنان متماثلان تماماً.

ويُعزى الاختلاف في الإنتاج بين عاملين، إلى الفَوارق في اللياقة البدنية، أو المهارة أو الذكاء، إلى خِلاف ذلك، ويجب أن يُراعى في طرق التعليم ووسائل التدريب الفوارق الجسمانية، والقُدرات العقلية للأفراد، ومن الدلالات الواضحة على تَجاهل هذا الموضوع تصميم الآلات، فقد كانت تُصمَّم بحيث لا يمكن تشغيلها إلاَّ بواسطة أفراد ذَوي قُدرات فوق المستوى العادي ممَّا يحتم التعرُّف إلى الفَوارق الفردية عند بِدء أي عملية.

أثر الوراثة على شخصية الفرد:

دائماً ما يظهر أثر الفَوارق بين الأفراد خاصةً الفَوارق البَدنية المظهرية الملموسة فنجد أحد الأفراد طويلاً وآخر قصيراً أو نَحيفاً أو سَميناً أو أَصلع أو ذا شَعر أو عَينين أو جلد وجهه بألوان متعددة إلى آخر الفَوارق.

وتتحدَّد الفَوارق الفردية في الأفراد حتى قبل مَولدهم، فالوراثة تُحدِّد ماذا كان الفرد سيكون، طويلاً أو قصيراً أو سميناً أو رفيعاً، أشقر أم أسمر، وكذلك بالنسبة لدرجات الذكاء فالوراثة كبيرة الأَثر عليها وينطبق هذا أيضاً على سرعة التعرُّف وقُدرة الحَواس على التمييز وكلها كبيرة الأَثر في توفير الأحوال المحيطية المَأمونة بالعمل. وتُحدِّد العوامل الوراثية القُدرات والكفاءات الأساسية للفرد والتي يلزم أن تستغلَّها الصناعة وتُطبِّقها لصالح الإنتاج خاصةً المَواهب التي يمكن استغلالها في نواحي مُعيَّنة.

أثر البيئة على شخصية الفرد:

يظهر كل مولود على سطح الأرض وله شخصية محدَّدة وتُعتبر هذه الشخصية معقَّدة إذا كانت تُبعده عن الآخرين وشخصية الفرد ناتج سنوات طويلة من التعليم والوسط العائلي الذي نَشأَ فيه والأصدقاء والمدرِّسين والمجتمع الذي نَشأَ فيه واختلطَ به بصفة عامة.

وكثيراً ما نجد أفراداً تعوزهم القُدرة على اكتساب الصداقة مع من يُحيط بهم الأمر الذي يجعلنا نتساءل “لماذا” ويُعزى السَّبب في مثل هذه الحالة إلى أن الفَرد لم يسبق له أن مَرَّت به تجربة اكتساب الصداقة أو أن الفرد كان في طفولته خائِباً. وعندما يتندَّر إنسان مع آخر يقول له: ” يا سَمين” مَثَلاً فقد يتقبَّلها الآخر بِمَرح نتيجة خبرته الطويلة من احتكاكه بالناس، وقُدراته الشخصية على قُبول التحدِّي بروح مَرحة. وقُدرة الفرد على إنجاز عمل ما تتحدَّد منذ مَولده، إلاَّ أن تنمية هذه القُدرة واستخدامها تختلف حسب الفرد, ومن الأقوال المأثورة أنه لا يوجد فرد يمكنه استعمال جميع قُدراته إلى آخر طاقاتها. فهناك أفراد أُتيحت لهم فُرَص التعليم أو التدريب الصناعي أو الثقافة وانتهزوا هذه الفُرَص، ممَّا أدَّى إلى تنمية قُدراتهم إلى حدود تنقص أو تزيد حسب الأحوال ويتباين مع هؤلاء أفراد يتمتَّعون بنفس القُدرات وليست لهم نفس الفُرَص المتاحة أو لوجود منازعات عائلية أو خلافات مع الأصدقاء، أو بِوَازع نفسي، فإنهم يتحاشون التعليم على قَدر استطاعتهم. وممَّا يؤثِّر على المهارات الطبيعية العادات التقليدية وتوطيد العلاقات مع الآخرين وهذه مَرجعها إلى تفاعل الفَرد مع البيئة فبعض الأفراد اكتسبوا عادات تُيَسِّر لهم أن يكونوا أعضاء نافعين ومتقبّلين في المجتمع بينما أفراد آخرون يتجنَّبهم الناس لصعوبة التعامل معهم. ونَخلص من هذا إلى أن الميِّزات والبيئة يلعبان دَوراً كبيراً في تكوين شخصية الفَرد.

الحوادث نتيجة الخصائص الطبيعية للأفراد:

أحد التغيّرات التي وُضعت لموضوع “الاستعداد للحوادث” أنه نتيجة الخصائص الطبيعية للأفراد ثَبَتَ بعد سلسلة طويلة من التجارب أن معظم الحوادث تُعزى إلى نقص في قُدرات الأفراد على الإدراك وسرعة التصرُّف، وكنتيجة للتجارب تَبيَّن أن الفرد الذي يرى بأسرع مِمَّا يتحرَّك، هو الشخص الذي يَندر إصابته، أمَّا الفَرد الذي يتصرَّف بأسرع ممَّا يرى، فهو الشخص الذي يُصاب بكثير من الحوادث.

وتَجارب العضلات وتمييز الحواس الخمس يتأثَّر بالميراث أكثر من البيئة وأَثبتت الدراسات أن التدريب ضئيل الأَثَر على تنمية هذه القُدرات وهو دليل إيجابي على وُجود أفراد مستعدُّون للحوادث وعلى أساس هذا الشرح يُراعى عند اختيار الأفراد لِعَمل ما ا لتعرُّف إلى قُدراتهم مع وَضعهم في العمل الذي يخلو من الخَطَر في حالة إذا كانوا من الأفراد المعتادي تَكرار الحوادث.

الحوادث نتيجة شخصية الفرد

وتفسير آخر لموضوع “الاستعداد للحوادث” عُمِلَ بعد دراسة أفراد مُصابين بكسور وآخرين مصابين بأمراض في القلب، ثَبَتَ أن الأفراد المصابين بكسور سَبَق إصابتهم بحوادث كثيرة وبعد التحليل والدراسة تَبيَّن أن هناك خصائص طبيعية متماثلة بالنسبة للأفراد المعتادين هذا النوع من الإصابات وأهم هذه الخصائص:

  • ـ الاندفاع وهو المَيل إلى أداء عمل في حالة انفعالية.
  • ـ المَيل إلى التهرُّب من السُّلطة.

والعامل (أ) ـ يُعزى إلى عوامل شخصية، تتطلَّب دراسة العوامل شخصية الفَرد وكذلك قُدراته البَدنية.

ومن ضمن الأسباب التي يُعزى إليها “الاستعداد للحوادث ” بعض الخصائص الطبيعية مثل حجم الفرد، قُدرة الأبصار، قُدرة السَّمع، الاتزان، الأمر الذي يتطلَّب دراسة كاملة.

وقد نَتجَ عن الفَوارق الفردية موضوع “الهندسة البشرية” والتي يُراعى فيها تصميم المعدَّات، بما يتَّفق والطاقة البشرية مع حماية الأفراد بأن يُوضع حواجز لضمان سلامة التشغيل كل الوقت وكل ذلك محاولات مَبذولة لتقليل أَثَر الفَوارق الفردية على معدَّلات الحوادث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.