مدارس التفسير وأهميتها في ضبط النص القرآني
سامية الفشتالي
مدارس التفسير وأهميتها في ضبط النص القرآني
إعداد:
سامية الفشتالي
كوثر مزيان
أسمــــاء البــــــركي
مقدمة
علم التفسير من أشرف العلوم وأجلها، وأعظمها بركة، وأحسنها أثراً، وأوسعها معرفة، وحاجة الأمة إليه ماسة في كل زمان ومكان؛ وذلك لافتقارهم إلى بيان ما أنزل الله في كتابه من الهدى، وجواب ما أشكل عليهم فهمه، وخفي عليهم علمه. وقد شرف الله أهل التفسير ورفع قدرهم، وأعلى شأنهم إذ جعلهم مرجعاً لعباده في فهم كلامه وبيان مراده، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً. ومعرفة طالب العلم بفضل علم التفسير وجلالة قَدْرِه وعلو شأنه مما يعينه على تعلمه بجد واجتهاد، وأخذه بقوة عزيمة وإقبال نفس.
بيان فضل علم التفسير
ومن أقبل على طلب العلم باجتهاد وحرص وعزيمة قوية صادرة عن معرفة حسنة بقَدْرِ العلم الذي يطلبه رجى له أن يوفق الحسن طلبه، وإدراك بغيته، والتمكن من العلم الذي يطلبه إذا أحسن طريقة الطلب وأيده الله بتوفيقه.
وفضائل علم التفسير كثيرة متنوعة، وفوائده لطالب العلم في نفسه خاصة، ولأمته عامة عظيمة جليلة؛ لتعلقه ببيان معاني كتاب الله تعالى، وقد قال الله جل وعلا: “قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرا ممّا كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم مّن اللّه نور وكتاب مّبين يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام ويخرجهم مّن الظّلمات إلى النّور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم”.
وقال تعالى: “يأيّها النّاس قد جاءكم برهان مّن رّبّكم وأنزلنا إليكم نورا مّبينا فأمّا الّذين ءامنوا باللّه واعتصموا به، فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما”.
المبحث الأول: مفهوم التفسير لغة واصطلاحا وأهمية التفسير والحاجة إليه.
المحور الأول: مفهوم التفسير لغة واصطلاحا.
- التفسير في اللغة:
التفسير في اللغة الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى (ولا يأْتُونَك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً)[1] أي بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفَسْر، وهو الإبانة والكشف، ومنه: فَسَرعن ذراعه: إذا كشفها.
قال الفيروز أبادي: الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير”[2].
وقال ابن منظور: “الفَسر البيان فسر الشيء يفسِره، بالكسر، ويفْسُره، بالضم، فسراً وفسره أبانه، والتفسير مثله (…) والفَسْر كشف المغطى والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل”[3].
قال الزبيدي: الفسر الإبانة وكشف المغطى أو كشف المعنى المعقول كالتفسير والفعل كضرب ونَصَر يقال: فسر الشيء يفْسِره ويفْسُرُه وفسره أبائه والتشديد أعم والفَسْر، أيضاً: نظر الطبيب إلى الماء، ليستدل به على المرض[4].
وقيل: هو مقلوب من “سَفَر” ومعناه أيضا الكشف يقال: سفرت المرأة سفورا إذا القت خمارها عن وجهها وهي سافرة وأسفر الصبح أضاء.
ويطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق، تقول: فسرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري[5].
بناء على ما سبق فإن مادة “فسر” تدور حول معنى الكشف المادي المحسوس، والكشف المعنوي المعقول.
- التفسير في الاصطلاح:
تعددت تعاريف العلماء للتفسير، منها ما يأتي:
أ- قال أبو حيان: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها. وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتَتِماتُ لذلك فقولنا علم هو جنس يشمل سائر العلوم وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءات وقولنا ومدلولاتها، أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم، وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، ومعانها التي تحمل عليها حالة التركيب شمل بقوله التي تحمل عليها ما لا دلالة عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد، فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على غير الظاهر، وهو المجاز، وقولنا. وتتمات لذلك هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح بعض ما انْبَهم في القرآن، ونحو ذلك[6].
ب- قال الزركشي: “التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ”[7].
قال الزرقاني: التفسير “علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية”.
والمراد بكلمة “علم” المعارف التصورية أو التصديقية على خلاف بين العلماء في ذلك وخرج بقولنا “يبحث فيه عن أحوال القرآن” العلوم الباحثة عن أحوال غيره.
