منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدعوة للسجود للإِلَهَةِ الأنثى في بلد الحرمين؛ وأم الفتن وأصل الفساد الكبير

الأستاذ ادريس قافو

0

الدعوة للسجود للإِلَهَةِ الأنثى في بلد الحرمين

وأم الفتن وأصل الفساد الكبير

بقلم: الأستاذ ادريس قافو

في زمن يُسجن فيه العلماء لمجرد صمتهم وعدم تصفيقهم لسياسة الدولة، وبترخيص ودعم سخي من الجهات الرسمية أحيت مغنية أسترالية حفلا في عاصمة بلد الحرمين، ولم تكتفِ المغنية بالرقص والرَّفْسِ على مشاعر الأمة بعُرْيها وحافِرَيْها، ولباسها الواصف لكل جسدها، وبحركاتها القردية([1]) المُقزِّزة، بل تجرأت على الله وأنبيائه قائلة: “أيها الرب دعني أخبرك شيئا. أن تقول لأنبيائك ليس هناك رجل يستطيع أن يوقفنا … ثم أيها الرب أخبرني إذا فهمت ذلك. أخبر أنبياءك ليس هناك رجل يستطيع أن يوقفنا”.

وأثناء ذلك دعت للسجود والركوع للإلهَة الأنثى، قائلة: “اركع للإلهَةِ الأنثى. اسجد للإلهة الأنثى. لا أحد يستطيع أن يمنعنا. اسجد للإلهة الأنثى”.

فهل صدقت وهي كَذُوبَة حين قالت: ” ليس هناك رجل يستطيع أن يوقفنا”؟ وإن كانت كذلك فهل الأمر متعلق بعدم وجود الرجال أصلا؟ أم أن هناك رجالا، ولكنهم عاجزون عن الوقوف في وجه هذا المسخ الجارف؟

سياق الحدث

إن هذا الحدث ليس غلطة وفلتة عابرة، بل هو حلقة في سياسة ممنهجة. فبعد أن استنفدتِ الحربُ على الإسلام بنكَ أهدافها تحت شعار محاربة التطرف والإرهاب المحتمل، انتقل تركيز الغرب والأنظمة المنفذة لتوجيهاته إلى الحرب على الفطرة ومكارم الأخلاق؛ ففي بداية الموسم الدراسي الحالي على سبيل المثال لا الحصر، بدل أن يهتمَّ رئيس دول بحجم فرنسا بتوفير الأساتذة، وتحسين البنية التحية للمؤسسات التعليمية، وتطوير المناهج الدراسية، ويهتمَّ بانقلابات إفريقيا التي يقزِّم موارد فرنسا…انشغل بأم المعارك؛ انشغل بحرب (العباية) وحجاب التلميذة المسلمة، وبحرب الفطرة السليمة. وكلَّف نفسه، أمام دهشة أطفال في مدرسة ابتدائية، عناء أن يشرح لهم معنى أن يكون لهم أبوين من الجنس نفسه.

وما تقوم به هيئة الترفيه في السعودية، أو ما تقوم به فرنسا ليس استثناء، بل هو توجُّه عام يتم تصريفه في باقي الدول بأوجه مختلفة كتمييع الحفلات والمهرجانات الصيفية، ودسّ الدعوات إلى الشذوذ والإباحية بالتدريج في المناهج التعليمية … والسياق العام هو تمهيد الطريق لفرض الاعتراف بالإباحية والشذوذ الجنسي (المثلية) على العالم بموجب قوانين ومواثيق دولية، تحت شعار حماية الحريات الفردية والعلاقات الرضائية، كما فُرضِت حمايةُ الغطرسة الصهيونية بقانون (تعقب الأعمال المعادية للسامية عالميًّا) ([2]) الذي تسهر الخارجية الأمريكية على تنفيذه في كل دول العالم.

من المسؤول؟ وإشكالية التشخيص الدقيق لأصل الفساد

إن أول سؤال يزلزل كيان كل غيور على أمة رسول الله ﷺ هو كيف تحولت هذه الأمة من خير أمة أخرجت للناس، مصداقا لشهادة الحق: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ([3]) إلى أمة ضعيفة تتداعى عليها الأمم لنهب خيراتها ([4]) وتبديل دينها، ثم إلى أمة تستخِفُّ راقصة ساقطة بمقدساتها وفي مهبط وحيها؟ وكيف وصلت إلى دركة تُكمَّمُ فيها أفواه العلماء ويسجنون، وتُرصَدُ ميزانيات خيالية لمغنيات ماجنات، وتُفتح لهن الفضائيات ليقلن كلمة الكفر على رؤوس الأشهاد؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ هل الحكام المحتكرين للأمر والنهي وأعوانهم الذين يبررون ولا يُقرِّرون؟ أم العلماء ورجال الفكر والسياسة ومؤسساتهم([1]) الذين سمحوا بوجود أشخاص فوق المساءلة، ولم يأخذوا على يدي الظالم ولم يأطُرُوه على الحق أطراً([5]) ؟ أم العامة الذين ينتظرون أن يُفعَل لَهم وبِهم، وهم لا يفعلون؟

