منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 مساهمة المعرض الإقليمي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بأزيلال في خلق تنمية جهوية والتعريف بالمنتوجات المحلية

سلمى لكريمي 

0

 مساهمة المعرض الإقليمي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بأزيلال

في خلق تنمية جهوية والتعريف بالمنتوجات المحلية

سلمى لكريمي 

   تتوفر جهة بني ملال _خنيفرة على مجموعة من المؤهلات الجغرافية والاقتصادية والتاريخية وعلى موروث تراثي ميز الجهة، مما أنتج لنا مكونات غنية ومتنوعة، انقسمت إلى نوعين مختلفين لكن يكملان بعضهما البعض، وهمـا التـراث الثقافـي المـادي والتـراث الثقافـي غيـر المـادي، إلا أنه في هذا المقال سنركز على الجانب اللامادي الذي يشـمل الصناعـة التقليديـة واللبـاس والحرف و المنتوجات الفلاحية المحلية من خلال الدراسة الميدانية التي أجريت بمدينة أزيلال حيث نظمت “المعرض الإقليمي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني” الذي ترأسه الكاتب العام بعمالة أزيلال بحضور رئيس الجماعة وأعضاء المجلس، وباشا المدينة، وقائدة الملحقة الثانية لأزيلال، وعدد من رؤساء المصالح الأمنية والخارجية.

 

   وجاء هذا المعرض في نسخته الثانية، دورة يونيو 2024، أيام 9،8،7،6،5، من طرف تعاونية تيروار  أزيلال، بمناسبة الذكرى 19 لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بمشاركة اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية، من أجل دعم المنتجات المحلية والإقليمية عبر خلق فضاء للتعاونيات والمنتجين لعرض منتوجاتهم والتعريف بها وتسويقها، كما يضم 36 تعاونية محلية وإقليمية، تساهم في الترويج للاقتصاد المحلي والتسويق للوجهات السياحية، وجذب مجموعة من المشاركين لتعزيز  التنمية المحلية. ويعتبر ذلك محور أساسي لأشكال التراث الثقافي بكل مكوناته ورافده كتعبير عن الهوية المحلية و الوطنية بكل خصوصياتها الثقافية والحضارية والتاريخية، وكذا الحرف التقليدية وما تمثله من إرث ثقافي غني يتناقل من جيل إلى جيل كدليل على الاستمرارية الثقافية المحلية وخصوصياتها المتفردة.

   وفي إطار ذلك، قام أساتذة مختبر التاريخ والتراث الجهوي بني ملال- خنيفرة و مسار التميز مسلك التثمين والمحافظة على التراث الجهوي، في شخص الأستاذة سعاد بلحسيين والأستاذ الحسن بودرقا و الأستاذ كمال أحشوش، بلقاء علمي لتدارس حيثيات العمل الميداني وطرق الاشتغال في هذا المجال مع ضبط مجموعة من الجوانب التي تخص منهجية البحث الأكاديمي ونتائجه على مستوى الجهة، هذا مع رصد واقع التعاونيات ومدى تأثيرها على الجانب الثقافي والاقتصادي والتنموي، في خلق رواج سياحي على المستوى الداخلي والخارجي، وكذا إبراز الهوية الثقافية للبلد عن طريق عرض المنتوجات الأصلية التقليدية والمتمثلة في اللباس والزرابي والمنتوجات الفلاحية والأدوات الحرفية والحلي إلى غير ذلك من المعروضات التي تمثل جهة بني ملال خنيفرة وخصوصياتها، هذا مع ذكر الإكراهات التي تواجه التعاونيات في السير قدما، وخلق تنمية مجالية وإيجاد فرص للشغل وكذلك تثمين الترواث والمؤهلات بالجهة.

    انطلاقا من ذلك، شارك طلبة مسار التميز مسلك التاريخ والتراث، التثمين والمحافظة على التراث الجهوي لبني ملال _خنيفرة، في هذه التظاهرة الثقافية والمتمثلة في “المعرض الإقليمي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني” من خلال إنجاز تقرير على مكونات هذا المعرض وطريقة تسويق المنتوجات المعروضة  والتعريف بها، وقد لقي الطلبة استقبالا جيدا من طرف المنظمين، مما سمح بتسهيل عملية البحث، وحتى من جانب الطلبة أبانوا عن تواصل جيد مع أصحاب التعاونيات مما خلق روح من التعاون في تقديم المعلومة بكل تفاصيلها.