وخرج بقولنا “من حيث دلالته على مراد الله تعالى” العلوم التي تبحث عن أحوال القرآن من جهة غير جهة دلالته، كعلم القراءات فإنه يبحث عن أحوال القرآن من حيث ضبط ألفاظه وكيفية أدائها، ومثل علم الرسم العثماني فإنه يبحث عن أحوال القرآن الكريم من حيث كيفية كتابة ألفاظه، والمعارف التي تبحث عن أحوال القرآن من حيث إنه مخلوق أو غير مخلوق فإنها من علم الكلام وكذلك المعارف الباحثة عن أحوال القرآن من حيث حرمة قراءته على الجنب ونحوها فإنها من علم الفقه.
وخرج بقولنا “بقدر الطاقة البشرية” لبيان أنه لا يقدح في العلم بالتفسير عدم العلم بمعاني المتشابهات ولا عدم العلم بمراد الله في الواقع ونفس الأمر.
وعرفوا علم التفسير أيضا بأنه علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله وسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام”.
وعرفوا التفسير تعريفا ثالثا بأنه “علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تعمل عليها حال التركيب وغير ذلك كمعرفة النسخ وسبب النزول وما به توضيح المقام كالقصة والمثل”[8].
المحور الثاني: أهمية التفسير والحاجة إليه.
- أهمية علم التفسير:
نقل القرطبي في تفسيره عن إياس بن معاوية أنه قال: “مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب”[9].
فعلم التفسير من أجل العلوم الإسلامية وأرفعها قدرا وأعلاها شأنا، يدل على أهميته ما يأتي:
أ- أن موضوعه هو كتاب الله عز وجل، الذي يعد أجل وأصح وأشرف كتاب على وجه الأرض.
ب- أن الغاية من تنزيل القرآن الكريم في هداية الخلق عن طريق الاسترشاد بتعاليمه، وذلك يتوقف على فهم كتاب الله تعالى.
ج- أن سائر العلوم في خدمة القرآن الكريم، فتفسير القرآن الكريم غاية، وتعلم العلوم الأخرى وسيلة فعلوم البلاغة مثلا وسيلة إلى الكشف عن بلاغة القرآن الكريم وسر إعجازه، وعلم الفقه وأصوله وسيلة إلى كشف تشريعاته وأحكامه، وعلم النحو والصرف كلاهما وسيلة إلى ضبط ألفاظه وفهم معانيه وعلم الكلام والجدل وسيلة إلى تجلية عقائده ومساندتها بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، والعلوم الكونية والطبيعية وسيلة إلى الكشف عما أودعه الله تعالى كتابه واسترعى إليه أنظار عباده من دلائل قدرته، وأسرار ملكوته، وعجائب مخلوقاته التي بثها الله سبحانه في الأنفس والأفاق، وهكذا سائر العلوم مهما كثرت وعلا شأنها، كلها مسخرة لخدمة القرآن الكريم.
- الحاجة إلى علم التفسير:
قال السيوطي أما وجه الحاجة إليه، فقال بعضهم: أعلم أن من المعلوم أن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه أنزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة، وفي أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح وإنما أحتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة:
أحدها: كمال فضيلة المصنف فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له.
وثانيها: إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارع لبيان المحذوف ومراتبه.
وثالثها: احتمال اللفظ لمعان كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السهو والغلط أو تكرار الشيء أو حذف المبهم وغير ذلك فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
فالتفسير هو مفتاح هذه الكنوز والذخائر التي احتواها هذا الكتاب المجيد النازل لإصلاح البشر وإنقاذ الناس وإعزاز العالم وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى هذه الكنوز والذخائر مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن وتوفروا على قراءته كل يوم ألف مرة بجميع وجوهه التي نزل عليه.
وفائدة التفسير في التذكر والاعتبار ومعرفة هداية الله في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ليفوز الأفراد والمجاميع بخير العاجلة والآجلة. ويتبين أيضا أن هذا العلم من أشرف العلوم الدينية والعربية، إن لم يكن أشرفها جميعا، وذلك لسمو موضوعه وعظم فائدته[10].
المبحث الثاني: مدارس التفسير
المحور الأول: التفسير بالمأثور تعريفه، أقسامه، أنواعه، أشهر أعلامه، أهم مصادره.
