ثورات في حياة الشعوب
ثورات في حياة الشعوب / أشرف شعبان أبو أحمد
ثورات في حياة الشعوب
أشرف شعبان أبو أحمد
على مر التاريخ الحديث هناك شعوب ثارت ضد معتدي على أراضيها محتلا لها مستعمرا إياها وظلت هكذا حتى نالت استقلالها وخرج من بلادها، وشعوب أخرى ثارت ولم تكن لثوراتها الأثر الأكبر، وظل المحتل قابعا على أراضيها جاثما على رقابهم حتى نالت استقلالها، عن طريق مفاوضات سلمية أو ضغط دولي أو تحولات إستراتيجية من الدول المستعمرة أو عبر إشراف الأمم المتحدة. وهناك شعوب ثارت ضد نظام حكم مطلق مستبد، أو ضد نظام يتحججون فيه رجال الدين بالتفويض الإلهي، ليفرضوا سطوتهم على الشعب ويغتنموها كيفما شاءوا، أو ضد إقطاعيين يملكون كل شيء ويسيطرون على كل شيء ويحرمون بقية الشعب من أي شيء، أو ثارت ضدهم ثلاثيتهم.
وهناك شعوب ثارت ضد المحتل وما إن انفكت منه حتى ثارت ضد الأنظمة الحاكمة لها، وهناك قلة قليلة من الشعوب لم تثر لا ضد محتل ولا ضد حاكم مستبد سواء كان عن رضا وقناعة بأن النظام الحالي أفضل من البديل، والخشية من الانجرار لمستقبل مجهول، أو أنها ألفت الاستعباد والفقر والجهل والمرض وتدني مستوىات معيشتهم، فلم تعد لديهم نعرة يثوروا لها فلم تثر ولم تنتفض، أو اتكالا على بعضهم البعض للقيام بالثورة، والاكتفاء بتمني حدوثها وترقب قيامها لمشاهدتها وانتظار ثمارها، أو شعورا بالسلبية تجاه الوطن والمواطنين. فضلا عن أسباب أخرى ليست سببا في عدم قيام الشعوب بثورات فقط ولكنها أيضا سببا في إن قاموا بها أما أنها تطيل أمدها أو تكون مصيرها الفشل،
أولها: الخوف من مواجهة السلطة بقبضتها الحديدية وشدة بطشها وقهرها للمواطنين، وعند القيام بالثورة تتأرجح الأمور بين كفتي ميزان أحدهما نظام الحكم والأخرى المتظاهرين، تتأرجح بين القوة والكثرة، بين الإصرار والفتور، بين الصمود والاستسلام، بين عناد السلطة وتمسك المتظاهرين بمطالبهم، لصالح من والغلبة فيها لمن؟ يكون الوقت فيها عاملا حاسما فهو رمانة الميزان، فكلما طال تسرب اليأس إلى النفوس والضعف إلى العزيمة والوهن إلى الأبدان، ومن ترجح كفته على الأخر كان النجاح حليفه.
ثانيها: الانقسامات بين أبناء الشعب سواء كانت طائفية أو فكرية أو دينية، واختلاف رؤى كل فريق منهم حول المنهجية في تقبل الوضع الراهن أو تغيره، يكون سببا في عدم القيام بالثورات، وإذا قامت كانت رغبة كل فريق أن يكون له اليد العليا في إدارة وتوجيه الأمور بغض النظر عن عدد مؤيديه وثقلهم في الشارع، كما أن فشل محاولات وجود قواسم مشتركة يتفق عليها، فضلا عن فقدان الثقة بينهم، واستغلال ذلك من قبل السلطات في استمالة طرف على حساب آخر وزيادتها لرقعة الهوة بينهم، والأنعام على البعض بخدمات وامتيازات ووعود لا تتوفر للباقي، فتتباروا فيما بينهم لمداهنة السلطات للفوز بهذه النعم، مما يسبب لإطالة أمد الثورة أو فشلها.
