منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة العلماء بين الحقيقة والوهم

طيبة إدريسي قيطوني

0

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مقدمة:

تعيش الأمة الإسلامية حالة من الضعف والتخبط والضياع، نتيجة بعدها عن شرع الله وتغييب دور علمائها، الذين أصبحوا كما مهملا لا قيمة له، للأسف نجد منهم فئة دعمت الظلم وبررت تصرفات الحاكم، باعت دينها بعرض من الدنيا قليق، وفئة أخرى تقوقعت وانعزلت وركزت على خلاصها الفردي فقط، لا تكترث لما يجري في العالم، وفئة صمدت وحافظت على أمانة التبليغ والدعوة والأمر بالمعروف ونهى عن المنكر والجهاد في الله دون خوف أو تراجع، وهي فئة قليلة، تتعرض للتضييق والسجن والتهديد المستمر.

فما هو فضل العلم والعلماء؟

وما هي المهمة الموكلة إليهم؟

ومن منهم على حق، العلماء بالحق، النافعين للخلق أم علماء الدنيا؟

شرف العلم والعلماء

لا يخفى على أحد من العقلاء فضل العلم والعلماء، ومكانة الدعوة والدعاة، فالعلم لغة نقيض الجهل وهو المعرفة، واصطلاحا: العلم الشرعي هو ما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والبينات، فقد حثنا الله سبحانه وتعالى على ضرورة اكتساب وأخذ العلم قائلا:” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”(1)، وفي الحديث: ” طلب العلم فريضة على كل مسلم”(2)، فيجب على كل مؤمن أن يأخذ من العلم بقدر ما يقيم به فرضه وسنته، ويتوسع في فقه الشريعة ما أمكنه، فمن العلوم العينية: كتاب الله تعالى تلاوة وحفظا وفهما، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دراسة واتباعا، وإتقان لغة القران لمحاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا (3).

العلم نور يقذفه الله تعالى في قلوب خيرة خلقه وصفوتهم، قال مالك رحمه الله:” ليس العلم بكثرة الرواية. إنما العلم نور يضعه الله في القلب” (4)، وعرفه الأستاذ عبد السلام ياسين على أنه “فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية” (5)، و قد رفع الله تعالى من شأن ومقام الفقيه العالم، حيث قال تعالى: “يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” (6)، وقال صلى الله عليه وسلم:” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” (7).

–        فالعلماء هم ورثة الأنبياء، حملوا مشعل العلم وعملوا به وبلغوه لخلق الله، هم القوم المجاهدون، المتهممون بمصيرهم وخلاصهم الفردي، ومصير الأمة وفلاحها في الدنيا والآخرة. وفي الحديث النبوي الشريف:” من سلَكَ طريقًا يبتغي فيهِ علمًا سلَكَ اللَّهُ بِهِ طريقًا إلى الجنَّةِ وإنَّ الملائِكةَ لتضعُ أجنحتَها رضاءً لطالبِ العلمِ وإنَّ العالمَ ليستغفرُ لَهُ من في السَّمواتِ ومن في الأرضِ حتَّى الحيتانُ في الماءِ وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائر الكواكبِ إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما انما ورثوا العلم، فمن اخذ به فقد أخذ بحظ وافر”(8)

–        هم القوامون لله، الشهداء الحق، القوامون بالقسط، لقوله تعالى:” شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم” (9)،

–        هم ولاة الأمر حقيقة الذين تجب طاعتهم، لقوله تعالى، ” يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا”(10)،

–        هم الذين  لا ينقطع نفعهم وذكرهم وأجرهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”(11)

وظائف العلماء العظمى

لاشك في أن العلم هو إمام العمل، والعلم الحقيقي هو العلم بالله والوحي، وطريقة تنزيله ، ومن هنا يستمد  العلماء رسالتهم التي يستحقون بموجبها التشريف الإلهي.

