جدُّ وهزل: هل وُجدتِ المرأةُ في حياة الرجل ـ الزّوجة بالخصوص ـ لتُفهم أم لتُحَبّ ؟! (ولا يقولنّ لي أحدكم خُلقتْ للأمرين معا فذلك ممّا يتعذّر جمعه !)
عبد الهادي المهادي
جدُّ وهزل: هل وُجدتِ المرأةُ في حياة الرجل ـ الزّوجة بالخصوص ـ لتُفهم أم لتُحَبّ ؟!
(ولا يقولنّ لي أحدكم خُلقتْ للأمرين معا فذلك ممّا يتعذّر جمعه !)
يقف الكثير من الرجال، ممّن حادثتهم في الموضوع، عاجزين بشكل شبه كلي أمام المنطق الذي تصدر عنه النساء في جلّ اختياراتهن وأذواقهن وتحليلاتهن. ولا يُخفي بعضهم لهفته الكبيرة في أن يستطيع فكّ شيفرة “أسلوب” تفكير المرأة. وتؤكد فئة من هؤلاء أنهم مستعدون للتخلّي عن نصف ما تبقى من أعمارهم مقابل أن يتمكنوا من الاطلاع على هذا السرّ العظيم !
ولا يدري كلّ هؤلاء أنهم بذلك يطلبون المستحيل، ودونه ولوج الجَمل في سمّ الخياط ! لأنهم يجعلون من “ذواتهم” المرجع النهائي، ويعملون على “وزن” عقل المرأة وعقليتها بميزانهم الذكوري، في الوقت الذي يجب أن يدركوا فيه أن “الذّكر” مخلوق، بينما “الأنثى” مخلوق آخر مختلف عنه. فليس الإنسان ـ على هذا المستوى ـ بنوع واحٍد، بل هو قسمان: ذكر وأنثى.
وغالب مَن يتهّمم بهذا الموضوع الأزواج؛ لأنهم كثيرا ما تحصل لديهم الدّهشة العميقة أثناء مراقبتهم لبعض تصرفات أزواجهم، ولأنهم كثيرا ما تحصل بينهم خصومةٌ وشرٌّ جرّاء هذا الأمر؛ طلاق أو فُرقة وتمايز، تتّسع بمرور الزمن، في الحضور والاهتمامات والعواطف.
باختصار مُخلّ؛ الرّجل يغلب عليه “العقل”، بينما تسيطر “العاطفة” على المرأة، والأسرة الناجحة هي تلك التي تستطيع التأليف بين هذين المكوّنين والرؤيتين والمنزعين. وانظر إلى الأسرة التي يغلب فيها العقل أو العاطفة على قُطبيها كيف تميل حياتها إلى “تّشنّج” كريه أو “تسيّب” مُهلهَل مُهلهِل.
ولأمر ما فشل الفقيه في مقاربة بعض القضايا الفقهية الخاصة بالمرأة، أو التي هي طرف أساسي فيها، مقاربة ترضيها، فبقيت تنظر للحلول التي صاغها الفقيه بالكثير من عدم الرضا والرّغبة في تطوريها. ولكن المشكلة ستبقى دائما مطروحة، وإن انبرت الفقيهةُ لمواجهتها ومراجعتها، لأن “الفقه” بطبيعته “عقلاني”، “قانوني”، فإذا جاءت المرأة لتُؤثله وتفرّعه وتقاربه، فربمّا تساهلت ىعاطفتها وأنوثتها في الوقوف عند الماهيات بصرامة، ومن ثمّة شرّعت للسيولة في ما يستوجب المعيارية والحدّيّة والثبات.
ولأمر ما فشل تولستوي، المصلح الاجتماعي والأديب العبقري، في التوصل إلى حلّ لمشاكله الزوجية، ولم يجد غير الفرار من البيت، في عزّ الزّمهرير، وهو في شيخوخته، هربا من “ذهنية” زوجته، التي طالما اشتكى من “عدم فهمها له ولذهنيته ومنطقه”، رغم أنه كتب ـ حسب علمي وذوقي واطلاعي ـ أحسن رواية ينطقُ فيها رجلٌ على لسان امرأة وبشعورها، وسماها “السعادة الزوجية”. وتلك رواية صاحبني إحساس غريب زمن قراءتها؛ إحساس حقيقي بأن تولستوي حوّله الله تعالى إلى أنثى يوم كان يكتبها !
لا أدري أين قرأتُ أن المرأة ـ في غالب الأحيان ـ ترغب أن يحبّها الرّجل لا أن يفهمها. وأزيد: لا أن يُحبّها فقط، بل أن يُعبّر لها، وبشكل دائم وبأساليب مختلفة، عن حبّه وعشقه، وتلك أسمى أمانيها، وستبقى تهرول خلف هذا المطلب دون أن تناله كلّه، لأن الكثير من الرجال المحبين لزوجاتهم إمّا لا يتقنون هذا الأسلوب ولا رغبة لهم في التّعلم، أو لا يهتمّون، أو يعرفون ولكنهم يبخلون، وبعضهم يعتبر ذلك عَيْبا، ويحسّ أن التعبير عن حبّهم مُضرّ بـ”رجولتهم”، مُهدّم لهيبتهم.
ليس كلّ مَن فهمتَه ستحبُّه، ولكن كلّ مَن أحببته ـ لاشكّ ـ ستفهمه، أو على الأقل ستتفهّم اختياراته وذوقه، وستفتّش له عن ألف عذر وعذر عند خطئه وخطيئته.
الحبُّ يصيّر الطبع حُلوا، ظريفا، بينما إرادة الفهم تجعل منه نمطا صعبا، وبرّيّا. لم يسقط على ذهني ـ وأنا أكتب هذه التدوينة ـ من نموذج أقرّبُ به فكرتي من ذهن القارئ أفضل وأحسن من شخصية المفكر والناقد عبد الرحمن بدوي؛ فهو ـ رحمه الله ـ لم تكن العواطف تعرف طريقا إلى قلبه مهما طالت هذه الطريق أو ضاقت، ولكنه كان عقلا كبيرا، وبركانا دائم التوقّد والاشتعال. أما الأديب توفيق الحكيم فكان ـ كما يُحكى عليه ـ كارها للمرأة، لأنه ـ فيما أعتقد ـ كان يبغض إحدى أهم صفة تحبها المرأة في الرجل؛ العطاء والكرم؛ فقد كان بخيلا بشكل قلّ نظيره حسب ما حكاه المقرّبين منه.