- تعريفه:
والمراد به ما جاء في القرآن الكريم نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما نقل عن أصحابه رضي الله عنهم من ذلك واختلفوا فيما نقل عن التابعين رحمهم الله تعالى هل هو من التفسير بالمأثور أم لا، وعلى هذا فإنهم يعرفون التفسير بالمأثور بأنه: “التفسير الذي يعتمد على صحيح المنقول والآثار الواردة في الآية فيذكرها، ولا يجتهد في بيان معنى من غير دليل، ويتوقف عما لا طائل تحته، في معرفته ما لم يَرِدْ فيه نقل صحيح”. ولا فائدة
أقسام التفسير من حيث إمكانية تحصيله:
قال الزركشي رحمه الله: “روى عبد الرزاق في تفسيره حدثنا الثوري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام: “قسم تعرفه العرب في كلامها وقسم لا يعذر أحد بجهالته يقول من الحلال والحرام وقسم يعلمه العلماء خاصة وقسم لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه فهو كاذب”.
وفيما يأتي تفصيل هاته الأقسام:
1- تفسير تعرفه العرب بألسنتها: هو ما يرجع إلى لسانهم من اللغة والإعراب
فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ، تم إن كان ما يتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم؛ كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين. وإن كان يوجب العلم أي الاعتقاد. لم يكف ذلك؛ بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر.
وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى: وجب على المفسر والقارئ تعلمه ليوصل المفسر إلى معرفة الحكم ويسلم القارئ من اللحن. وإن لم يكن محيلا للمعنى؛ وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن ولا يجب على المفسر، لوصوله إلى المقصود بدونه.
2- تفسير لا يعذر أحد بجهله: وأما ما لا يعذر أحد بجهله فهو ما تبادر إلى الأفهام معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد. وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى. فهذا القسم لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)[11] وأنه لا شريك له في إلهيته وإن لم يعلم أن “لا” موضوعة في اللغة للنفي، و”إلا” موضوعة للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)[12] ونحوها من الأوامر طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود، وإن لم يعلم أن صيغة أفعل مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا، فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.
3- تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى: ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجري مجرى الغيوب نحو الآي المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه إما نص من التنزيل أو بيان من الذي صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة على تأويله فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه.
4- ما يرجع إلى اجتهاد العلماء: وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك باستنباط الأحكام وبيان المجمل، وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه اعتمادا على الدلائل والشواهد دون مجرد الرأي”[13].
التفسير بالمأثور وأنواعه:
يشمل التفسير المأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وما نُقل عن الصحابة رضوان الله عليم وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.
وإنما أدرجها في التفسير المأثور ما روى عن التابعين وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ذكر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وما رُوِى من أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقل من التابعين في التفسير[14].
وتفصيل هاته الأنواع في العناصر الآتية[15]:
1- تفسير القرآن بالقرآن:
مثال ما جاء في القرآن قوله سبحانه (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)[16] فإن كلمة من الفجر بيان وشرح للمراد من كلمة الخيط الأبيض التي قبلها وكذلك قوله سبحانه: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لتكونن من الخاسرين)[17] فإنها بيان للفظ (كلمات) من قوله تعالى (فتلقى ادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)[18] على بعض وجوه التفاسير وقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)[19]. فإنها بيان للفظ (ما يتلى عليكم) من قوله سبحانه: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)[20]، وقوله تعالى (لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأدْخَلَتْكُمْ جَنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل)[21] فإنها بيان “للعهدين” في قوله سبحانه: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)[22] الأول للأول والثاني للثاني. وقوله تعالى (وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب)[23] فإن كلمة (النجم الثاقب) بيان الكلمة الطارق التي قبلها وغير ذلك كثير يعلم بالتدير الكتاب الله تعالى.
2- تفسير القرآن بالسنة:
ومثال ما جاء في السنة شرحا للقرآن أنه فسر “الظلم” ب “الشرك” في قوله سبحانه (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)[24] وأيد تفسيره هذا بقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم)[25] وفسر الحساب اليسير بالعرض حين قال: “من نوقش الحساب عذب” فقالت له السيدة عائشة: أو ليس قد قال الله تعالى: (فَأَما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً)[26] فقال صلى الله عليه وسلم “ذلك العرض”[27] “بيانا للحساب اليسير”.
وكذلك فسر الرسول صلى الله عليه وسلم “القوة” و “الرمي” في قوله سبحانه: (وأعِدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِن قوة)[28] وفي صحيح كتب السنة من ذلك شيء كثير.
وكلا هذين القسمين لا شك في قبوله: أما الأول فلأن الله تعالى أعلم بمراد نفسه من غيره وأصدق الحديث كتاب الله تعالى. وأما الثاني فلأن خير الهدي هدي سيدنا محمد ووظيفته البيان والشرح، مع أنا نقطع بعصمته وتوفيقه قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[29].
3 – تفسير القرآن بما صح عن الصحابة رضوان الله عليهم:
قال الحاكم في المستدرك: إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع، كذلك أطلق الحاكم، وقيده بعضهم بما كان في بيان النزول ونحوه مما لا مجال للرأي فيه وإلا فهو من الموقوف.