وفي هذا الصدد يؤكد الأستاذ علال الفاسي على مركزية مهمة العلماء وأنها امتداد للنبوة في الوظيفة لا الوحي بالطبع، قائلا:” إذا كان الأنبياء قد بلغوا الدين وحملوا الرسالة، فمهمة العلماء هي حفظ ذلك الميراث وتبليغه بكل أمانة، والنضال في سبيله بمختلف الوسائل وابتكار هذه الوسائل نفسها. وذلك ما يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين” رواه البيهقي “(12)

و يمكن تلخيص مهام العلماء في ثلاث نقاط كبرى:

1- نصح وإرشاد وتربية أئمة المسلمين وعامتهم:

أول رسالة للعالم الذي يخشى الله ويتحقق فيه قول الله تعالى: ” إنما يخشى الله من عباده العلماء”(13)، هي التغلغل في الشعب وغشيان مجالس الخاصة والعامة وإسداء النصح لهم وتقويم سلوكهم وتعديل اعوجاجهم وجمعهم على الله توبة وعبادة وقربا، وتوكلا ومحبة، و خوفا ويقينا، وحكمة وعملا صالحا، حتى يوفق العبد للاستواء على الصراط المستقيم الموافق للكتاب والسنة والفوز برضى الله عز وجل.

يقول الأستاذ أحمد الفراك: ” التربية الإيمانية اليقينية المتكاملة المتوازنة هي التي تودع في القلب حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم والتعاون على البر والتقوى، والتصديق بوعد الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم، وتغرس في العقل حكمة وسدادا وفهما عن الله، وتحفز الجوارح استجابة وقوة ورحمة بخلق الله ومخلوقاته. تربية فردية وجماعية، تجمع وتنظم وتؤلف وتوجه وتحرض المؤمنين على التقوى بكل معانيها. عن معاذ بن جبل، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الإمام احمد:” إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد”. “(14).

و يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:” لكي يقول العالم المبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته، ولكي يبذر بذرته في النفوس ويغرس غرسته في الأجيال يلزمه أن يصمد في وجه التيارات المعاكسة، وأن يغشى مجالس الناس، ومحافل السياسة، وأسواق الإعلام، ومناشط التعليم، ومرافق الحياة الاجتماعية، ومناطق نفوذ الفيلسوف الملحد، ومقاصف اللاهي الغافل. يغشى، ويصمد، ويصبر، ويخاط الناس ويصبر على أذاهم. لا كالذي يجعل شعار ثورته الثائرة        والهائجة على العالمين: الموت لمن ليس معي، والوبال على من خالفني والسيف على عنق من قال برأسه هكذا. سمت الأنبياء والرسل عليهم السلام الصبر على حمل الرسالة، والعالم المبلغ المربي وارث لآخرته حارث، رفقه من تمام علمه، وعلمه إن خانه الحلم إنما هو وقود لهياج مكفر منفر. (15)

2-توحيد الأمة وجمع كلمتها على الحق:

من أبرز المهمات التي يجب أن يقوم بها العالم هي التأليف وجمع شتات الأمة والبحث عن خيوط التواصل مع مختلف مكونات المجتمع وطوائفه حتى يدعوهم لتحكيم شرع الله تعالى والنهوض بالأمة الإسلامية وتخليصها من الظلم والاستبداد والتفرقة والبعد عن الله، الأمر الذي يستدعي حكمة وأناة وبصيرة حيث يقول عز من قائل، ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (15)، خصوصا في زمن الغثائية الذي نعيش فيه، كثرة في العدد ونقص في الجودة والنوعية، أصابنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، كما وصفنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قائلا: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ” (17)

على العالم الواعظ الرباني أن يعالج بالإقناع، وعلى الله الهداية. وعلى المسلمين أن يتوحدوا لصد الطغيان الجاهلي وتحرير الإنسان من تفرعنه، ومن الله القوة. سلطان وقران. اجتهاد وجهاد” (18)

