النصرة بين الواجب الشرعي والتحدي الواقعي
النصرة بين الواجب الشرعي والتحدي الواقعي/ عبد الجليل المسرار
النصرة بين الواجب الشرعي والتحدي الواقعي
بقلم: عبد الجليل المسرار
تمهيد
تدافع الحق والباطل سنة ماضية لا تتوقف، وتُعدّ معركة طوفان الأقصى مثالاً صارخاً لامتداد هذا التدافع في واقعنا المعاصر، حيث يتجلى الظلم والاستضعاف من جهة، والثبات والجهاد والصبر من جهة أخرى. وفي قلب هذا المشهد تبرز «النصرة» بوصفها واجباً شرعياً وتحدياً واقعياً؛ فهي ميزان صدق الانتماء للإيمان والأمة، ومحكٌّ عمليٌّ لعقيدة الولاء للمؤمنين والبراءة من المعتدين.
أولا: النصرة كواجب عقدي وفقهي
النصرة في أصلها ليست تفضلاً ولا عملاً عاطفياً عابراً، بل هي جزء من عقيدة الولاء بين المؤمنين؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، ويقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، لتتأسس رابطة أخوة عملية تقتضي المحبة والنصرة والتعاطف. ومن مظاهر خلل الإيمان أن يفرح المسلم لانتصار الكافرين على المؤمنين أو يشمت بمصاب أهل الإيمان، وقد نص أهل العلم على أن الفرح بانكسار المسلمين والشماتة بجراحهم لون من ألوان النفاق ونقض لعهد الأخوة. مصداقا لقوله ل تعالى..﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
فقهياً، جاءت النصوص تقرر أن نصرة المستضعفين من المؤمنين واجبة، قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وجاء في الحديث: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله»، وفي نصوص أخرى أن من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة. وقد اتفق الفقهاء على وجوب إنقاذ النفس المعصومة من الهلاك لمن قدر على ذلك، بل قد يصل الأمر إلى القَوَد إذا تعمّد الترك مع القدرة، مما يدل على أن ترك النصرة مع الاستطاعة ليس خطأً أخلاقياً فحسب بل جناية شرعية.
ثانياً: النصرة بعد إيماني وتربوي
النصرة ثمرة طبيعية للأخوة في الله، وهي تجلٍّ عملي لمعنى «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» و«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم… كمثل الجسد الواحد». فإذا تألم جزء من جسد الأمة في فلسطين أو غيرها وجب أن تتحرك بقية الأجزاء شعوراً وموقفاً، دعاءً وبذلاً، فسلامة الإيمان تُقاس بدرجة التوجّع لمصائب المسلمين وبذل الجهد في دفعها.
كما أن النصرة سلوك تربوي يربط بين أعمال القلوب والجوارح؛ فالمحبة في الله، والتناصح في الله، والبذل في الله، كلها دوائر يكمّل بعضها بعضاً، وتظهر آثارها في الدعم المعنوي، وفي الإحساس المشترك، وفي الاستعداد للتضحية. لهذا نجد في سير السلف مواقف عملية؛ كمن كان يُخرج ما فضل عن حاجته كل ليلة ويقول: «اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به»، تطبيقاً لحديث «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له».
ثالثاً: النصرة كمنظومة اجتماعية وسياسية وقانونية
المجتمع المسلم لا تتماسك أوصاله إلا بالتناصر والتكافل؛ فبلاء أهل غزة أو القدس ينبغي أن يحرّك قلوب المسلمين وأيديهم في المشرق والمغرب، ويحوّل الأخوة الإيمانية إلى شبكات دعم وإغاثة ومقاطعة اقتصادية ومبادرات عملية. والتاريخ النبوي يقدم نماذج؛ من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إلى تكافل الأشعريين الذين كانوا يجمعون طعامهم في السفر ثم يقتسمونه بينهم بالسوية.