ووجهة نظر الحاكم ومن وافقه، أن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا وعاينوا من أسباب النزول ما يكشف لهم النقاب عن معاني الكتاب ولهم من سلامة فطرتهم وصفاء نفوسهم وعلو كعبهم في الفصاحة والبيان ما يمكنهم من الفهم الصحيح لكلام الله، وما يجعلهم يوقنون بمراده من تنزيله وهداه.
4- تفسير القرآن بما نقل عن التابعين:
وُجد من التابعين من تصدى للتفسير، فروى ما تجمع لديه من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بَعُد الناس عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
أشهر أعلام التفسير بالمأثور:
من أشهر أعلام التفسير بالمأثور:
– سفيان بن عيينة ( 198ه)
– شعبة بن الحجاج ( ت 160ه)
– إسحاق بن راهوية (238هـ)
– ابن جرير الطبري (ت 310هـ)
وليس في تفاسير هؤلاء إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، ما عدا ابن جرير فإنه تعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وذكر الإعراب والاستنباط[30].
أهم مصادر التفسير بالمأثور وبعض خصائصها:
واكتفينا بنموذج تفسير جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير الطبري (310هـ)
ابن جرير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، كان فريد عصره ووحيد دهره، علما وعملا وحفظا لكتاب الله وخبرة بمعانيه وإحاطة بالآيات ناسخها ومنسوخها وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها وبأحوال الصحابة والتابعين.
لذلك كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لما ورد عن الصحابة والتابعين، عرض فيه لتوجيه الأقوال ورجح بعضها على بعض وذكر فيه كثيرا من الإعراب واستنباط الأحكام وقد شهد العارفون بأنه لا نظير له في التفاسير.
قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله. وقال أبو حامد الأسفراييني شيخ الشافعية: لو رحل أحد إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا عليه.
ومن مزاياه أنه حرر الأسانيد وقرب البعيد وجمع ما لم يجمعه غيره. غير أنه قد يسوق أخبارا بأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها وقلنا إن عذره في ذلك هو ذكر السند في زمن توافر الناس فيه على معرفة حال السند من غير توقف على تنبيه منه، وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع وهو عمدة لأكثر المفسرين.
المحور الثاني: التفسير بالرأي تعريفه، أقسامه، منهجه، أهم الكتب المؤلفة فيه.
- تعريفه:
والمراد بالرأي الاجتهاد وعليه فالتفسير بالرأي عبارة من تفسير القرآن بالاجتهاد[31].
وقد يبذل المفسر جهده وتتوافر فيه شروط المفسر فيحمد تفسيره، وقد لا يكون صاحب هوى أو لا تتوافر فيه شروط المفسر فيذم تفسيره.
وبهذا يظهر أن التفسير بالرأي ينقسم إلى قسمين:
– الأول التفسير بالرأي المحمود
– الثاني التفسير بالرأي المذموم.
التفسير بالرأي المحمود:
وهو التفسير المستمد من القرآن ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان صاحبه عالم باللغة العربية، خبيرا بأساليبها، عالما بقواعد الشريعة وأصولها.
والمفسر -هنا- يبذل جهده ووسعه في فهم النص القرآني وإدراك معناه مستندا إلى اللغة، والنصوص، والأدلة الشرعية.
ولعل هذا النوع هو الذي دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهم بقوله “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل” وفيه وقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في معنى الآية فأخذ كل واحد برأيه على مقتضى نظره في المقتضي كما قال الزركشي[32]
- حكمه:
أجاز العلماء رحمهم الله تعالى التفسير بالرأي الذي يستند إلى اللغة، ونصوص الشريعة ولهم أدلة كثيرة على قبوله منها:
1- قوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)[33].
2- وقوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)[34].
وقوله سبحانه (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)[35].
وغير ذلك من الآيات التي تدعو إلى التدبر في القرآن وإعمال الذهن في آياته، والتذكر.
2- واستدلوا بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل” فلو كان التفسير مقصورا على النقل لما كان لابن عباس مزية على غيره، فدل ذلك على أن المراد أمر آخر وراء النقل والسماع وهو التفسير بالرأي والاجتهاد[36].
3- واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في تفسير القرآن على وجوه، فدل على أنه من اجتهادهم.
وبهذا يظهر أن التفسير بالرأي المحمود جائز، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى “فأما من تكلم – يعني في التفسير – بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه”[37].