وقال الأستاذ عبد السلام ياسين أيضا في رسالته: “تطلب العلم- العلم بالله وبشرع الله أولا- من المهد إلى اللحد وإلا انغلقت وانتهيت وختم على عقلك بالعقم. كن عالم مسجد وواعظ حلقة وجليس عامة، ومربي ناشئة، لا تكن عالم نخبة، مسترسلا في كبرياء مكانته. نعوذ بالله من شيطنة الكبرياء. إن الواعظ الحكيم القدوة بالمثال والتواضع الصادق لهو النبراس في الظلام، لا مسعر الحروب الكلامية الجدلية ضد الأنام. إن فقيه القلوب يسقي الناس من زلال محبة الله ومحبة رسول الله لهو الشفاء”.

3- استمرارية حمل مشعل الدعوة وتسليمه لأيدي أمينة:

الرسالة العظمى للعلماء هي حفظ الدين ونشره وإحياء القلوب الموات بإذن الله وتجديد الإيمان بالله وموعوده ،وإقامة التوازن بين متطلبات الروح والجسد، بين عبادة الله وحسن معاملة خلقه، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، فأول ما يهتم به ديننا الحنيف هو صناعة الإنسان الصالح المصلح الجدير بمهمة الاستخلاف في الأرض ذكرا كان أم أنثى، وتربيته تربية سليمة حتى يكون خير خلف لخير سلف.

يقول الأستاذ أحمد الفراك: “من واجب العلماء والأئمة والخطباء أن يشرحوا للناس ويبينوا لهم الخيرية والوسطية والاستخلاف والتمكين بمعانيها القرآنية النبوية الناصعة التي لا يزيغ عنها إلا هالك، لا كما يحرفها المؤولون، ويقلصها المتفيهقون. قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:” من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب، ونورت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة”. مع اليقين في أن الله عز وجل لا بد أن يغير حال الأمة اليوم إلى أحسن حال إن هي استوفت الشروط، ولا بد أن يبعث لها من يجدد لها أمر دينها. مع العلم أن أمر التمكين ليس مرحلة ونزهة قصيرة، بل لا بد من شرط الوقت والجهد والبذل ومواتاة سنة الله في الإنسان وفي الكون وفي الحياة، ولا بد من توحيد الجهود وتجميع الطاقات وتنسيقها بغية العمل الجماعي الدؤوب، لان ما أفسدته قرون الغفلة والقعود والانحطاط لا يمكن إصلاحه في لحظات، ولا هو في مقدور ذوات نكرات متفرقات” (19)

فالعلم نور، ونور الله لا ينطفئ أبدا، ومهمة العلماء أن يوصلوه وأن يسري من قلوبهم إلى قلوب تلاميذهم، علماء المستقبل، وإلى عامة الناس وخاصتهم.

العلماء الربانيون وعلماء الدنيا:

ينقسم العلماء إلى قسمين: علماء الآخرة وهم الربانيون، وعلماء الدنيا وهم علماء البلاط.

1 علماء الآخرة: باعوا أنفسهم لله تعالى، وأعرضوا عن جميع المغريات الدنيوية الفانية، أدوا مهمتهم عل أحسن وجه بإتقان وحكمة، هم العلماء الربانيون، الزاهدون، العاملون، المجاهدون في سبيل الله، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ، يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، هم قدوتنا، يقفون بجانب المستضعفين والمظلومين والمقهورين دائما ويقومون في وجه كل ظالم، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ان من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر” (20)، قدوتهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان أمثال ساداتنا أبي بكر وعمر والحسين والعز بن عبد السلام والإمام مالك والإمام أحمد… واللائحة طويلة، صبروا وصمدوا وابتلوا وأعدوا للفقر جلبابا، ومنهم من عذب ومنهم من قتل وما بدلوا تبديلا رضي الله عنهم أجمعين.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” علماء الآخرة نفوس تنظر آيات الله في الكون اعتبارا، وتقرأ آيات الله المنزلة في الكتاب ذكرا لله واصطبارا. قرأوا في الصفحات الأولى من المصحف الشريف أن الكتاب فيه هدى للذين هم بالآخرة يوقنون، وقرأوا في المصحف أن الذين لا يومنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد. فاشمأزت نفوسهم من نفوسهم التي لا تتغير عن تحجر قساوة، ولا تتحول من رخاوة حضارة وجفاء بداوة، ولا تستقيم على طريق صلاح ونقاوة”. (21)

