قراءه في كتاب”التراث واشكالياته الكبرى”لمؤلفه الدكتور جاسم سلطان
عبد الصمد الخزروني
قراءه في كتاب “التراث واشكالياته الكبرى”
لمؤلفه الدكتور جاسم سلطان
عبد الصمد الخزروني
تقديم
الكتاب الذي بين يدي مؤلفه هو الدكتور جاسم سلطان، مفكر قطري وكاتب ومحاضر في أفكار النهضة. الكتاب ينضوي تحت سلسلة كُتب عديدة تهتم بالنهضة وشروط قيامها. عدد صفحاته 128، يتكون من تقديم ومقدمة وثلاثة فصول وخاتمة.
هذا الكتاب يعتبره الكاتب رحلة عمر مع التراث في محاولته التعرف على الأجزاء التي تؤثر في فاعلية الأمة اليوم. جاء الكتاب نتيجة نقاشات مستمرة مع الكثير من أهل العلم وطلابه.
المقدمة
يتحدث فيها الكاتب عن ضرورة التجديد في عالم الأفكار والعلاقات والمشاريع، وعن المعيقات الحائلة دون ذلك التجديد، والمتمثلة في: الخوف من السلطان، وطوق التقليد، وأزمة المنهج التي هي آلة تحويل الأفكار إلى واقع حيّ وتنزيلها عليه.
الفصل الأول: إشكالية قراءة التاريخ
يستعرض الكاتب في هذا الفصل الأزمة التي تعيشها الأمة، وقد حددها في كونها تعيش الحاضر وتفكر له بعقلية الماضي. ثم بين أن قراءة التاريخ ثلاثة أنواع:
الأولى: قراءة تحليلية تسعى إلى اكتشاف الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الحضيض.
الثانية: قراءة البحث عن الذات في الماضي باستدعاء نماذج من البطولات قصد الرفع من المعنويات.
الثالثة: قراءة البحث عن الحلول الجاهزة في الماضي لمشاكل الحاضر.
ويؤكد من خلال استعراض هذه الدراسات التاريخية الثلاثة أن هدف هذا الكتاب هو القراءة الأولى، أي البحث في التاريخ والعودة إلى الماضي لاكتشاف جذور مشاكل الحاضر في عمقها المعرفي الدفين في بيئتنا التراثية. لأنه كما يشير الكاتب، إلى أن هذه الأفكار الدفينة هي التي تفعل فعلها اليوم في الواقع سواء كان سيئا أم حسنا. مضافا إليها مشاكل عصرنا، مع الأخذ بعين الاعتبار المنجزات الصالحة التي يمكن البناء عليها والاستمرار في هذا البناء.
الفصل الثاني: إشكالية تثبيت القيم
يحدد الكاتب هذه الإشكالية في انفصال القيم عن الواقع، هذه القيم التي تحتاج لتنزيلها وتحويلها إلى واقع أن تمر بخمسة مراحل، وهي:
المرحلة الأولى: الجنينية وهي عبارة عن نصوص.
والمرحلة الثانية: النضج، وهي عبارة عن نقاشات فلسفية.
المرحلة الثالثة: التبني الواعي، وهي عبارة عن مبادئ.
والمرحلة الرابعة: الإجرائية، وهي عبارة عن تخطيط واستراتيجية لتحويلها إلى واقع وسلوك.
المرحلة الخامسة: مرحلة الحماية والتسييج، وهي عبارة عن آليات قانونية وغير قانونية لحمايتها.
ويؤكد الكاتب أن سبب هذا الانفصال بين القيم والواقع هو فقدان الفاعلية التاريخية، وهي الروح التي تدفع الإنسان الحامل للفكرة إلى العمل والعطاء في صناعة الحياة. هذا الانفصال -يضيف الكاتب-هو قطيعة في العلاقة مع النص.
الناس تحب أن ترى المشهد التاريخي من جانب الانجازات المشرقة فقط دون رؤية جانب الإخفاقات، مما جعلهم يفقدون التوازن في الصورة، ولذلك الهدف من هذا البحث هو الدخول إلى الجانب الذي تمّ التعتيم عليه من صورة هذا المشهد وهو الجانب الصعب فيه.
فكانت نقطة الانطلاق (بتقدير الكاتب) لإبراز هذا الجانب المعتّم من الصورة تبدأ ما قبل الإسلام، حيث الأفكار راكدة في الاعتقاد والعبادات والسلوك والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والصحة والدفاع والأخلاق والحقوق والنظام. ثم تمرّ بمرحلة التحول الذي وقع بمجيء الإسلام بأفكاره الحيّة التي تتمثل في جملة من المفاهيم والمبادئ التي غطّت كل مجالات الحياة. وتنتهي إلى الإشكالية التي وقف عندها الكاتب في هذا السياق من المشهد التاريخي، أن هذه المفاهيم والمبادئ مع الأسف بقيت قيما جنينية، لم تترقّ إلى بحثها حضاريا في عمقها الفلسفي حتى تصبح وعيا عاما مستقرا، أولا عند النخب، ثم ثانيا عند العامة من الناس.