ثالثها: ووجود أو عدم وجود قيادة متجردة عن الأطماع الشخصية، ممثلة من كل المشاركين في الثورة بكل أطيافهم، قيادة على علم ودراسة وفكر مسبق بخطوات ومنحنيات ومنزلقات الثورة والثوار، قادرة على استيعاب وإدارة الجماهير، وتوحيد صفوفهم، والتنسيق فيما بينهم لتنظيم جهودهم، ومن ثم سد أي أبواب للاختلاف والانقسام بين قادتها أو بين الثوار.
وعلى مر التاريخ أيضا هناك شعوب تولت قيادتها بعد التحرير إدارة وطنية، تكونت في رحم الثورة وتربت وترعرعت في مفرخة الثوار، فكان خروج المستعمر ورحيله عن بلادهم نعمة عليهم وعلى أوطانهم والمحيطين بهم، وهناك شعوب لم يكن المستعمر خارجا منها إلا ومسلما أيهم لتلك الثلة من أتباعه وأذياله، فكان خروجه منها ورحيله عنها نقمة وكارثة ونكبة ومصيبة عليهم وعلى المحيطين بهم، فالأولى سلمت أمر قيادتها لمن يستحق وتفرغت لنهضة بلادها في كافة فروع العلم والصناعة والزراعة والتكنولوجيا وكافة ميادين الحياة وصارت في مصاف دول العالم الأول، بينما الثانية والتي نالت استقلالها في نفس ذات الوقت أو قريبا منه، تسلم أمر قيادتها من لا يستحق، فتفرغت لمناوشات وصراعات واقتتال داخلي وحروب أهلية نزاعا على السلطة، فهبطوا إلى قاع الأمم وأدناها وتخلفت في كل شيء وهي المالكة للموارد الطبيعية والأيدي العاملة، أي أن شعوبا كانت لا تملك أي شيء صار لها كل شيء، وشعوبا كانت تملك كل شيء صارت لا تحتكم على شيء.
وعلى مر التاريخ أيضا هناك ثورات كانت خالصة بفكر وسواعد أبناء تلك الشعوب الثائرة، وأخرى بإيعاز فكري ومساعدات من الخارج، سواء كانت هذه المساعدات عسكرية أو سياسية أو إعلامية أو تمويلية، وسواء كانت في بدايات الثورة أو في أي مرحلة من مراحلها، أي لم تكن وليدة الداخل فقط بل ساهمت قوى خارجية في اندلاعها أو في توجيه مسارها، وقد تتعدد هذه القوى وتفترق بين مؤيدة للثورة أو معادية لها، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انحراف الثورة عن أهدافها أو أطالة أمدها أو حتى فشلها. ويتحقق النجاح للثورات بتحقيق كامل أهدافها التي قامت من أجلها، والكثير منها لم تحقق أحلامها في حينه، ولكنها بمثابة خطوة يليها خطوة أو درجة يعتليها درجة يصعد عليها الواحدة تلو الأخرى نحو الهدف المرجو. كما لم يكن النجاح حليفا لكل الثورات حتى نهايتها، فمنها من انتكس في بدايتها، ومنها من أصابها الفشل وانتهى أمرها بعد فترة، ومنها ما استمر ولكنها لم تأت بكامل المرجو منها، ومنها من كانت على الطريق ثم حادت عنه وانقلبت إلى أبشع ما كان عليه الأنظمة السابقة، ومنها التي أدت إلى حروب أهلية، ومنها التي غيرت من البنية الاجتماعية للمجتمعات فجاءت بطبقات من القاع صاروا سادة وقذفت بالسادة إلى القاع وداست عليهم بالأقدام حقدا وكراهية وتعصبا وليس لمكروه ارتكبوه ولا جرم أو إثم فعلوه، خسفت بنبلاء ودفعت ورفعت بلئام وأراذل، أزاحت حكماء وجاءت بجياع، قضت على رجال وأتت بأنذال وخسيسين وسفلة. فلم تأت مثل هذه الثورات أو