     تقودنا هذه المحاولة إلى بناء رؤية تصورية عن خصائص المدينة ومؤهلاتها في محاولة استجلاء تمثلات الساكنة المحلية والمنتخبين في المدينة ومدى فعاليتهم في الأنشطة الاقتصادية و الثقافية وحتى التجهيزات الأساسية، وهذا يدفعنا إلى معرفة الانطباع السائد لدى الساكنة باختلاف شرائحهم وانتمائهم المجالي، وكيف يساهمون في إعطاء المدينة صورة تسويقية جيدة وجعلها مركز للتنمية المحلية، خاصة أنها تتوفر على مؤهلات طبيعية من أشجار  متنوعة ومثمرة كما أن مجالها يحتضن أنواع خليات النحل التي تنتج عسل ذا جودة عالية لتوفر المنطقة على أنواع عديدة من الأعشاب، إضافة إلى مجالها رعوي يفيد في إنتاج المادة الحيوانية من لحوم وصوف وجلود، والتي  يمكن جعلها مركز قوة للجدب السياحي والأنشطة الاقتصادية التقليدية و العصرية، وهذا يعد من شروط الاقلاع التنموي.

       وطبعا هذا لا يخلو من بعض الإكراهات التي صرح بها المستجوبين المكلفين بالتعاونيات مثال تعاونية ” إكمير تورتيت”  منطقة آيت عباس، على مستوى جلب المادة الخام والعراقيل التي يعانون منها بخصوص المسائل القانونية في تصدير بعض المنتوجات المصنعة من خشب الكركاع والعرعار  والدردر  والصنوبر على اعتبار أنها غير مرخصة رغم محاولة أعضاء التعاونية في الحصول على رخصة قانونية إلا أن كل جهة إدارية تخلي مسؤوليتها من ذلك، رغم أنها تحترم كل المعايير التي تحددها المديرية الجهوية للمياه والغابات وسائر الإدارات المسؤولة على  المجال الجغرافي لإقليم أزيلال، حيث يتم اقتلاع الأشجار المعمرة التي لم تعد تنتج الثمار، أو التي تقع في مكان يعيق توسيع منزل. ومن هنا نستنتج رغم اشتغال التعاونية بطريقة تقليدية وعصرية فإن الإنتاج يظل قليلا لا يلبي حاجيات السوق مادامت التعاونية لا تحصل على رخص قانونية للحصول على المادة الخام وتحويلها إلى منتوجات على شكل أواني منزلية ذات جودة عالية تعبر عن الأصالة والهوية الثقافية للجهة، وبالتالي هذا الأمر يعرقل عمل التعاونية واستمرارها كما يساهم ذلك في عدم خلق فرص شغل واحتضان الحرفة وحمايتها من الاندثار.

 

      انطلاقا من سياسة المدينة التي توضع من طرف الدولة والجماعات الترابية بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني. من أجل تنمية مندمجة تشاركية، تم التفكير في مجموعة من الآليات لمعالجة المشاكل التي تعرقل الإقلاع التنموي وتساهم في توفير الإمكانيات الاقتصادية ونوع المشاريع التي تلائم المنطقة وحتى البنى التحتية من شبكات كهربائية ومائية وطرقية ورقمية وربطها بالشروط الثقافية والطبيعية المحلية.

