منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استعن بالله ولا تعجز

استعن بالله ولا تعجز/ د. محمد السقا عيد

0

استعن بالله ولا تعجز

بقلم: د. محمد السقا عيد

 

في لحظات الضعف واليأس، قد يشعر الإنسان أن الدنيا قد ضاقت به، وأن الأبواب أغلقت في وجهه، وأن الحلول انتهت. لكن الحياة ليست بهذا الشكل الذي نتصوره في لحظات الشدة؛ فهي ليست مسارًا مستقيمًا دائمًا، ولا طريقًا يخلو من العقبات. بل هي رحلة تتطلب منا صبرًا، وعزمًا، وإيمانًا، ووعيًا بأن القوة الحقيقية ليست في قدرة الإنسان وحده، بل في استمدادها من خالق الكون.

إن عبارة استعن بالله ولا تعجز ليست مجرد جملة تُقال في المواقف الصعبة، بل هي منهج حياة. هي دعوة صادقة للإنسان كي لا يترك اليأس يسيطر عليه، ولا يستسلم للفشل، بل يرفع رأسه إلى السماء ويطلب العون من الله، ثم يسعى بقدرته وبما يملك من إرادة وموارد.

الإيمان قوة.. لا عجزًا

عندما يضع الإنسان ثقته في الله، لا يعني ذلك أن يتوقف عن العمل أو يتخلى عن السعي، بل يعني أن يعمل ويجتهد وهو مطمئن القلب، مطمئن النفس، لا يتأرجح بين الأمل واليأس. فالإيمان يخلق في داخل الإنسان نوعًا من الطمأنينة التي تجعل الأزمات تبدو مؤقتة، والهموم أقل ثقلًا، والمستقبل أكثر وضوحًا.

الاستعانة بالله ليست ضعفًا

قد يظن البعض أن الاستعانة بالله علامة ضعف أو انكسار أمام الظروف، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فالاستعانة بالله تعني الاعتراف بحدود الإنسان وفهم أن القوة الحقيقية لا تأتي من الذات وحدها، بل من التوكل على من يدير الكون. فهي ليست استسلامًا، بل هي إدراكٌ أن الإنسان مهما بلغت قوته فهو محدود، وأن هناك قوة أعظم تُدبر الأمر وتفتح أبواب الفرج. وتبدأ الاستعانة بالله من داخل الإنسان، عندما يغير نظرته للمشكلة، ويتوقف عن الشكوى المستمرة، ويضع خطة واضحة ويبدأ خطوة، ثم يراجع نفسه ويصلح ما أفسده الإهمال أو الغفلة. وفي هذا المسار تتضح المعاني الحقيقية للقوة: أن يكون الإنسان واعيًا، يعمل بجد، ويستعين بربه دون أن يتهاون في السعي.

أمثلة واقعية تُثبت قوة هذه المعادلة

تُظهر الحياة اليومية أمثلة عديدة على أن “استعن بالله ولا تعجز” ليست مجرد عبارة نظرية، بل تجربة يعيشها الناس فعليًا. فهناك شاب فقد عمله فجأة بسبب أزمة، وكان أمام خيارين: إما أن ينهار ويستسلم، أو أن يطلب العون من الله ويبحث عن فرصة جديدة، فاختار الطريق الثاني، وتعلم مهارة جديدة ومارسها يوميًا حتى وجد فرصة أفضل وأصبح أكثر قوة وثباتًا. وهناك أم تحملت مسؤوليات كثيرة في تربية أبنائها، لكنها لم تيأس، بل استعانت بالله في كل لحظة، فكان صبرها ثمرة عظيمة، ونجحت في تربية أبنائها تربية صالحة. وكذلك طالب شعر بالفشل في دراسته، لكنه بدل أن يترك اليأس يسيطر عليه، وضع خطة يومية وبدأ يراجع ويستعين بالله بالدعاء، فشهدت درجاته تحسنًا واضحًا. وهذه الأمثلة ليست مجرد قصص عابرة، بل واقع يعيشه الناس يوميًا؛ فعندما يستعين الإنسان بالله تتغير نظرته للمشكلات، وتتحول الأزمات إلى فرص للتعلم والنمو.

لا تعجز… فالله أقرب

وفي النهاية، إذا أردنا أن نعيش حياة ذات معنى، فعلينا أن نؤمن أن القوة ليست في البشر وحدهم، بل في من بيده كل شيء. فاستعن بالله ولا تعجز، لأن العجز الحقيقي ليس في الفشل، بل في الاستسلام. ولا تنسَ أن الله لا يترك عبده الذي يطلبه، بل يفتح له أبوابًا لا يتوقعها، ويبدّل حاله من ضيق إلى فرج، ومن يأس إلى أمل. فلتكن حياتك عنوانًا للثقة، ولتكن خطواتك مليئة بالعمل والإيمان. وعندما تتعثر، تذكر أن الله أقرب إليك من حبل الوريد، وأن كلمة واحدة قد تغيّر مسار حياتك: استعن بالله ولا تعجز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.