التفسير بالرأي المذموم:
وهو التفسير بمجرد الرأي والهوى، فهو تفسير لا يستند إلى نصوص الشريعة وأكثر الذين فسروا القرآن بمجرد الرأي هم أهل البدع والمذاهب الباطلة فقد اعتقدوا معتقدات باطلة وآراء زائفة ليس لها سند ولا دليل ثم أرادوا أن يستدلوا لها من القرآن الكريم فلم تطاوعهم النصوص على ما ذهبوا إليه ففسروها بآرائهم وحملوها ما لا تحتمل كما قال ابن تيمية عن هؤلاء “إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا اعتقدوا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المفسرين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم[38].
- حكمه:
وهذا النوع من التفسير حرام لا يجوز، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى “فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام”[39].
والأدلة على تحريمه كثيرة من الكتاب ومن السنة ومن أقوال الصحابة والتابعين.
فمن الكتاب:
قوله تعالى (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)[40] والتفسير بمجرد الرأي قول على الله بغير علم وقوله تعالى “وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون”[41] وقوله (لنبين للناس ما نزل إليهم)[42] فأضاف البيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن السنة:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار”[43]، وحديث “من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ”[44].
ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم:
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى “روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم[45].
فمن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه “أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم”[46] وفي رواية “إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم”[47].
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنير “وفاكهة وأبا”[48] فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال إن هذا لهو التكلف يا عمر[49].
وعن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها[50] قال ابن تيمية – إسناد صحيح –[51].
وسأل رجل جندب بن عبد الله عن آية من القرآن فقال له: أخرج عليك إن كنت مسلما لما قمت عني أو قال: ان تجالسني[52].
منهج التفسير بالرأي:
ويسمى هذا اللون من التفسير (التفسير بالاجتهاد) و(التفسير بالدراية) و(التفسير بالعقل).
نشأته:
نشأ هذا التفسير في عصر مبكر في الإسلام، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يفسرون ما لم يرد تفسيره بالقرآن ولا في السنة باجتهادهم وكذلك فعل بعض التابعين رحمهم الله تعالى وكان المفسرون على هذا النحو من الصحابة والتابعين يستندون في تفسيرهم إلى المقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع.
واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن نشأت الفرق والمذاهب المنحرفة التي فسرت آيات القرآن وفق مذاهبهم الفاسدة وآرائهم الباطلة غير مستندين إلى شرع ولا إلى لغة صحيحة وإنما مجرد الرأي والهوى.
فوقع – لهذا الاختلاف في التفسير بالرأي، فمنهم من أجاز التفسير بالرأي ومنهم من منعه.
أدلة المانعين من التفسير بالرأي:
وللمانعين من التفسير بالرأي أدلة عديدة منها:
1- النصوص القرآنية التي تنهى عن القول في القرآن بغير علم مثل قوله تعالى “ولا تقف ما ليس لك به علم”[53].
وقوله سبحانه “وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون”[54].
2- الأحاديث التي تحرم القول في القرآن بغير علم كقوله صلى الله عليه وسلم “من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار”[55] وما رواه جندب “من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ”[56].
3- أن قوله تعالى “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون”[57]. قد أضاف البيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فدل هذا على أن غيره لا يجوز له بيان القرآن.
واستدل المجيزون للتفسير بالرأي بأدلة منها:
1- النصوص القرآنية الكثيرة التي تدعو إلى التدبر في آيات القرآن واستنباط معانيه كقوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن) [58] وقوله سبحانه (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته[59] وقوله عز شأنه (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلم الذين يستنبطونه منهم)[60] وأمره بالتفكر بعد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يبين القرآن للناس في قوله سبحانه (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)[61] وغير ذلك من الآيات.
2- دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”[62] يدل على جواز التفسير بالرأي إذ لو كان التفسير مقصورا على النقل لما كان لتخصيص ابن عباس رضي الله عنهما بهذا الدعاء فائدة لاستوائه مع غيره فيه، ولكان دعاؤه لابن عباس رضي الله عنهما بحفظه لا بفقهه وعلم تأويله، فدل على أن المراد بالدعاء أم آخر غير النقل هو التفسير بالرأي والاجتهاد.
3- أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في تفسير بعض الآيات على وجوه ولو كان التفسير عن طريق النقل وحده ما وقع الاختلاف بينهم، فدل على أن تفسيرهم لما كان بالرأي. الرأي الراجح:
أن التفسير بالرأي منه ما هو جائز ومنه ما هو ممنوع.
فالتفسير الجائز هو التفسير بالرأي المحمود وعليه تحمل أدلة المجيزين للتفسير بالرأي. والتفسير المحرم هو التفسير بالرأي المذموم وعليه تحمل أدلة المانعين من التفسير بالرأي.
ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أقوال الأئمة في التخرج من التفسير بالرأي: “فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها من أئمة السلف محمولة على تخرجهم عن الكلام في التفسير ما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة ة وشرعا فلا حرج عليه”[63].
- أهم الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي المحمود:[64]
والكتب المؤلفة في هذا اللون من التفسير كثيرة جدل قديما وحديثا ومنها:
1- مفاتيح الغيب: فخر الدين الرازي.
2- أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين البيضاوي.
3- مدارك التنزيل وحقائق التأويل: أبو البركات النسفي.
- ومن الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي المذموم:
1- تنزيه القرآن عن المطاعن: عبد الجبار الهمداني المعتزلي.
2- الكشاف: محمود الزمخشري المعتزلي.
3- مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي.
المبحث الثالث: اشكالية قراءة النص القرآني وتطور آليات فهمه
إن تتبع تاريخ التفسير ومناهجه منذ وجوده الأول إلى يومنا هذا يجعلنا ندرك أن من قضاياه المحورية، اشكالية قراءة النص القرآني كنص محوري لسه والتي لم تقتصر على الاختلاف حول ما ورد فيه من معاني ومدلولات بل ارتبطت بشكل ونيق بالاختلافات حول كيفية قراءته وطبيعة الآليات والوسائل المُنْتهجَة فيها، وقد وُجدت من الزمن الأول لنزول الوحي القرآني على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واستمرت طيلة العصور إلى غاية يومنا هذا، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو المفسر له، باعتباره المؤسس الأول لما عرف بعلوم القرآن الكريم كوسائل أولية لفهمه، وكطرق لفظّ مختلف الخلافات الحاصلة بين الصحابة وبين المسلمين وغير المسلمين في قراءته لكن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، تبلورت اشكالية قراءة النص القرآني بوضوح أكثر مقارنة مع فترة النبي من الله عليه وسلم، أن تجسدت بعض الاختلافات فيما يتعلق بفهمه وآلياته في الوقت نفسه مثلا: كما أسلفنا الذكر حول التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي في ثم انتقلت إلى الاختلاف بين المذاهب الكلامية والصوفية في تأويله واستمرت طيلة العصور اللاحقة في أشكال متباينة ومتعددة لقراءات النص القرآني إلى يومنا هذا.
المحور الأول: ما معنى إشكالية قراءة النص القرآني؟ ولماذا تطرح؟
إن تطور البحث الفلسفي في الفترة المعاصرة، بين وجود إشكالية القراءة للنصوص بمختلف أنواعها. إشكالية قراءة النص القرآني قديمة في وجودها معاصرة في طرحها ومقاربتها، فهي تعني قراءة النص القرآني في مختلف القراءات التي عرفها في تاريخه لكي نكتشف، ونخترق ما أنتجته من دلالات ومعان وهو الذي لا يحقق إلا بمعرفة الأدوات والآليات أي المنهج الذي أتبعه العلماء لما أسلفنا الذكر مثلا. في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي واعتمدوا عليها في مختلف العصور.
لماذا نطرح إشكالية قراءة النص القرآني؟
تطرح اشكالية قراءة النص القرآني كمسألة فلسفية معقدة لدواع متعددة منها ما ترتبط بتطور الوقائع ومنها ما يرتبط بتطور المعارف والعلوم ويمكن تتبع أسباب وجودها كما يلي:
-حاجة القرآن الى الفهم عبر العصور. حسب تطور الواقع ومستجداته باعتباره النص المحوري للحضارة العربية الإسلامية، لأنها حضارة أنبتت أسسها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه[65].
-أهمية وخطورة مسألة القراءة باعتبارها مجالا وميدانا لمعارك لغوية وفقهية ونقدية دارت رحاها حول فهمه.
-مرونة النص القرآني وقابليته للتأويل والفهم المتعدد.
وتنوع وتعدد آليات قراءة النص القرآني بحيث يمكن القول أن سبب وجود إشكالية للفهم في فهمه مرده وجود إشكالية في المنهج المناسب لاستخراج معانيه.
تتطور مناهج قراءة النصوص يعتبر سببا جوهريا لتبلور إشكالية قراءة النص القرآني لأن “المنهج ليس إلا طريقا او عدة طرق عقلية يمكن استخدامها في حل مشكلة ما وهو يتميز بتطوره الدائم باعتباره أداة ترتبط بمرحلتها التاريخية من حيث التطور العلمي نفسه ومن حيث تطور المحيط الاجتماعي والتاريخي وهو أداة فاعلة قد تتفرع منها أدوات جديدة أكثر فاعلية تنتقل بالعلم نقلة جديدة[66] وفي مجال القرآن الكريم عرف تطورا كبيراً انتقال من علوم القرآن إلى التفسير إلى التفسير بالمأثور إلى التفسير بالرأي إلى التأويل بأنواعه المختلفة وإلى استخدام أدوات التحليل المعاصرة كالتفكيك، ذلك هو مسار تطور المنهج الذي كان جنبا إلى جنب مع تطور مسار إشكالية قراءة القرآن الكريم.
