منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المكر التاريخي للغرب

المكر التاريخي للغرب/ عبد القادر الطرنيشي

0

المكر التاريخي للغرب

بقلم: عبد القادر الطرنيشي

قال تعالى :ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )

حان الوقت لكي تستوعب الأمة الإسلامية والدول المستضعفة، أن الدروس التي لقنت لهم من طرف الدول الغربية، باسم القانون الدولي وحقوق الإنسان واحترام السيادة الدولية للدول وغيرها ما هي الا شعارات ودريعة تحل بها الدول العظمى لنفسها ما تحرمه على الاخرين، هو حق اريد به باطل يبيح للغرب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لتفرض عليها برامجها المدسوسة تحت قناع الشرعية الدولية والقانون الدولي.

لقد سعى الغرب منذ سقوط الأندلس وانهيار الإمبراطورية العثمانية أن يقرأ الإسلام والمسلمين ليفهمهم، ومن تمة ليتحكم فيهم، وبدلت الدول الغربية مجهودات كبيرا في هذا الاتجاه، من خلال ارسال بعثات أنثروبولوجية للعالم الإسلامي، والتدخل في البرامج والمناهج الدراسية للدول المستهدفة مقابل تقديم مساعدات مالية لدعم التعليم، مستعينا في ذلك بعقول النخبة المثقفة العلمانية من أبناء المسلمين والمنبهرين بأضواء الغرب و بثقافته وحضارته وأصبحوا من اشرس المدافعين عن الغرب والفوا كتبا ينتقدون فيها دينهم ويعتبرونه سببا في تخلف أمتهم.

ومن بين العلوم الماكرة التي اعتمد عليها الغرب في محاولاته تفكيك الإسلام والمسلمين، والتشكيك في مصداقية المصادر العظمى للتشريع القران والسنة، علم أطلق عليه علم الاستشراق ، فهو في الحقيقة ليس علما كما يبدوا ظاهريا، بل أيديولوجية ماكرة وهادفة جعلت من البحث العلمي والأنثروبولوجيا  وسيلة  في دراسة الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي وحضارته،

لقد تحدث الشيخ محمد الغزالي في كتابه ظلام من الغرب عن المستشرقين من أمة محمد الذين يتحدثون بألسنة الغرب ولا يرون من الاسلام سوى اننا امة قامت على الحروب ليس إلا.

هذه الفئة المثقفة من المستشرقين، أصبحوا يهاجمون المناهج والحركات الاصلاحية الإسلامية أكثر من الغرب أنفسهم، ولو أن هذه الفيئة المثقفة من أبناء المسلمين الذين ينتقدون العقل الإسلامي بلسان غربي وبعقل استشراقي فكروا قليلا وقلبوا الأمور الى عكسها لنجحوا في فهم مكر من غرر بهم؟  فلماذا مثلا لم تعتمد هذه الفئة المثقفة على نفسها؟ ويؤسسوا علما يطلقون عليه علم الاستغراب على غرار علم الاستشراق لدراسة الغرب المسيحي وفهم عقدته التاريخية المدسوسة، وسيمكن هذا العلم لا محالة من كشف الحقيقة بوسائل ومناهج علمية يفهمها الجميع؟ وتظهر الغرب على حقيقته.

أهداف الغرب عبر التاريخ كانت ولاتزال أيديولوجية وحروبه على المسلمين حروبا صليبية، فالغرب – فاقد الهوية والمرجعية الدينية والأخلاقية- يعتبر الشرق الأوسط ساحة منتزعة منه، ويحاول استرجاعها وتحقيق سؤدده عليها بكل الوسائل الممكنة. فحينما خرجت القوتان الاستعماريتان فرنسا وبريطانيا من الشرق الأوسط، وحلت محلهما الولايات المتحدة الامريكية وابنتها اللقيطة اسرائيل لم يكن الهدف هو السيطرة على الثروات الطبيعية كما يضن البعض، وإنما كان الهدف واضحا وهو الإسراع في تحقيق العقدة التاريخية للغرب الذي يعتبر هذه المنطقة جزءا من المسيحية ويجب انتزاعها من المسلمين ، لأن الشرق الأوسط له رمزية تاريخية وايديولوجية يعلمها الجميع فمن يسيطر على هذه المنطقة يعتبر هو الأقوى والمسيطر على العالم.

رغم أن الغرب يحاول اقناع العالم أن تدخلاته في الشرق الأوسط يهدف من ورائها محاربة الإرهاب وتحقيق السلام، فإن التاريخ سيضل شاهدا على مقولة الجنرال غورو حين انتصر في معركة ميسلون على الثوار العرب في دمشق سنة 1920 كان أول ما قام به هو الوقوف على ضريح صلاح الدين الايوبي هاتفا بقوله: ها قد اتينا.

 كما أن التاريخ لن ينسى مقولة الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران وشعب البوسنة والهرسك المسلم يباد أمام أعين العالم وهو يصرح خلال خطابه: لا نريد دولة اسلامية في قلب أوروبا.