 الإجابة السهلة لمن لا يُهِمُّه إلا تبرئة ذمته، ولا يحتاج من الأدلة على ذلك إلا لأصبع الاتهام ليشير به إلى الآخر، هي تحميل المسؤولية كاملة للحكام فقط، وسيدعمه في ذلك كون الهدم في كيان الأمة ونقض عرى الإسلام بدأ بشكل واضح ([6]) مع فساد نظام الحكم([7])، لكنه سيواجه بسؤال: ولماذا سمح الناس بفساد الحكام؟ ثم يدخل حلقة مفرغة من ربط النتائج بعللها عودًا على بدء؛ كأن يُرجع الفساد والإفساد إلى استبداد الحكام واحتكارهم كلَّ الصلاحيات، ويرجع استبداد الحكام إلى استقالة الشعوب من متابعة الشأن العام ومحاسبة الحكام، واستقالة الشعوب إلى غياب الوعي، وغياب الوعي إلى انحسار دور العلماء، وانحسار دور العلماء إلى استبداد الحكام … وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا يتبن لها مبدأ ولا أصلا.

فصعوبة تشخيص الظواهر الاجتماعية تكمن في كون الأسباب والمسبَّبات قد تستدير في حلقة مفرغة، فتختلط فيها العلل بنتائجها، وتُدخِل الملاحظ في إشكالية أيهما أسبق الدجاجة أم البيضة؟ فيتوهَّم (عند النظرة الأولى أنه ظفر بأصل الداء أو بأهمِّ أصوله…ثم لا يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء أو [أن ما ظفر به] هو نتيجة لا وسيلة) ([8]).

القرآن الكريم وتحديد أم الفتن وأصل الفساد الكبير

 إن ميزة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في تسمية الظواهر وتفسيرها هي أنهما يرجعان الظواهر إلى أصولها ([9])، ويتجاوزان وصف أعراضها إلى تحديد عللها، وبذلك يختصران الجهد على الباحث.

 وفي إطار البحث عن أصول الفساد نجد القرآن الكريم يُرجِع ظهورَ الفتنة في الأرض والفساد الكبير إلى تعطيل الوَلاية بين المؤمنين. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)([10]). وفي التفسير (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) يعني بعضهم أعوان بعض وأنصاره ([11]). فيكون الشاهد في الآية هو أن (الشيء الذي يترتب على عدم فعله الفتنة والفساد الكبير هُوَ الوَلايةُ بين المؤمنين، تُعَطَّلُ وتُكْفَر وتُعوَّضُ بروابطَ أرضيَّةٍ مثلِ العصبية، وهي «حميَّة الجاهلية»)([12]). وبذلك ترشدنا الآية إلى كون المتسبب الحقيقي في الفساد الذي وصفه الله تعالى بالكبير، هو المُعطِّل للوَلاية التي بها تتأسس (أمة الرقابة والمحاسبة)، استجابة للأمر الإلهي: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ([13])، سواء كان ذلك المُعطِّل:

  • حاكما مستبدا يُقيم حكمه على سياسة (فَرِّقْ تسُد)، ويجعل الأمة شيعا وأحزابا تفرق ولا تجمع.
  • عالما يوهم نفسه والناس أن (قل كلمتك وامش)([14]) التي وإن أيقظت الناس، ودلتهم على الحق، لا تبني إيمانًا يؤهلهم للتضحية من أجل المبادئ، ولا تبني صفا قادرا على مواجهة فساد له مؤسسات وإعلام وجيوش وميزانية دول، ومراكز تفكير ومراكز دراسات… ويحتكر كل السلط، ويحتكر كل أشكال القوة والثروة.
  • مؤمنا لا يستطيع أن يصبر نفسه مع الناس في إطار مشروع يحيي ما أماتته سنوات الفتنة، ويبني ما هدمته…
  • مناضلا مِثَاليا يشترط وجود تنظيم من الملائكة لا يخطؤون لكي يتعاون معهم لنصرة الحق الذي يضمن الحد الأدنى من العيش المشترك، ولنصرة المستضعفين.
  • مسلما يؤمن ببعض الكتاب، ويعتبر نفسه غير معني البعض الآخر، ويبخل حتى بتكثير سواد المدافعين عن الحق.
  • متفرجا ينتظر لمن ستكون الغلبة.