الأرضية الأولى لطرح إشكالية قراءة النص القرآني:
إن الأرضية الأولى التي تشكلت فيها كل الاختلافات حول كيفية التعامل مع النص القرآني ترتبط بالميلاد الأول لوجوده، والذي أصبح في نظر مختلف الفلاسفة وعلى رأسهم أركون العلبة السوداء التي تحمل الكثير من الخبايا والأسرار في مجال قراءة النص وتطبيق الآليات المعاصرة في ميدانه ويتعلق بجانبين:
الأول: يرتبط بشكل القرآن الكريم بعد نزوله الأول. وذلك من حيث لغته أو نطقه أو كتابته حين كان يقرأ في إطار الأحرف السبعة.
الثاني يتعلق بالتعامل مع مضمون القرآن الكريم بعد نزوله والذي مفاده وجوده اختلاف في كيفية تعامل الصحابة وغيرهم من فئات المجتمع مع سوره وآياته.
إذن فبناء على ما سبق يمكن القول أن الطرح المبكر لإشكالية القراءة في القرآن الكريم ارتبط بآليات قراءته الأولى:
وهي:
علوم القرآن التي أكد ابن خلدون (ت1406م) أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المؤسس لها. وذلك لأنه من بيّن وطرح عدة مسائل تتعلق بالقرآن الكريم كانت محل استفسار من الصحابة حيث كان عليه الصلاة والسلام يبين المجمل ويميّز الناسخ من المنسوخ ويُعرِفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا أسباب نزول الآيات ومقتضى الخال منها منقولا صلى الله عليه وسلم[67].
الخاتــمة:
في الختام، يمكن القول أن مذاهب التفسير المختلفة تلعب دورًا حيويًا في ضبط وفهم النص القرآني. توفر هذه المذاهب تنوعًا وغنى في التفسيرات التي تسهم في تقديم رؤية شاملة ومعمقة للآيات القرآنية. من خلال الاعتماد على مصادر موثوقة مثل القرآن الكريم، الأحاديث النبوية، أقوال الصحابة والتابعين، ومن خلال استخدام العقل والتأمل، تسهم مدارس التفسير في تعزيز الفهم الصحيح للنصوص الدينية.
تعمل هذه المذاهب على تجنب التفسير الفردي والانتقائي الذي قد يؤدي إلى التأويل الخاطئ، وتساهم في تحقيق الوحدة والتفاهم بين المسلمين. كما أنها تدعم الاجتهاد والتفكير المستقل، مما يعزز من تطور الفكر الإسلامي وتلبية احتياجات العصر الحديث.
إن التعمق في مذاهب التفسير والاهتمام بها يعكس أهمية احترام وتقدير النص القرآني والعمل على فهمه بشكل صحيح ومدروس. من هنا، يجب على المسلمين أن يسعوا دائمًا إلى التعلم والتدبر في القرآن الكريم بتوجيهات علمية دقيقة ومستندة إلى تراث فكري غني ومتنوع.
ختامًا، فإن الالتزام بمذاهب التفسير يسهم في الحفاظ على وحدة الفكر الإسلامي وتوجيه المسلمين نحو الفهم الصحيح لنصوص القرآن الكريم، مما يعزز من القيم والأخلاق الدينية ويقوي علاقة الفرد بربه ومجتمعه.
لائحة المصادر والمراجع:
– القرآن الكريم.
– الكتب:
- ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير.
- ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، لبنان ط1، 2004.
- ابن منظور، لسان العرب.
- أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت ط 1420 هـ.
- أبو زيد نصر حامد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي بيروت لبنان.
- بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم،
ط 1، 1376هـ – 1957م، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. - تفسير ابن كثير ج 4.
- تفسير الطبري ج 1.
- تفسير القرطبي.
- حسن الذهبي، التفسير والمفسرون.
- صحيح البخاري.
- الفيروز أبادي، القاموس المحيط.
- مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع عبد الرحمان بن قاسم وابنه محمد ج 13.
- محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط3.
- مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس: تحقيق مجموعة من المحققين، دار البداية، بدون طبعة وبدون تاريخ.
