فلسفة العلبة
ادريس الكنبوري
الحياة قصيرة مهما طالت؛ لأن كل شيء له نقطة نهاية قصير مهما طال. ومنذ فجر التاريخ والإنسان يبدع في صناعة الأفكار والايديولوجيات والفلسفات من أجل تدبير الحياة الدنيا؛ فأبدع الآلاف منها؛ ولكنه لم يبدع فلسفة واحدة لتدبير الآخرة. الفلسفة الوحيدة لتدبير الآخرة كانت وما زالت من تدبير الله سبحانه. آلاف الفلسفات لتحسين الأوضاع في الحياة الدنيا وواحدة فقط لتحسين الأوضاع في الآخرة؛ إلا أن كل هذه الفلسفات لم تحسن حياة الإنسان الذي يزداد شقاء؛ يصنع فلسفة لخلق السعادة ثم يشقى بها.
ولكن أعجب ما في الإنسان أنه يعطي الحياة الدنيا كل شيء؛ يعيش من أجل الأكل والشرب والراحة؛ ويطور أدوات هذه الأهداف. يجدد في أساليب الأكل ولكن الأكل هو نفسه؛ وفي أساليب الشرب لكن الشرب هو نفسه؛ لم تتغير حاجات الإنسان أبدا لكن تغير الغلاف الخارجي الذي توضع فيه؛ لم تتغير البضاعة لكن تغيرت العلبة؛ ولذلك يتصارع الإنسان على العلب لا على الحاجات؛ لأن هذه الحاجات يلبيها الإنسان منذ القديم؛ كان غنيا أم فقيرا ملكا أم غفيرا؛ إنما الجديد هو العلب؛ يكتفي الفقراء والصالحون بالحاجات مجردة؛ ويبحث الآخرون عن نفس الحاجات لكن داخل علب مزينة؛ ومن أجل هذه العلب يضحي الإنسان بكل شيء وينسى أن الحاجة ليست غاية في ذاتها بل طريق إلى غاية. فقد خلق الله الإنسان لعبادته؛ لكنه تحول إلى عبادة دنياه؛ فيعيش لها ويرحل في النهاية دون أثر؛ مجرد كائن كان يأكل ويشرب ويتغطى وينام ويستيقظ؛ ثم ذهب ليذهب أكله وشربه إلى غيره؛ يأخذ شخص آخر نصيبه من ثمار الأرض. مثل هؤلاء يستراح منهم لأنهم كانوا مجرد وزن زائد فوق الأرض؛ فإذا ذهبوا لم ينقص من الدنيا شيء؛ بينما ذهاب العلماء والصالحين يترك ثلمة في هذه الدنيا؛ لذلك طوبى لمن عمل عملا يخلفه وراءه ويترحم الناس عليه به؛ من عاش في الدنيا لنفسه رحل لا يملك شيئا؛ ومن عاش لله رحل ومعه خير كثير. كم شخص عاش غنيا لكنه رحل فقيرا؛ وكم شخص عاش فقيرا لكنه رحل غنيا؛ وإذا كان لا بد من التفاوت بين الناس فخير التفاوت ما يحصل في الآخرة؛ أما التفاوت في الدنيا فمجرد وهم؛ لأن كل تفاوت له نهاية لا بد أن يزول؛ وكل تفاوت دائم يبقى؛ لكننا نتقاتل حول ما يزول؛ لذلك أبواب الدنيا مليئة بالزحام وأبواب الآخرة لا زحام فيها.