وجاء في رسالة العلماء للأستاذ احمد الفراك: كتب الملك العباسي إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه، “ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوه منك، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها “، فكتب المنصور، تصحبنا لتنصحنا. فأجابه، من يطلب الدنيا لا ينصحك ومن يطلب الآخرة لا يصحبك”(22)

كان أمثال هذا الرجل الفذ جعفر الصادق يتجنبون مخالطة الملوك والرؤساء خوفا على دينهم من الضياع وعلى مبادئهم من الضعف، وليقينهم أن مخالطة الظالمين مذلة وخنوع ومهانة.

2– علماء الدنيا: هم علماء القصور، يخافون من الملوك ومن سوطهم، ويحرصون على أخذ عطاياهم وهباتهم، ويبيعون الآخرة بالدنيا الفانية، يتنافسون على المناصب ويكنزون الأموال مقابل السكوت عن الحق والوقوف بجانب الظالمين، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر إلا قليلا، ومنهم من يجلد العامة بلسانه ويبدع ويكفر دون رقيب، ومنهم من يلقي الخطب والمحاضرات ويسكت عن المناكر والظلم والاستبداد والقهر والفساد.

يقول الأستاذ احمد الفراك: “لقد ضاعت الأمة بالسيف حينا وبالسكوت حينا، أو بهما معا، فلا السيف ضمن للأمة السيادة ولا السكوت حافظ لها على العزة. ديدان القراء ووعاظ السلاطين الذين باعوا الدين بالتين قوم لا رجولة إيمانية لهم، يغنون أناشيد المجد عند أقدام الظالمين، يسوغون شنيع فعالهم، وينفخون في زبد أفعالهم. وعظهم قسوة على المستضعفين وتزلف وخنوع للحاكمين… تجد بعضهم فرسانا على المنابر، وقططا أليفة في حجر الطغاة الظالمين. هؤلاء ليسوا قدوة لأحد من المسلمين. إنما قدوتنا العلماء العاملون بعلمهم. ”

و جاء في الرسالة العلمية للإمام عبد السلام ياسن: ” إخواننا علماء الدين وفقهاء الفتوى وعمار المساجد هم عدتنا بعد الله تعالى غدا، إن كان بعضهم من عمائم السلطان أكل من طعام الوقت واثر العافية في ظلال الحاكم الوريفة، فان القدر يوم يدق دقتهن وإن الطوفان يوم يجرف جرفته، كفيلان أن يفتحا أعين مومنين سددوا وقاربوا، وأخطأوا. وما هو إلا اللمم يصيب منه المرء في غفلة نفس ونزغة شيطان. ”

في عهد النبوة والخلافة عاشت الأمة قمة الازدهار والعدل والتربية الإيمانية الاحسانية، وكان العلماء من الصحابة مكرمين ولهم كامل الحرية في القيام بواجبهم الدعوي والتربوي، لكن الأزمة بدأت مع الانكسار التاريخي وبداية الملك العاض، وبدأ التضييق على العلماء ومحاولة إخضاعهم للقصر ولمصالح السلطان، وتعذيب ومحاربة من يرفض ذلك، واستفحل الوضع وازداد سوءا مع الانتقال لمرحلة الملك الجبري، وأصبح العلماء كما مهملا غير مرغوب فيه باستثناء علمائهم الذين يدافعون عن مصالح أسيادهم، وأصبح أهل القران بدون قيمة، لا يذكرون ولا يدعون إلا في المناسبات الدينية كشهر رمضان، وأبعدوا من الساحة، فانحط المسلمون بانحطاط العلماء، لكن رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين، نور الله لا ينقطع والخير لا زال في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا ينقطع أبدا، وحبل الله مممدود ومتصل بسند وبصحبة من صحب المعلم الأعظم والمربي الأكمل سيدنا محمد صلوات الله عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: ‏”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ” (23)