      كما أنه لا يمكن خلق تنمية جهوية بدون عنصر بشري قادر على تدبير الموارد المحلية الخام وإعادة إنتاجها ثم تسويقها على نطاق واسع داخليا وخارجيا. عبر إنشاء تعاونيات ومقاولات ذات طابع سياحي وفي نفس الوقت تسويقي. ومن هنا أولى هذا البحث الميداني عرض مجموعة من المنتوجات التي تعبر عن هويتنا الثقافية وفي نفس الوقت مشروع تنموي يساهم في خلق يد عاملة و كدعم مالي يعود على التعاونية في تدبير شؤونها المركزية والإنتاجية رغم بعض الإكراهات مثلا مصاريف الكراء و تحمل نفقات النقل و العاملين فيكون بذلك الأمر يحتاج إلى المزيد من الدعم حتى تحقق التعاونيات ذاتها بشكل كامل، رغم توصل بعض التعاونيات بدعم إما مالي حسب نوع نشاط التعاونية أو  دعم يتمثل في التجهيزات، حسب  تصريح بعض التعاونيات لكن الأمر يحتاج إلى مزيد من التشجيع و الدعم، حتى تكون المردودية جيدة وخلق رواج تنموي على مستوى الجهة كون قطاع الصناعة التقليدية ذا أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة حيث حظي منذ سنة 2007  بإمكانية نموه ومساهمته في التنمية الاقتصادية للبلاد، كما تم توقيع عقد برنامج سنة 2015 لصنف الصناعة التقليدية وتعزيز  دورها في لحفاظ على الهوية الثقافية وكتراث جهوي وطني غير مادي، ولهذا اعتبر هذا القطاع بكل مكواته استراتيجية تنموية جديدة ذا تأثير مهم على الصعيد الجهوي والوطني في أفق 2030.

     ومن التعاونيات التي شاركت في هذا المعرض كتعبير عن الهوية الثقافية ومجال لتسويق منتوجاتها،  نخص تعاونية “إكمير تورتيت للخشب” بآيت عباس،التي تأسست سنة 2022، تساهم في إنتاج مجموعة من الأواني الخشبة ذات جودة عالية، و تعاونية “تيمغارين أنزو لإنتاج وتثمين المنتوجات الفلاحية”، التي تأسست سنة 2021، وتعاونية ” أفوس لمشتقات الحبوب ” بحي البام تيموليلت بأزيلال، كذلك تعاونية “تيمات الفلاحية بتيموليلت”  تأسست في مارس 2008، وحصلت على الميدالية الذهبية 2020-2021 في معرض مكناس الدولي كجائزة لأحسن منتوج. فيما حصلت على الميدالية النحاسية سنة 2022- 2023، وتعاونية “طوطو لإنتاج وتثمين المنتوجات الفلاحية “بحي تزغت دمنات. وتعتمد على طريقة تقليدية في تنشيف المنتوجات الفلاحية قبل المرور إلى مرحلة الصناعة، كما عملت على استقطاب الزوار من داخل البلد  كبني ملال ، مراكش العيون ومختلف الدول فرنسا، إيطاليا، أمريكا، إسبانيا.

    ومن التعاونيات أيضا، التي تساهم في تنمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بأزيلال، هناك تعونية ” نساء أسكا ” للأعشاب الطبية والعطرية بإقليم آيت محمد أزيلال، نضيف تعاونية “توتفين للمرأة في وضعية إعاقة” بأزيلال، لإنتاج التوابل و مستلزمات المنزل من أغطية ك” طرز الحساب” وأفرشة وزرابي، ثم تعاونية “مناحل المغرب”، التي تهتم بإنتاج أنواع العسل كعسل الزقوم وعسل الليمون و الزعتر، إلى غير ذلك من الزيوت النباتية والفواكه الجافة المطحونة و الممزوجة بالعسل والزيت، كآملو والكركاع واللوز. هناك “التعاونية الفلاحية آيت بواولي” متخصصة في إنتاج الكركاع واللوز والعسل والزعفران ومختلف الزيوت،كما تلعب دورًا هامًا في دعم الزراعة وإنتاج الزعفران بشكل خاص.

    نشير كذلك إلى تعاونية “أكرض للمجوهرات التقليدية” بدمنات، تتوفر على مقر دائم تأسست سنة 2020، وشاركت في عدة مدن على المستوى الوطني ،الدار البيضاء، مراكش ،أكادير وعلى المستوى الدولي هناك الكود ديفوار و الكامرون، ومن أنواع الحلي التي تعرضها التعاونية الأحجار المتنوعة، النحاس، الفضة، وباقي المعدن الذي يصلح للزينة، كذلك الزمرد.