سياسياً، للنصرة بعدٌ واضح؛ فقد اشترك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة في حلف الفضول لنصرة المظلوم أيًّا كان، ثم جاءت «صحيفة المدينة» لتقرّر مبدأ «وإن النصر للمظلوم» و«وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة»، وبذلك أُدرجت نصرة المظلوم في أول دستور إسلامي. وفي العصر الحديث، ورغم وجود مواثيق دولية ومحاكم للعدل والجنايات، فإن المذابح المتتابعة في فلسطين والروهينجا والبوسنة وغيرها تكشف أن النصرة لا يمكن أن تُترك لاعتبارات القانون الدولي وحدها، بل يجب أن تنطلق من الواجب الشرعي، مع استثمار كل ما يتيحه القانون من مساحات إدانة وملاحقة للمعتدين.
قضائياً، الشريعة تقرر أن الأمة لا تُقدَّس حتى يُنتزع للضعيف حقه من القوي غير متَتَعْتِع، وتحرم الظلم حتى على أهل الذمة والمعاهدين، إلى حد أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد من ظلم معاهَداً بأنه خصمه يوم القيامة. والتاريخ يسجل مواقف مثل حكم قاضي سمرقند بإخراج الجيش المسلم من المدينة لما ثبت أن الفتح لم يلتزم ضوابط الدعوة والإنذار، في صورة فريدة من صور إنصاف المظلومين.
رابعاً: النصرة جهاداً ودفعاً للعدوان في طوفان الأقصى
في حالات الاحتلال والعدوان الصريح، تتجلّى النصرة في صورة الجهاد والدفع، قال تعالى في الاستنصار بالمستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. وبيّن العلماء أن قتال الدفع ضد العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا هو أوجب ما يكون بعد أصل الإيمان، لا تُشترط له شروط جهاد الطلب، ويتعين على أهل البلد ثم من يليهم حتى تُحمى بيضة المسلمين.
معركة طوفان الأقصى كشفت أن الاحتلال يمارس إرهاباً منظماً وإبادة جماعية، وأن كثيراً من قوى العالم متواطئة أو متغاضية رغم القرارات والبيانات، ما يجعل واجب النصرة على الأمة أوكد، أفراداً وجماعات ومؤسسات، بالمال واللسان والسنان، كلٌّ بحسب وسعه واستطاعته. ومن المؤلم أن استغاثات الحرائر والأطفال في غزة كثيراً ما لا تجد جواباً رسمياً يوازي حجم الجرم، لكن الأمل بعد الله في يقظة الأمة ووعي شعوبها وعلمائها ودعاتها.
خامساً: بين الواجب الشرعي والتحدي الواقعي – أدوار عملية
الواجب الشرعي للنصرة في طوفان الأقصى واضح بنصوص الوحي وأقوال العلماء؛ لكن التحدي هو في ترجمة هذا الواجب ضمن الواقع المليء بالقيود السياسية، والضغوط الدولية، وتشتت القرار، وضعف الإيمان أحياناً. وهنا تتوزع الأدوار:
- على مستوى العلماء والدعاة:
- ترسيخ أن نصرة فلسطين جزء من العقيدة، وليست قضية قومية أو عاطفية فحسب، وبيان أن الفتور أو التخذيل خلل في الإيمان.
- توجيه الفتوى والخطاب العام نحو دعم خيارات المقاومة المشروعة، ورفع التناقض بين الخطاب الشرعي والخطاب السياسي المتخاذل.
- على مستوى الشعوب والمجتمعات:
- تفعيل النصرة بالمال والإغاثة والصدقات والزكاة والأوقاف لصالح أهل الرباط، وربط ذلك بفقه إنقاذ النفس المعصومة وفضل تفريج كربات المؤمنين.
- الاستمرار في المقاطعة الاقتصادية، ونشر الوعي الإعلامي، وتنظيم الفعاليات الشعبية السلمية التي تكسر رواية العدو وتفضح جرائمه.
- على مستوى النخب القانونية والحقوقية:
- استثمار كل مسارات التقاضي الدولية لتوثيق الجرائم وملاحقة قادة الاحتلال، وعدم الرضوخ للضغوط التي تحاول تعطيل العدالة.
- بناء خطاب حقوقي متين يربط بين القيم الإسلامية ومبادئ القانون الدولي في مناصرة المستضعفين.
بهذه الرؤية تتضح «النصرة بين الواجب الشرعي والتحدي الواقعي» في طوفان الأقصى؛ فهي أمانة في عنق كل مسلم، وليست خياراً انتقائياً، وتبقى معركة الحق والباطل ميداناً لامتحان الصدق: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.