تـكـتـونـيـة الـثـقـافـة في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد
مصطفى بوجناح
عند البحث في موضوع الثقافة وتناول أهم القضايا التي يثيرها، لابد أن يقف الباحث على مسألة مهمة لصيقة بهذا الموضوع، وهي أن الأجيال المتعاقبة لأي أمة من الأمم وأي شعب من الشعوب قد تناقلت مظاهر الثقافة الخاصة بها وكونت أهم ملامحها ومكوناتها وروافدها على امتداد عصور وأزمنة مديدة. وكل جيل يسلم ثقافته للجيل الذي يليه داخل المجتمع الواحد ويستودعه أمانة المحافظة عليها وتبليغها للجيل الذي بعده، على الرغم من أن كل مرحلة انتقالية لابد وأن يتمخض عنها ظهور صور جديدة ومظاهر ثقافية تفرضها طبيعة المرحلة وروح العصر الذي تنتمي إليه تلك الثقافة، مع الاحتفاظ طبعا بالملامح الكبرى التي تشكل هويتها وشخصيتها البارزة الكامنة في حمضها النووي إن صح التعبير.

لكن ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين الذي يعتبر قمة ما وصل إليه النسان من تطور علمي وتكنولوجي لم يسبق للبشرية منذ بدء الخليقة أن عاشت تجربة حضارية مماثلة، بدأ مفهوم الثقافة يأخذ أبعادا إبيستمولوجية وجيوستراتيجية حتمها عليه نظام العولمة الذي أصبح يبتلع بنهم متزايد كل المظاهر الفكرية والاجتماعية والثقافية التي لا تتلاءم وطبيعته الأيديولوجية. ونتيجة لذلك ظهرت مجتمعات بشرية معاصرة كانت بالأمس القريب تعيش في أحضان ما خلفته لها الأجيال السابقة من موروث مادي ولا مادي يندرج في إطار ما يسمى “ثقافة”. وهذا التحول العميق إلى بعيد جاء كرد فعل أو تجاوب لاشعوري منوم مغناطيسيا من قبل وسائل الإعلام والتواصل بشتى أنواعها، والتي ما تزال تتطور وتتفنن في تعميم ونشر الأفكار والسلوكيات المراد توزيعها وإقحامها في نمط عيش وتفكير الفرد والمجتمع على حد سواء.
غير أنه ـ والحال هذه ـ لا نقصد التقليل من قيمة الإعلام العالمي بوسائله المختلفة، ودوره الإيجابي في تقديم خدمات جمة للعالم أجمع، إلى درجة أنه إذا أردنا أن نقوم بدراسة إحصائية لمجمل الخدمات الإنسانية والنبيلة التي يقوم الإعلام بالسهر على تقديمها للمجتمع، فإنه من الصعب أن نتوصل إلى رقم إحصائي محدد، وذلك راجع إلى الكم الهائل من الخدمات التي يروجها الإعلام في كل وقت وحين بشكل يخدم مصلحة البشرية جمعاء. خصوصا عندما تكون حياة البشرية على المحك، كما هو الحال مع ما يعيشه العالم الآن من وقت عصيب بسبب انتشار تفشي فيروس كورونا القاتل.
إن بعض السلوكيات الثقافية للمجتمعات التي احتاجت زمنا طويلا لتتبلور وتتناسل من جيل إلى جيل، استطاع الإعلام ـ في عملية مماثلة ـ وبشتى وسائله السمعية والبصرية والمقروءة، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، أن يرسخ ثقافة موحدة اخترقت الوعي الجمعي للبشرية على وجه الأرض في أسبوعين فقط. والمقصود ما أصبح الفرد ملزما ومطالبا بفعله من إجراءات الوقاية الاحترازية اليومية، والتي لولا الإعلام لربما تطلب تقرير هذه الثقافة الوقائية بشكل عالمي شهورا أو سنوات معدودة. وهذا دليل على أن البشر بإمكانه ـ إذا توفرت الإرادة لذلك طبعا ـ أن يواجه المخاطر التي تهدد حياته وينخرط في كل ثقافة جديدة تحقق له هذه الغاية.
موفق أخي مصطفى.
موضوع يلامس الواقع أحييك.