غيرها لإنصاف كافة أبناء الشعب بل نصفت البعض على حساب البعض الآخر، مهما كان حجم هذا البعض ومقدار ما يمثله من جموع الشعب، وسواء أكان هذا على حق أم لا، على عدالة أم تسلط، وهذا وذاك بحسب من يحركونها والقائمين عليها، فتجد طرف يصيبه الزهو والنشوة وآخر يصيبه القهر والذلة، طرف غالب وآخر مغلوب، طرف ملك كل شيء وآخر سلب منه كل شيء، ومهما رفع الثوار من شعارات براقة آخذة بعقول وقلوب البسطاء، ومهما أعلنوا من أهداف سامية، لا يخرج الكثير منها عن مجرد وعود تتبخر عندما يضعوا أيديهم على الحكم. وما من ثورة في العالم سواء كانت ضد محتل أم ضد نظام حكم ونالت رضا من كافة أبناء الوطن الواحد، دائما وأبدا هناك من مع الثورة ومن ضدها، ودليل على ذلك المقاومة ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي على مدار التاريخ كانت تجد دائما من الأهالي من يتعاون مع المستعمر، وكذلك الثورات ضد أنظمة الحكم الديكتاتورية والقمعية تجد من أبناء الشعب ما يؤيدها ويحتسبها هي الحق بعينه، وسرعان ما يتم تصنيف المعارضين لها على أنهم أعداء الثورة وأنصار الرجعية وإرهابيين يجب اجتثاثهم من جذورهم خوفا على انجازات الثورة والثوار.
وأما عن عمر الثورات فغالبية الثورات إن لم تكن جميعها وسواء كانت ثورات تحريرية ضد مستعمر أم ثورات ضد نظام الحكم في البلد بعضها تتجاوز الأيام والأسابيع والشهور والبعض الآخر تجاوز السنين، والثورات التي غيرت التاريخ هي الثورات التي استمرت شهورا بل سنين طويلة سالت خلالها الدماء أنهارا في ساحات الميادين وامتلأت المعتقلات بالسياسيين وأصحاب الفكر وقادة الرأي وكما دفع ذويهم ثمنا غاليا، ثورات التهمت من أعمار الشعوب أعواما وعقودا وأفنت من حياة أبنائها أجيالا وراء أجيال، فالغالبية العظمى من الثورات لم تنتهج الطريق السلمي نحو التغير، ولم تكن هناك ثورة وليدة يوم وليلة ثم يذهب الثوار إلى بيوتهم في هدوء وسكينة وتقر أعينهم بما قاموا به.
ومن النادر أن توجد دولة لم تمر بأي شكل من أشكال الاحتجاج الشعبي، ولكن يختلف رد فعل السلطات تجاه هذه الاحتجاجات من دولة لأخرى، ففي الدول التي يعتمد نظام الحكم فيها على شرعية شعبية ودستورية ونظام سياسي قوي مع وجود آليات للإصلاح الفوري لأي أخطاء وأخرى لامتصاص الغضب الشعبي، مثل هذه الدول تسمح بتسيير المسيرات وتنظيم المظاهرات تحت قيادة منظمة من المحتجين، وفي وجود أجهزة الإعلام تنقل أحداثها خطوة بخطوة، وفي حراسة رجال الأمن لئلا يحدث ما يعكر صفو الجو العام، أما غير هذه من الدول تقوم بوضع المتاريس أمام الثوار، ورفع حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال، ووقف وسائل الاتصال والمواصلات ومنع ومصادرة أجهزة الإعلام، وتجيش الجنود المدججة بالسلاح للفتك بالمتظاهرين، وتسخر البلطجية والشبيحة للقيام بأعمال قتل ونهب واغتصاب. وفي زمننا هذا هناك قلة من الدول لم تشهد ثورات لإسقاط النظام حيث استقرت بها الأوضاع، فلما يعد لأبنائها حاجة للثورات.