[1] الفرقان: 33
[2] الفيروز أبادي القاموس المحيط مادة “فسر”
[3] ابن منظور، لسان العرب مادة “فسر”
[4] مرتضى الزبيدي (المتوفى 1205ه)، تاج العروس من جواهر القاموس: تحقيق مجموعة من المحققين، دار البداية، بدون طبعة وبدون تاريخ مادة ” ف س ر” (بتصرف)
[5] أبو حيان البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل دار الفكر بيروت ط 1420هـ (1/26).
[6] أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) البحر المحيط في التفسير تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت ط 1420 هـ (1/26).
[7] بدر الدين الزركشي (ت 194 ه)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 1، 1376هـ – 1957م، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاؤه (1/31).
[8] محمد عبد العظيم الزرقاني (ت 1367 ه) مناهل العرفان في علوم القرآن، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط3، بدون تاريخ (2/9) (بتصرف)
[9] تفسير القرطبي: (1/26).
[10] الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن (2/6).
[11] سورة محمد الآية 20.
[12] سورة المزمل الآية 10.
[13] الزركشي، البرهان في علوم القرآن (2/164-167).
[14] حسن الذهبي، التفسير والمفسرون (1/112).
[15] الزرقاني، مناهل العرفان (2/12-13).
[16] سورة البقرة من الآية 186.
[17] سورة الأعراف الآية 22.
[18] سورة البقرة من الآية 36.
[19] سورة المائدة الآية 04.
[20] سورة المائدة من الآية 02.
[21] سورة المائدة من الآية 13.
[22] سورة البقرة من الآية 39.
[23] سورة الطارق الآيتان 2-3.
[24] سورة الأنعام الآية 83.
[25] سورة لقمان من الآية 12.
[26] سورة الانشقاق 7-9.
[27] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب.
[28] سورة الأنفال من الآية 61.
[29] سورة النحل الآية 44.
[30] الزرقاني، مناهل العرفان (2/28).
[31] التفسير والمفسرون: الذهبي ج 1 من 255.
[32] البرهان في علوم القرآن، الزركشي ج 2 ص 121.
[33] سورة القمر الآية 17.
[34] سورة محمد الآية 24.
[35] سورة ص الآية 29.
[36] التفسير والمفسرون الذهبي، ج 1، ص 263.
[37] مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية ص 114.
[38] مجموع فتاوى ابن تيمية: جمع عبد الرحمان بن قاسم وابنه محمد ج 13 ص 358.
[39] مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية ص 105.
[40] سورة الإسراء الآية 36.
[41] سورة البقرة الآية 169.
[42] سورة النحل الآية 44.
[43] رواه الإمام أحمد في مسنده ج 1 ص 233 ورواه الترمذي في سننه ج 5 ص 199 كتاب “تفسير القرآن” وقال: “حديث حسن صحيح”.
[44] رواه الترمذي ج 5 ص 200 وأبو داود ج 3 ص 320.
[45] مقدمة في أصول التفسير ابن تيمية ص 107.
[46] المرجع السابق، ص 108.
[47] تفسير الطبري ج1 من 87.
[48] تفسير ابن كثير ج 4 ص 501 وقال هو إسناد صحيح.
[49] تفسير ابن كثير: ج 4 من 501 وقال هو إسناد صحيح.
[50] تفسير الطبري ج 1 ص 86.
[51] مقدمة في أصول التفسير ابن تيمية ص 110.
[52] تفسير الطبري ج 1 ص 86.
[53] سورة الإسراء من الآية 36.
[54] سورة الأعراف من الآية 33.
[55] رواه الإمام أحمد ج 1 ص 233 والترمذي ج 5 ص 199 وقال (حديث حسن صحيح).
[56] رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 320.
[57] سورة النحل الآية 44.
[58] سورة النساء الآية
[59] سورة ص الآية 29.
[60] سورة النساء الآية 83.
[61] سورة النحل الآية 44.
[62] رواه الإمام أحمد في مسنده ج 1 ص 766 وصححه الألباني في الشرح الطحاوية ص 234.
[63] مقدمة في أصول التفسير ابن تيمية ص 114.
[64] لا يعنى هذا سلامتها من الخطأ وإنما المراد سلامة طريقتها في التقسيم إجمالا وإلا ففي بعضها أخطاء كثيرة وعلى تفاوت بينها.
[65] أبو زيد نصر حامد الخطاب والتأويل المركز الثقافي العربي بيروت لبنان من عبد الهادي عبد الرحمان سلطة النص، ص 29.
[66] عبد الهادي عبد الرحمان، سلطة النص، ص 29.
[67] ابن خلدون عبد الرحمن المقدمة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، لبنان ط1، 2004، ص 459.