لهجة التصعيد تجاه المسلمين من طرف المسؤولين الغربيين تتصاعد يوما بعد يوم فجاء الدور هذه المرة على الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترام والذي اتسم خطابه دائما بالتهجم على المسلمين دون أن يقابل وللأسف برد من رئيس أو مسؤول عربي مسلم غيور.

كما أن الاستقبال الأخير الذي حضي به مجرم الحرب الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحت التصفيقات الحارة التي استقبل بها من طرف أعضاء الكونغريس الأمريكي، لدليل قاطع أن من تدعي أنها راعية السلام في العالم الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد وبشكل قاطع ما تقوم به حليفتها إسرائيل في غزة من تقتيل وتهجير للفلسطينيين.

فتاريخ الدول الامبريالية الغربية ملطخ بدماء الشعوب كلها وليست المسلمة فقط، وهذا المكر يفضح يوم بعد يوم والقانون الدولي أصبح يداس جهارا ليلا ونهارا والإرادة الشعبية تنتهك في ربوع الأرض. فلماذا مثلا لم تتحرك الدول الغربية حينما تعرضت مجموعة من الدول الإفريقية وعلى راسها رواندا لحرب أهلية شنيعة؟ كما أن الولايات المتحدة الأمريكية التي لطالما اعتبرت نفسها الوسيط النزيه في ملف الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية أصبحت طرفا مباشرا في الحرب على غزة وقتل الأطفال والنساء في مشهد لم يشهد العالم مثله على الإطلاق.

لقد حاول الغرب جاهدا خلال العقود الأخيرة الماضية أن يلبس بالإسلام والمسلمين تهمة الإرهاب، وينعت كل مقاوم ومدافع عن حقوقه المشروعة بالإرهابي، مستغلا بذلك شبكاته الإعلامية الضخمة عبر العالم، ومستفيدا من الضعف الذي تعيشه الأمة الإسلامية، لكن حدث طوفان الأقصى بتاريخ 07 أكتوبر قلب الصورة للعالم الحر وأظهر لهم حقيقة الكيان الصهيوأمريكي على حقيقته وفي أبشع صوره.

رغم الدمار الذي لحق بالفلسطينيين وأهل غزة، ورغم الجراح والأرواح فإن هذا الحدث سيجعل العالم الإسلامي والعالم الحر لامحالة ينبعث من جديد ليغير نظرته تجاه الغرب الغاشم المستبد. طوفان الأقصى أظهر للعالم أن الإرهابيين الحقيقيين هم إسرائيل وأمريكا وحلفائهم، رغم تفاوت موازين  القوى بين حماس والجيش الإسرائيلي فقد تفوق أبو عبيدة والسنوار والضيف على عدوهم ولقنوهم دروسا بليغة في تكتيك الحرب وأخلاق رفيعة في التعامل مع الأسرى.

طوفان الأقصى جعل دول كبيرة كإسبانيا والنرويج وايرلندا تراجع موقفها وتتهم أن الكيان الصهيوأمريكي بتجاوز كل الخطوط الحمراء، مما دفعها الى اعلان اعترافها بدولة فلسطين الابية، كما أن هناك دول أخرى مثل سلوفينيا ومالطا تعتزم اتخاد نفس الخطوة مستقبلا.

في الوقت الذي ظن فيه الغرب أنه نجح في تخدير شباب الأمة الإسلامية وابعادهم عن مبادئ دينهم، شاء الله أن يخرج لهم جيل فولادي في أرض فلسطين، جيل لا يعرف الاستسلام، جيل يعرف الغرب والغرب يعرفه، جيل لغته القران وشعاره لا للاستسلام.

    إذا كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قد جعل من تاريخ الهجرة  من مكة الى المدينة حدثا للتقييم الهجري للمسلمين لأن حدث الهجرة فرق به الله بين الحق والباطل كما قال رضي الله عنه ،  فتاريخ 07 أكتوبر من سنة 2023 يستحق  ان يكون تاريخا جديد يؤرخ به لانبعاث جيل جديد وميلاد أمة  .

نحن اليوم على مشارف تحول عميق يعرفه العالم، ولا محالة ستتغير مجموعة من الأمور خلال السنوات القليلة القادمة، وحان الوقت اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تستيقظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق، وتعد نفسها لما ستؤول اليه الأمور مستقبلا قبل فوات الأوان. فأمة المليار نسمة لها جميع الإمكانيات البشرية والطبيعية والأيديولوجية التي تميزها عن باقي المجتمعات الأخرى لكي تسترجع هيبتها المسلوبة منها، فما على هذه الامة سوى أن تنظم صفوفها وتعرف عدوها وتثق في شعوبها وتتخلص من خونتها وتزيح حدودها الجغرافية الوهمية فيما بينها ، لكي تستقل بقراراتها وتفك قيودها واغلالها الموضوعة على اعناقها لتكون خير أمة أخرجت للناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.