ومن أهم الثورات في حياة تلك الشعوب:
* الثورات في حياة الأمريكيين: بداية قبل ما يزيد عن خمسة قرون بقليل من الآن، لم تكن أمريكا قد اكتشفت بعد، وأطلق عليها هذا الاسم تكريما للمستكشف الإيطالي أمريكو فسبوتشي، وهو الذي قال إن ما اكتشفه كريستوفر كولومبوس عام 1492م هو قارة جديدة وليست جزءا من آسيا. وفور اكتشافها بدأت إسبانيا والبرتغال في استعمار تلك الأراضي المكتشفة ثم تبعتها فرنسا وبريطانيا وهولندا، وأدى ذلك إلى إبادة الملايين من السكان الأصليين وتدمير حضاراتهم ونهب ثرواتهم، وبعد أن استقر الغزاة في تلك البقاع وكونوا مجتمعاتهم لعدة قرون متتالية، أرادوا أن تكون لهم هوية مستقلة عن الوطن الأم، فقرروا الاستقلال وبدأت موجات التحرر في الأمريكتين من أواخر القرن الثامن عشر واستمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، وهناك بعض الجزر في الكاريبي بقيت مستعمرة حتى القرن العشرين.
وبدأت الثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني عام 1775م عندما وقع صدام مسلح بين الجيش البريطاني وسكان إحدى المستعمرات، واستمرت حتى عام 1783م حيث وقعت الأطراف المتحاربة على معاهدة، وافقت فيها بريطانيا على الاعتراف بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإنهاء الحرب رسميا، كما شهدت الولايات الأمريكية فيما بعد حرب أهلية استمرت ما بين عامي 1861م إلى عام 1865م لرغبة بعض الولايات الانفصال وتشكيل ولايات كونفدرالية، وانتهت الحرب باستسلام جميع الجيوش الكونفدرالية وحل حكومتهم ولم يتم الانفصال، وتعد هي الأكثر دموية في الولايات المتحدة. ومنذ الاستقلال حتى يومنا هذا تتم عملية انتقال السلطة فيها بشكل سلمي وقانوني، ولم يحدث بها انقلابات عسكرية، رغم تعرض عدد من رؤسائها للاغتيال، ونجا آخرون من محاولات أخرى للاغتيال، واضطر أحدهم للاستقالة، كما طالت آخرين فضائح سياسية وشخصية، ومنذ تأسيس الدستور عام 1787م لم يتعرض لانتهاكات ولا تغيرات تضرب به عرض الحائط، ومازال يعمل به حتى الآن، وإن حدث تغيرات طفيفة عليه، والأوضاع العامة فيها أكثر استقرارا من تلك الدول التي يتحججون فيها ببقاء الرؤساء في مقاعدهم حتى الموت.
* الثورات في حياة البريطانيين: بريطانيا هي أكثر الدول استعمارا في التاريخ، إذ كانت تحكم ربع سكان العالم تقريبا فيما يزيد عن ستين دولة في كافة قارات العالم، حتى قيل إنها كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، بداية من أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، واستمرت هكذا حتى القرن التاسع عشر والعشرين بداية تحرر هذه الدول. وحدثت الثورة الإنجليزية عامي 1688م و1689م نتيجة للصراع الديني والسياسي بين الملك جيمس الثاني الكاثوليكي والبروتستانتيين الذي كانوا يشكلون أغلبية الشعب في إنجلترا، وعزل الملك على أثرها، وكانت هذه الثورة سببا في تحول كبير في النظام السياسي الإنجليزي، حيث إنها قضت نظريا وعمليا على فكرة الحق الإلهي للملوك، ، كما أصبح البرلمان هو صاحب الكلمة العليا في شؤون الحكم، والذي كان لها أكبر الأثر على شعوب أوربا حيث تطلعت هي الأخرى لتحقيق النظام البرلماني كما شاهدوه في انجلترا، ولم تشهد إنجلترا ثورات لإسقاط النظام من بعد ذلك ولكنها شهدت احتجاجات جماهيرية ومحاولات تمرد مسلح وتحركات إصلاحية تدريجية سياسية واجتماعية.
