النوم عبادة الشباب…
بقلم: الدكتور وائل الزرد من فلسطين
درجَ على ألسنة كثير من الناس عبارة مفادها [النوم عبادة الظالمين] ولا أدري مصدر هذه العبارة، وأعتقد أنها ليست صحيحة أصلًا، فكم ظالم يدوم ظلمُه يقظة ونومًا، ويكفي أن نعلم أنَّ كثيرًا من الظالمين ينامون، ويبقى المظلومون يدعون عليهم، كما قال أحدُهم:
لا تظلمنَّ إذا ما كنتَ مُقتدرًا فالظلمُ يرجعُ عقباهُ إلى الندمِ
تنامُ عَيناكَ والمَظلومُ مُنتبهٌ يَدعُو عَليكَ وعَينُ الله لَم تَنمِ
وحديثي في هذا المقال المقتضب ليس عن الظلم ولا عن الظالمين، وإنما هو عن الشباب، نعم عن الشباب الذين، الذين -للأسف- بات كثيرٌ منهم لا همَّ له إلا: اللهو واللعب، والأكل والشرب، يصل الليل بالنهار نومًا وغفلةً، يعيش هذا [الكثير] حالةً من اللاهدف، يعيش حالةً من العبثية، يعيش حالةً الفراغ القاتل، يرى الطُّرُقَ أمامه مغلقة، والأبواب في وجهه موصدة، فيهرب من استحقاقات الحياة بالنوم، ويفر من متطلبات العُمر بالخلود إلى الفراش، يُفرغ بل يقتل شبابَه بالنوم، ويميت حياته بالموت الأصغر.
يُحزِنُنِي حَالُ هَذا [الكثير] مِنَ الشَّبَابِ -والله- …
أدخلُ بيوتَ بعضِ الأقارب والأصحاب، فأسألُ عن أحدِ أولادِهم فأتفاجأ بقولِهم: لا زالَ نائمًا، فأقول مستغربًا: إلى الان والساعة الثانية بعد الظهر، فتكون الإجابة: نعم لأنه يبقى سهرانًا طوال الليل ولا ينام إلا بعد الفجر!
وأتساءل في نفسي: مَا الذي أصاب الشباب حتى غدَوا لا يكترثون بوقت، ولا يعبأون بزمن، أصابتهم حالةُ من الذهول عن التفكير في المستقبل، استقر في أذهانهم أن الأحلام خيرٌ من اليقظة، كما النوم خيرٌ -عند- بعضهم من الصلاة، مَا الذي جعلهم يخلدون إلى فراش الراحة ولا يسلكون سبيل الضرب في الأرض، للبحث عن الرزق والخير؟ منَ الذي جمَّل في عيونهم حياة الدعة والخمول والكسل والعجز؟ منَ الذي جعلهم يرتاحون لحياة اللامسؤولية واللاهدفية؟
هل العيبُ فيهم؟ أم في الحكومات التي أوصلتهم لهذه الحالة؟ أم في الأهالي الذين ربَّوهم على تلبية كل طلباتهم، من مأكل ومشرب وملبس؟ أم في الشباب أنفسهم الذين أقنعوا أنفسَهم بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن أحلى ما في الحياة النوم؟؟؟
وطبعًا: كلامي ليسَ عنْ كلِّ الشبَاب، بلْ عَن كَثيرٍ منهم، وإلا فهناكَ شبابٌ في غزةَ يَضربونَ في الأرض، ويَكدُّون ويَكدحُون، يَحفُرون في الصخرِ لتكونَ أيديهِم عُليا، همَّتُهم عالية، وعزيمتُهم صادقة، وإرادتُهم قوية، لم يستسلموا، ولا قنطوا، ولا أُحبطوا، يرابطون طوال الليل، ثم ينامون بعد الفجر حتى السابعة والنصف، ثم ينطلقون في الثامنة للجامعة أو للعمل، لا ينامون إلا القليل، يعتقدون أنهم خُلقوا لأمرٍ عظيم، لا يَقعنون بالدُّون لأنهم يرومون العُلا، فأنعِم بهم من شباب، وأكرِم بهم من شباب، أكثرَ الله أمثالَهم في الأمة.
وتبقى المسؤولية علينا جميعًا في استنقاذ الشباب من حالة الفراغ التي يعيشون، ليشارك هؤلاء في صناعة الحياة وعمارة الدنيا، فالأمة بلا شباب أمةٌ ضعيفة هزيلة ولو امتلكت ترسانةً نووية.