وأمام غياب هذا الوعي العام الجمعي كانت النتيجة غياب المراحل الأخرى الباقية لتثبيت القيم. وقد استشهد الكاتب على هذه الإشكالية التي تفاقمت وتراكمت عبر التاريخ السياسي للأمة بمجموعة من المؤسسات الفكرية والعلمية، منها: المعتزلة والأئمة الأربعة. فكانت الخلاصات التي توصل إليها من هذا الاستشهاد الذي تضمن جملة من المواقف، ما يلي:
- أن شكل الدولة ليس له تصور واحد.
- أن آلية اختيار الحاكم لم يُتّفق عليها إلى اليوم.
- أن النزاع على سياسات الحاكم لم يوجد له تصريفا.
- أن الحرب بين جبهتين لم يُتوصّل لها إلى حل.
- أن الحكم الذي تحول من فلسفة الاختيار الى فلسفة القهر، لم يُخترع له حل.
- أن النص الديني أصبح يُوظف في تبرير الواقع الفتنوي المنحرف.
- أن القدر أصبح حجة لتبرير سوء العمل.
- أن أفكار سوء الزمان وانعدام الأمل هي العملة المنتشرة.
- أن التصورات حول الحكم تزداد اضطرابا وغموضا.
- أن العلاقة بين الحاكم والرعية مضطربة.
- أن التعصب المذهبي يتوسع، والاجتهاد توقف في مجال الفتوى.
- أن العلاقة بين التفكير الديني والتفكير الفلسفي غير مستقرة، مما أدى إلى مخاصمة العقل والخوف منه، فولد الخوف من العلوم التطبيقية.
الفصل الثالث: إشكالية العلوم الإسلامية
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن ثلاثية النص والمنهج والمنتَج، فيعتبر أن الدين هو النص الذي نطق به الوحي، والتراث والمنتَج هو التفاعل مع النص، كالتفاسير وأصول الفقه والفقه وغيرها من العلوم. فالأول مقدس، والثاني الذي هو المنتَج بشري عُرضة لقصور الفهم. ثم يبين الكاتب أن المقصد في هذا الفصل الثالث ليس هو الدراسة المعمقة لهذا الجهد البشري، وإنما المقصد هو التعرف على أهم الخطوط التي يتكون منها التراث، خاصة المناهج والتقريرات.
بعد ذلك عاد ليؤكد على ما توصل إليه في الفصل السابق متسائلا، كيف سمى النصُّ وعلى سقفُه في حين ابتعد عنه واقع المسلمين بمسافة كبيرة ولم يَعكسه في شيء من قيمه. وأن هذا الابتعاد أو الهوة بين النص والواقع لم يتم في لحظة واحدة بل المسار مرّ بمحطات ساهمت كل واحدة منها في هذا الابتعاد عن القيم الإسلامية الكبرى، وإلى اختيارات معرفية صنعت المشهد وأوقفت الأمة في وسط الطريق يتجاذبها العودة إلى الماضي والتقدم نحو المستقبل، فلا هي عادت ولا هي تقدّمت. والدليل ما أصبحت الأمة تدافع به عن نفسها بسلاح غيرها.
يربط الكاتب هذا الابتعاد بمجموعة من التحديات التي كانت مصدرا في كل هذه الأزمة، لخّصها في إشكالية العلوم الإسلامية.
أولا: تحدي علوم الحديث الذي يتمثل في مشكلة المدخلات، والحل يقترح صلابة المنهجية في التحقق من المرويات.
ثانيا: تحدي أصول الفقه، الذي يتمثل في مشكلة الأدوات، والحل يقترح آلية منضبطة وصارمة.
ثالثا: تحدي العقيدة الجبرية، الذي يتمثل في مشكلة الوعي الجماعي، والحل يؤكد على التحلي بالمسؤولية الجماعية والتوفيق بين الجبر والاختيار.
رابعا: تحدي التزكية، الذي يتمثل في مشكلة العلاقة بالدنيا واختيار الانسحاب والانعزال، والحل الواقعية والمشاركة في الحياة الاجتماعية.
خامسا: تحدي التفسير، الذي يتمثل في مشكلة تَقزّم المفاهيم (السقف والسقيفة)، وتجزّئها، والحل اعطاء المفاهيم القرآنية معناها الكامل، ووضعها في نسق جامع يربط بينها في نظرية عامة متكاملة.
فحتى يتم تجاوز هذه التحديات بجميع مشكلاتها مع الأخذ بتلك المقترحات، يؤكد الكاتب على أن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة جدا، لا تقف عند القيام بالعمل العلمي فقط، ولكن أن تتحول إلى مشروع حضاري.
خاتمة
وفي خاتمة هذا الكتاب، يشير الكاتب إلى إشكالية أخرى في الإرادة، وهي أزمة الاعتراف بالواقع بسبب الإحساس بالعجز. وحتى لا يضطر الإنسان المسلم لرؤية الفجوة العملاقة التي تفصله عن العصر الحاضر يكفي له أن يستهين به ويربط التقدم بقدرة الله إن شاء. فهذه العقلية المنتشرة يجب أن تُعالج بفقه الواقع، أما الحل العلمي لهذه المشكلة فهو في حسن إعداد الدعاة لفهم العصر أولا، ثم فهم الشريعة ككل ثانيا، ومن هذا الفهم المزدوج يولد عصر الإسلام الجديد.