   هذه الحلي تجمع كل القيم التي تحمل في طياتها الرقي والجمال ولم تقتصر على ذلك بل لها دلالات ثقافية اجتماعية حضارية مرتبطة بالمتخيل الشعبي فالفضة تعبير عن صفاء والنقاء والسلم والأمان لهذا تستعمل في التقاليد الاحتفالية، وتعتمد هذه التعاونية في تشكيل المجوهرات على أدوات وتقنيات مختلفة ومتنوعة مع احترام الخصوصيات التي تتفرد بها المنطقة عن باقي المناطق، فيما تتقاطع معها في نفس الحرفة وطبعا قد تكون مشتركة في بعض الجوانب، كون المغرب بلد متعدد الثقافات والروافد يعني لابد من أن يكون هناك تأثير وتأثر  بثقافة الآخر مع احترام الخصوصية.

   وتجدر الإشارة إلى التعاونيات الخاصة بالنسيج كتعاونية ” تليت للزربية التقليدية ” التي تعد من أعرق الحرف التقليدية، فالزربية الخنيفرية من المنسوجات الفنية التي اشتهرت بها منطقة الأطلس المتوسط، تميز بألوانها المتنوعة والمزركشة والمفعمة بالحياة، كما أن طريقة الحياكة فريدة ومتناغمة، شاهدة على الثراء الثقافي والتراثي والحضاري للأطلس المتوسط، وتم عرض الزربية إلى جانب الحنبل والقطيفة والجلابة محتفظة بتراث أمازيغي أصيل مزينة بأشكال هندسية بسيطة وجميلة ويغلب عليها اللون الأحمر أوالبرتقالي، فيما نجد ألوان أخرى كالأبيض والأخضر و الأزرق وهناك من تتوفر على ألوان متداخلة ومتناسقة، وهذه الألوان غالبا ما تكون من صباغة طبيعية كالحناء و قشور الرمان والفوة والدباغ كما تستخدم مواد أخرى كالشبة لتثبيت الألوان على الصوف، وعشبة تيغشت لغسل الصوف، ومادة الكبريت لجعل الصوف ناعم.

  وتصنع الزرابي بأحجام مختلفة منها ذات حجم كبير يصل طولها مابين 200 و 250 سنتمتر  وعرضها مابين 150 إلى 200 سنتمتر، أما الزرابي الصغيرة فيتراوح حجمها مابين 120 سنتمتر طولا و 80 سنتمتر عرضا، وقد شاركت هذه التعاونية في عدة معارض في مدينة أزيلال و بني ملال والدار البيضاء و أيضا الرباط وطنجة. نعطي نموذج آخر  لتعاونية ” النسيج بأيت بواولي ” التي تعتبر واحدة من بين التعاونيات النشيطة بمنطقة أزيلال، حيث تساهم بصناعتها للنسيج في إغناء الثقافة المغربية وإلى جانب كونها أحد فنون العريقة ضمن الثراث الثقافي بمنطقة وخبرة تتوارثها الأجيال.

   مايمكن قوله هو أن تنظيم المعرض الإقليمي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بأزيلال بمثابة واجهة لإبراز التراث الثقافي بكل تمظهراته المختلفة سعيا منه بناء صورة للمدينة وتحقيق الجدب السياحي واقتصادي، لأن التراث الثقافي لا ينحصر فقط في التعريف به بل يرجى منه تحقيق تنمية مستدامة، بتنشيطه لعدة قطاعات تجارية واقتصادية وسياحية وثقافية إلى غير ذاك مما يعزز من استجابة لمرتكزات القطاع السياحي بكل أنواعه البيئي والثقافي والعلمي، وحتى الجانب التسويقي الذي يتطلب دعامة أساسية من مختلف الجهات المسؤولة، حتى يصل إلى مجال جغرافي واسع وبالتالي نستفيد من رواج تجاري واقتصادي يسعى إلى تحقيق تنمية محلية وجهوية ووطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.