فلنعظم شأن علمائنا العاملين، فهم أهل التقوى و، وأهل الحل والعقد، هم العاملون بما علمهم الله تعالى، هم مشايخنا وكبراؤنا وفي عزهم عزنا وقربنا من خالقنا.

قال عالم حر، معتز بعلمه، صائن له بالعمل والتقوى:

يقولون لي: فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

إذا قيل:هذا مورد، قلت: قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما

و لم ابتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

أأغرسه عزا وأجنيه ذلة إذا فاتباع الجهل كان أحزما

و لو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

و لكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما (24)

خاتمة:

على علمائنا الأفاضل الاستعانة بالله أولا، ثم بذل الجهد الكافي لتوحيد ما تفرق وإصلاح ما أفسده الظالمون وإيقاظ الهمم من أجل إخراج الأمة من هذا المأزق، فما ينقصنا فعلا هو الإحسان والإتقان في العمل، فمن عرف رسالته وأيقن أن مهمته لن يقوم بها غيره جد واجتهد وبادر واقتحم جميع العقبات وجدد النية أولا ووسطا وآخرا، فقد حان الوقت ليستمر الصادقون وينسحب المدعون. و على علمائنا أن يفرضوا كلمتهم في الساحة ويطالبوا وبقوة بإشراكهم في القرارات وبتواجدهم في المجالس الاستشارية خصوصا، ينصحون ويوجهون ويجمعون الأمة جمعاء على كلمة الحق، ويعملون جاهدا لنصرة المظلوم وإقامة العدل في الأرض، حتى يعود للأمة الإسلامية مجدها، وكرامتها، وإيمانها، وهبتها، وينصرها الله عز وجل على من عاداها، ويرفع رايتها.


المراجع:

(1) سورة الزمر:9

(2) أخرجه ابن ماجه 224 وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1\\8-9

(3) ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي: ط2، 1989، ص114

(4) ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي: ط2، 1989، ص113

(5) ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي: ط2، 1989، ص113

(6) سورة المجادلة: 11

(7) أخرجه الترمذي في الجامع (2645) وابن خزيمة في حديث ابن حجر (435) قالا ثنا علي بن حجر

(8) أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682) واللفظ له، وابن ماجه (223)، وأحمد (21715)

(9) سورة آل عمران: 18

(10) سورة النساء، آية:59

(11) رواه مسلم (1631)

(12) الفاسي، علال. المهام الكبرى للعلماء محاضرة. 1959

(13) فاطر: من الآية 28.

(14)الفراك، أحمد. رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، مطبعة جودة، الرباط، ط1، 2014، ص22

(15) ياسين، عبد السلام. الرسالة العلمية: ط1، 2001، ص 40-41

(16) سورة النحل، آية:125

(17) رواه أحمد وأبو داود

(18) ياسين، عبد السلام. الرسالة العلمية: ط1، 2001، ص:31

(19) الفراك، أحمد. رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، مطبعة جودة، الرباط، ط1، 2014، ص 28-29.

(20) رواه الامام الترمذي، وقال: “و في الباب عن أبي أمامة وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه” (4/471)

(21) ياسين، عبد السلام. الرسالة العلمية: ط1، 2001، ص50

(22) الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله، حلية الأولياء، مكتبة السعادة، مصر، ص: 192

(23) الطبراني في المعجم الأوسط 6/323-324/6527 , وابن حجر في توالي التأنيس بمعالي إدريس ص46 , من طرق عن ابن وهب.

(24) كتاب الإحسان للأستاذ عبد السلام ياسين

الرسالة للامام الشافعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.