* الثورات في حياة الفرنسيين: فرنسا من الدول التي بدأت مشاريعها الاستعمارية مبكرا عام 1605م باحتلالها لكندا، وقد كان القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين فترة الذروة للاحتلال الفرنسي للعديد من الدول في شمال أفريقيا كالجزائر وتونس والمغرب وفي غرب أفريقيا مثل مالي النيجر ساحل العاج السنغال تشاد، وفي وسط أفريقيا مثل الغابون والكونغو ودول في آسيا فيتنام كمبوديا وسوريا ولبنان. فقد قامت الثورة الفرنسية عام 1789م واستمرت لمدة عشرة أعوام حتى عام 1799م وتعتبر أطول ثورة في التاريخ، وهي ثورة شعبية ضد نظام قائم متمثل في حكم مطلق للملك، وامتيازات هائلة ممنوحة لطبقة النبلاء والإقطاعيين عن بقية الشعب، وتدخل الكنيسة في السياسات العامة وفي مؤسسات البلد، وامتلاكها لأكثر من عشر الأراضي الفرنسية، وإدارتها لحق العشور التي يدفعها المواطن الكاثوليكي من دخله، وغير ذلك من سلسلة امتيازات أخرى. ولذا فمن المقولات التي انتشرت أثناء الثورة الفرنسية، مقولة ” اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس” وأعقبت هذه الثورة عدة ثورات أخرى عام 1830م وعام 1848م وعام 1871م، كما شهدت فرنسا خلال القرن السابق والحالي احتجاجات طلابية وعمالية ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، اتسمت بمواجهات عنيفة مع الشرطة وأعمال شغب أصيب وقتل واعتقل فيها العشرات، ولكنها لم تشكل تهديدا للنظام القائم، ولم تتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم، ودستورها كما هو منذ 1958م ولم يحدث فيه تغير إلا لتقليص مدة حكم الرئيس إلى خمس سنوات بدلا من سبع سنوات، ومرة أخرى لتحديد عدد ولايات الرئيس باثنتين فقط.
* الثورات في حياة الإيطاليين: كانت إيطاليا من الدول الاستعمارية ولكنها بدأته متأخرا بعد توحيدها عام 1871م، وفقدت مستعمراتها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وقد عرفت إيطاليا ثورات وانتفاضات كبيرة خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي والقرن العشرين من أجل الحرية والتوحيد وضد الديكتاتورية الفاشية، ولكنها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تعيش في إطار ديمقراطي مستقر، منها ثورة 1848م اندلعت في أنحاء متفرقة من إيطاليا كانت تهدف إلى طرد النمساويين الذين كانوا يسيطرون على أجزاء كبيرة من إيطاليا وتوحيد إيطاليا وتم قمع هذه الثورة، ومنذ عام 1859 حتى عام1870م نشب صراع مسلح ضد النفوذ النمساوي والبابوي حيث كانت الكنيسة تمتلك أراضي شاسعة، وكان البابا يحكم الدولة البابوية التي تشمل وسط أوربا ومنها روما، انتهى الصراع بتوحيد إيطاليا وإنهاء السيطرة النمساوية، كما انسحبت القوات الفرنسية التي كانت تحتل هي الأخرى أجزاء واسعة من الأراضي الإيطالية، ودخلت القوات الإيطالية روما وأنهت الدولة البابوية، وفي عام 1922م شهدت انقلابا قاده موسوليني تحولت إيطاليا على أثره إلى دولة فاشية استبدادية حتى عام 1943م، وخلال هذه الفترة وفي عام 1929م وقع اتفاقية لاتيران اعترفت إيطاليا بالفاتيكان كدولة مستقلة ذات سيادة داخل روما، واعترف الفاتيكان بالمثل بالدولة الإيطالية، وفي عام 1943م بدأ غزو الحلفاء لإيطاليا وانقسمت إيطاليا إلى الشمال أقامت ألمانيا جمهورية إيطالية تحت حكم موسوليني، والجنوب تحت حكومة ملكية انضمت للحلفاء وأعلنت الحرب على ألمانيا، صارت إيطاليا ساحة معارك طاحنة بين الحلفاء والألمان، تدمير واسع للبنية التحتية والمدن ونزوح ملايين المدنيين، وما بين عام 1943م وعام 1945م اندلعت مقاومة شعبية ضد الألمان والفاشيين انتهت بإعدام موسوليني عام 1945م. وكان عام 1946م نهاية للنظام الملكي وإعلان الجمهورية الإيطالية، وانسحبت القوات الأجنبية من إيطاليا. كما شهدت إيطاليا مظاهرات في العقود الأخيرة ضد التقشف والفساد والبطالة ولكنها لم ترق إلى مستوى الثورة الشاملة.