الخلاصة

جرأة راقصة شبه عارية على قول كلمة الكفر في بلد الحرمين على رؤوس الأشهاد، مع إعلانها تحدي أن ليس هناك رجل يستطيع أن يوقف المهزلة، سببها المباشر القريب هو تشجيع وتأييد الحكام لفعلها، لكن السبب الأصلي لتشجيع الحكام لفعل الراقصة ولجرأة الراقصة على مقدسات الأمة هو تعطيل الوَلاية بين المؤمنين، تلك الولاية التي بتعطيلها يتعطل بناء الصف المتضامن القوي الذي يأمر بالمعروف وينهى عن النكر، ويراقب ويحاسب.


([1] ) – هذا إن كانت لهم مؤسسات كالمنظمات والاتحادات والجمعيات والجماعات والأحزاب…

([1] ) – نسبة للقرد

([2] ) – انظر ترجمة عربية أعدها مكتب د.علي الغتيت للنص الكامل لقانون (تعقب الأعمال المعادية للسامية عالميًّا) الذي أقره الكونجرس الأمريكي يوم 10-10-2004 وأقره الرئيس جورج بوش يوم 16-10-2004. وهذا القانون يلزم وزارة الخارجية الأمريكية بمراقبة ورصد ظاهرة معاداة السامية، وإنشاء مكتب وممثل لها لمتابعة تنفيذ هذا القانون في أرجاء العالم.

([3] ) – سورة آل عمران: الآية 110

 -[4]  إشارة إلى الحديث النبوي (يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تَداعَى عليكم؛ كما تَداعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعتِها. فقال قائلٌ: ومِن قِلَّةٍ نحنُ يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ…). أخرجه أبو داوود في سننه.

 -[5]إشارة إلى الحديث النبوي: ( لتأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولَتَنهَوُنَّ عنِ المُنكَرِ، ولَتأخُذُنَّ على يَدَيِ الظَّالِمِ وتأطُرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لَيضرِبَنَّ اللهُ قُلوبَ بعضِكم ببعضٍ). أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

([6] ) –بعد دخول الناس في الإسلام أفواجا دون تلقي التربية الكافية، وفي عهد سيدنا عثمان، وقبل تغيير نظام الحكم من خلافة راشد إلى ملك عاض، برز في الأمة تياران قويان (أحدهما ينزع إلى الانفساح في الرقعة المفتوحة والاستمتاع بالرخاء الذي تتيحه هذه الرقعة، وثانيهما، وقوته كانت تصير إلى ضعف يوما بعد يوم، ينزع إلى صيانة العدل والميزان كما عاش في ظلهما سلف الأمة). أنظر ياسين، عبد السلام: الإسلام بين الدعوة والدولة، ص28

([7] ) – في الحديث: (لتُنْقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انْتَقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة). أنظر مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي، (22160).

([8] )الكواكبي، عبد الرحمن بن أحمد بن مسعود (ت: 1320هـ): طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار النفائس بيروت، الطبعة الثالثة،1427ه/ 2006م، ص30.

([9] ) – حين تحدث رسول الله ﷺ عن البغي والهرج وهو كثرة القتل قال: (سيُصيبُ أُمَّتي داءُ الأُممِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، وما داءُ الأُمَمِ؟ قالَ: الأَشَرُ، والبَطَرُ، والتَّكاثُرُ، والتَّناجُشُ في الدُّنْيا، والتَّباغُضُ، والتَّحاسُدُ، حتَّى يكونَ البَغْيُ) وفي رواية حتى يكون البغي والهرج. فأرجع ﷺ منشأ البغي والهرج إلى شعور ينشأ في نفس الإنسان: الأشَر والبطرَ، وهذا الشعور يتولد عنه سلوك التكاثر والتناجُشُ (وهي الـمُزَايدة) في الدنيا، ثم يتوج بجريمة التحاسد والتباغض ثم يكون البغي والظلم. والأشَر والبطر فرح وخفة ثم دَهَش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها. أنظر الأصفهاني بتصرف

 -[10] سورة الأنفال الآية 73

 -[11] أنظر تفسير الآية في تفسير الطبري لابن جرير الطبري

 -[12] ياسين، عبد السلام: العدل : الإسلاميون والحكم، ص 533

([13] ) – سورة آل عمران الآية 104

 -[14] جملة (أو شعار) تُنسب إلى جمال الدين الأفغاني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.