مجيء الفتح والنصر
بقلم: محمد القائم
إن القارئ والمتدبر لآي الذكر الحكيم، المنزل من عند العزيز الحميد، يجد ذكر الفتح والنصر مقترنين مرتين في سورة الفتح وسورة النصر، وذكر الفتح منفردا ست مرات، والنصر ثلاث مرات، فما العلاقة بينهما؟ وما معنى النصر والفتح ؟ وما أنواعهما وشروطهما؟ ومتى يجوز طلبهما؟ ولم ؟
نصر من الله:
وردت مادة “نصر” سبعين مرة في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، كلها تؤكد على أن الناصر والمؤيد بالنصر، والمحق للحق المظهر له ولأصحابه على المبطلين، والمبطل للباطل وسحر المطبلين له، هو الله وحده سبحانه، “وما النصر إلا من عند الله”آل عمران وأنه لا نصر ولا ناصر إذا خذل الله “وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده” وما دام النصر من الله ومن عنده فلا سبيل لتحصيله والتلذذ به -وهو محبوب مرغوب فيه لكل نفس أبية أو مستضعفة – إلا بطلبه من مالكه ومعطيه، كما نطلب منه الرزق والعافية، مع اتخاذ الأسباب لأن للنصر قانونا – الدعاء وهو أقوى سبب إذا صادف وقت إجابة، وكان من مضطر ومخلص، ومتحر طيب المطعم ورضا الوالدين – ثم إعداد العدة وتفادي أسباب الهزيمة والهدة، وأكثر ما يستدعي مجيئه توافر وتظافر السببين معا: طلب العون والإمداد، مع إحكام الخطة والإعداد، من تدريب الرجال وتوفير العدة والعتاد، وإلا فدونه خرط القتاد. كما قال عمرو بن كلثوم: ومن دُونِ ذلك خَرًّط القَتَـاد * وضَرْبُ وطَعْنُ يِقُرُّ العُيُونا
ومن سنة الله ان “ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب وبذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها.” النصر في الدنيا لا بد له من أسباب لتفادي الانتكاس والتباب، والارتكاس في الفتنة ووقوع الدمار والخراب، أو الأسر والعذاب، والنصر في الآخرة لا بد له من الإيمان والعمل الصالح ومنه الإعداد للجهاد.
“ومن شروط الله وسنته المكملة لمعاني حكمته تعالى في الكون وابتلائه للعباد بالسراء والضراء أن يتعاقب النصر والهزيمة ليربي الله الذين ءامنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين آخر المطاف” سنة الله ص 9 . ومن لا يفقه مجريات الأحداث ، ويفهم مآتي ومآخذ العزة والنصر والفلاح، يبقى على هامش التاريخ مفعولا به لا فاعلا، يخل بشرط “وأعدوا لهم” دون استفراغ الجهد ويكتفي بالدعاء زاعما أنه لا على الأسباب بل على الله متوكلا. “الإحسان أن تعبد الله كانك تراه، ومن أجل العبادة الدعاء والثقة بالوعد. والإحسان أن تحسن عملا وتتقن الفنون البشرية المتاحة المسخرة لتمتد يد القوة المعدة سببا واصلا بين السماء والأرض، دعاء عمليا واستفتاحا ميدانيا لأبواب النصر”سنة الله صلى الله عليه وسلم
معاني النصر وشروطه :
والنَّصر: الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار.
والخِذْلانُ ضدّه: وهو إمساك الإعانة مع القدرة،
والنصر: إعانة المقاوم لضدّ أو عدوّ
والنصر نزول البأس: هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام “وينصرك الله نصرا عزيزا “ غالبا منيعا لا يتبعه ذل.
والنصر اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة رقم 110 في ترتيب المصحف، مدنيَّة، عدد آياتها ثلاث آيات.“إذا جاء نصر الله والفتح “، فإضافة { نصر } إلى { اللَّه } تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها” إبن عاشور رحمه الله.
