الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله عز وجل قد بين فضل رمضان عندما ذكر أنه الشهر الذي أنزل القرآن، قال تعالى: “ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ“، وجعل الصوم فيه من أفضل الأعمال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك“. وجعل للصائم فرحتان، فرحة بالعمل بعد الكمال، وفرحة بالأجر عند القيام، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه“.
وزمن الصيام زمن مبارك، وهو من الأزمنة التي يجاب فيها الدعاء، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، وإمام عدل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السموات، فيقول الرب عز وجل: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين“، وإذا كان المؤمن مطالبا بالدعاء في كل أوان، لقوله تعالى: “ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ“، فإن الدعاء في زمن الشدائد آكد، لما يعتري العبد من شعور بالضعف والعجز، وإحساس بالاضطرار، فيكون في دعائه صادقا، وعلى ربه مقبلا، وبذلك تتحقق أهم أركان الدعاء المستجاب، قال تعالى: “ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ“.
وقد حل بالناس هذا البلاء، ونزل بهم الوباء المسمى كورونا: covid-19، الذي أعجز الأطباء، وأهلك الحرث والنسل، ولم يفلح في مقارعته الأغنياء ولا الفقراء، الأقوياء ولا الضعفاء، الجهال ولا العلماء، فقيل للناس كما قالت نملة سليمان: “ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ“، وبذلك أصبح هذا الوباء سوطا من أسواط القدر، يذكر الناس بعجزهم وفقرهم وجهلهم، ويردهم إلى ربهم، قال تعالى: “ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ“.
ورمضان فرصة للصوم، والذكر والدعاء وقراءة القرآن، والتضرع إلى الحنان المنان، قديم الإحسان، سائلين إياه أن يرفع عنا البلاء، وعن البشرية جمعاء، فمن أدرك رمضان ولم يغفر له فأبعده الله، فعن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “احضروا المنبر” فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: ” آمين “، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: ” آمين ” فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال : ” آمين ” ، فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه قال: ” إن جبريل عليه الصلاة والسلام عرض لي فقال: بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له قلت: آمين ، فلما رقيت الثانية قال : بعدا لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعدا لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت: آمين“.
حكم صيام رمضان:
فرض الله عز وجل على المسلمين صيام رمضان –فرضا عينيا- قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ“، وقد عده رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ركنا من الأركان التي بني عليها الإسلام، فعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” بني الإسلام على خمسة، على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج“، وقد أجمعت الأمة على وجوب صيام رمضان على كل مسلم ليس له عذر من الأعذار الشرعية المعتبرة، قال ابن في مراتب الإجماع: “واتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح المقيم العاقل البالغ، الذي يعلم أنه رمضان، وقد بلغه وجوب صيامه وهو مسلم، وليس امرأة، لا حائضا، ولا حاملا، ولا مرضعا، ولا رجلا أصبح جنبا، أو لم ينوه من الليل، فرض مذ يظهر الهلال من آخر شعبان إلى أن يتيقن ظهوره من أول شوال…“.
فضل صيام رمضان:
لشهر رمضان فضل خاص، يعرفه الخاص والعام، حتى أن أصحاب الرخص لا يترخصون فيه، حرصا على ما في صيامه من فضل، وما في زمانه من بركات، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من صام رمضان مصدقا بوجوبه، ومخلصا لله في صيامه غفر له ما تقدم من ذنبه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه“.
ففي رمضان تفتح أواب السماء دلالة على أن الله يتقبل فيه أعمال عباده، وفيه تغلق أبواب جهنم إشارة إلى رحمة الله بعباده، وتسلسل فيه الشياطين فيتغلب المؤمن على نزواته، ويتمكن من التحكم في نفسه وهواه، فتراه إلى الخير مسرعا، وعن الشر معرضا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين“.
ولذلك ترى الناس يجتهدون في الطاعات، ويسارعون إلى المكرمات، ويتفقدون الفقراء والمساكين بالصدقات، فيستحقون بذلك أن تفتح لهم أبواب الجنة بعدما فتحت أبواب السماوات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة“.
خطورة انتهاك حرمة رمضان:
وكل ما مضى يؤكد أن لرمضان حرمة هي من أعظم الحرمات، فهو من حرمات الله التي يجب توقيرها، ومن شعائر الله التي يجب تعظيمها، قال تعالى: “ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ“، وقال جل من قائل: “ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ“.
فمن انتهك حرمة رمضان بغير عذر فقد جنى على نفسه جناية عظمى، وظلم نفسه بالاعتداء على حدود الله ،” وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ“، وعن أبي هريرة رفعه: ” من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه“.
ومن أفطر في رمضان بغير عذر فقد استحق بذلك العقوبة، واستوجب التأديب، وصار حق على ولي الأمر –إن وجد- “أن يؤدبه بما يراه من ضرب أو سجن ونحوهما“، لأن الحاكم الحق هو الحارس لحدود الله لا الساكت على انتهاكها.
اما من له عذر من الأعذار الشرعية المبيحة للإفطار فلا حرج عليه، بل قد يكون الإفطار في حقه واجبا، كالمريض الذي يخبره الطبيب أن الصوم خطر على صحته، لأن حفظ النفس واجبا لأنها خلق الله وملكه، لا يحق للإنسان أن يتصرف في نفسه إلا بأمر الله جل وعلا.
وقد بين الله عز وجل أصحاب الأعذار الذين يجوز وقد يجب- لهم الفطر في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ“.
- فالشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان لا يقدران على الصوم يسقط الوجوب في حقهما، وعليمها الفدية استحبابا، وهي إطعام مسكين عن كل يوم مدا من طعام، وهو ربع الفطرة.
- المسافر لا يجب عليه الصوم، وإن استطاع الصوم وصام فهو حسن، وإن أفطر فعليه القضاء.
- الحامل لها أن تفطر إذا لم تقو على الصيام، وبعد الوضع عليها القضاء.
- المرضع لها أن تفطر إن خافت على رضيعها، وبعد انتهاء فترة الرضاع على القضاء والفدية.
- المريض مرضا عابرا لا يقوى معه على الصوم له أن يفطر ثم إذا شفي قضى ما أفطر.
- المريض مرضا مزمنا الذي لا يرجى شفاؤه له أن يفطر ولا شيء عليه، فإن أفدى وأطعم عن كل يوم مسكين استحبابا فحسن.