لاشك أن من في الميدان، ممن يعانون نفسيا وبدنيا، ويباشرون القتال والمدافعة، ومن يتابع مجريات الأحداث والمباريات متابعة المهتم المتهمم لا المتفرج، ومن يؤيد هذا الفريق أو ذاك، ينتظرون مجيء ساعة الحسم والنصر ، وينتظرون ما يعقبه من فتح مادي أو معنوي. ” وانتظروا إنا منتظرون”
والنصر كما يكون في الميدان، ويتحقق بالظهور والتمكن والتملك، وكثرة القتل والسلب وحسم المعركة والمواجهة لصالح القوي، كذلك يكون بافتضاح العدو والخصم، بظهور كذبه وضعف حجته، في ميدان النزال الفكري وقرع الحجة بالحجة، والتمكن من سلاح البيان وقوة الدليل، إذ المقاتلة تتم بسلاح السنان واللسان. وينضاف إليهما ما يرسمه البنان ويصوره -صور حقيقية أو كارتونية كاريكاتورية – . والحرب الإعلامية والنفسية لاتنفك عن هذه الوسائل قبل وأثناء التقاء الجيوش والخصوم والمتناظرين.
وشروط النصر: ذاتية وموضوعية آفاقية وأنفسية، وما خذل المنهزم والذليل مثل نفسه، وانحطاط همته وضعف يقينه، وحبه للدنيا وكراهيته للموت، وكما يقال احرص على الموت توهب لك الحياة، ولا يحرص على الموت إلا الأشد الأليس، الموقن بالآخرة المحب للقاء الله، ومن روحه لا ييأس، الناصر للمستضعف ولدين الله “إن تنصروا الله ينصركم”محمد 8 وحق على من نصر الرسل والدين الحق من أنصار الله أن ينصرهم “ولينصرن الله من ينصره” الحج 39″وكان علينا حقا نصر المومنين”الروم 47
وممن ينصرهم الله كذلك الصابرون على عزم الأمور، لارضى بالدون والذل والهوان” ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ “،والغرض منها التهيئة للجهاد والوعد بالنصر الذي أشير إليه سابقاً بقوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } إلى قوله: { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز }الحج : 39/40 ، “وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ”الشورى (39) والبغي: الاعتداء على الحق.
فمعنى إصابتِه إياهم أنه سُلّط عليهم، أي بغى غيرهم عليهم. وإنما أثنى الله عليهم بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيهاً على أن ذلك الانتصار ناشىء على ما أصابهم من البغي، فكان كل من السبب والمسبب موجِب الثناء، لأن الانتصار محمدة دينية إذ هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم مؤمنون، فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم، وذلك الردع عون على انتشار الإسلام ، إذ يقطع ما شأنه أن يخالج نفوس الراغبين في الإسلام من هَوَاجِس خوفهم من أن يُبغى عليهم.”التحرير والتنوير.
والعبد المومن كريم على الله، معتز بعزة الله، لا يرضى الذل والهوان، ومن يهن يسهل الهوان عليه “ومن يهن الله فما له من مكرم” الحج18 “والله سبحانه قوي عزيز في شؤونه القدسية، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة، وأن تكون كتبه معظمة موقرة، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ويُعينوا على نشر دينه وشرائعه” . كما قال ابن عاشور رحمه الله.
الاستنصار:
وبما أن الإنسان في هذه الحياة تجري عليه أمور ، وبه الدوائر تدور، ولا مهرب له منها كما قال أحد العلماء:
ثمانيةٌ تجري على الناس كلّهم.. ولا بد للإنسان يلقى الثمانية سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفُرقة.. ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية جاز للانسان في حالة الضعف والانكسار، أن يستنصر ويطلب العون والمدد، من ربه الغياث المغيث”إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم” الأنفال 9.فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس . ويطلبه ممن يواليه من شيعته ومواليه، ووجب على كل شهم وذو مروءة سليم الفطرة، النجدة والغوث، وعون الضعيف والمظلوم، إلا ما استثني في قوله تعالى “وإن استنصروكم في الدين” يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم ، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم . إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته . ابن العربي : إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة ، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم . كذلك قال مالك وجميع العلماء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال ، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد . لأن النصر في هذه الحالة نصر للدين لا للولاية كما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله “لأنّ نصرهم للدّين ليس من الولاية لهم بل هو من الولاية للدين ونصرِه ، وذلك واجب عليهم سواء استنصرهم الناس أم لم يستنصروهم إذا توفّر داعي القتال ، فجعل الله استنصار المسلمين الذين لم يهاجروا من جملة دواعي الجهاد.
فاللهم انصر اخواننا المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ، أنت مولانا نعم المولى ونعم النصير، انصرنا على القوم الكافرين يا الله يا خير الناصرين . (يتبع)