* الثورات في حياة الألمان: شهدت ألمانيا عبر تاريخها عددا من الثورات والانتفاضات بعضها غير وجه البلاد وأوربا كلها، منها ما بين عامي 1918و1919م وأدت لنهاية الحكم الملكي، وثورة سبارتاكوس عام 1919م لإقامة نظام شيوعي قمعت بقوة وقتل قادتها، وعام 1953م انتفاضة ألمانيا الشرقية ضد النظام الشيوعي وقمعت بعنف من جانب السوفيت والدولة، وكانت ألمانيا كغيرها من الدول الاستعمارية تسعى للحصول على مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وبعد الحرب العالمية الأولى خسرت ألمانيا كل مستعمراتها كما منيت بالهزيمة في هذه الحرب، وفرضت عليها تعويضات مالية ضخمة وتم تقليص جيشها إلى حد كبير، واحتلت ألمانيا بالكامل في عام 1945م من قبل قوات الحلفاء أمريكا بريطانيا فرنسا الاتحاد السوفييتي وقسمت ألمانيا إلى أربعة مناطق احتلال خضعت كل منطقة لإدارة واحدة من دول الحلفاء، ثم انفصلت إلى دولتين شرقية وغربية وتم بناء جدار برلين بينهما عام 1961م، بقيت ألمانيا الغربية تحت نفوذ الحلفاء الغربيين، والشرقية تحت النفوذ السوفيتي، وما بين عامي 1989- 1990م حدثت ثورة سلمية أدت لسقوط النظام الشيوعي وسقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، كما بدأت القوات الأجنبية في الانسحاب تدريجيا منها حتى غادروا جميعا، ويوجد بها حاليا بعض القواعد العسكرية الأمريكية بها بطلب من ألمانيا وباتفاق مشترك، وصارت ألمانيا من أقوى دول أوربا سياسيا واقتصاديا رابع أكبر اقتصاد عالمي ومن الدول الرائدة في الصناعة والتعليم والبيئة. وتشهد بين الحين والآخر مظاهرات واحتجاجات دورية لكن ضمن الإطار الديمقراطي.
* الثورات في حياة اليابانيين: تبنت اليابان سياسة التوسع الإمبراطوري في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين فاحتلت كوريا وتايوان وأجزاء من الصين والعديد من جزر المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا وانتهي احتلالها لهذه الدول بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، ولم تعرف اليابان الثورات الشعبية الدامية بالمعنى الذي شهدته بعض الدول الأخرى، لكنها عرفت تغيرات شملت النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولم يسقط النظام الإمبراطوري الياباني والذي كان الإمبراطور فيه يعتبر شبه إله ويتمتع فيه بمكانة مقدسة في ثورة أو غيرها، بل تطور تدريجيا ليصبح رمزيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصدر الإمبراطور بيانا أعلن فيه أنه ليس إلها بل إنسانا عاديا، وتمت علمنة الدولة وأصبحت دولة ديمقراطية برلمانية، وأصبح الإمبراطور يمثل رمزا للهوية اليابانية بلا سلطات فعلية. واليابان لم تستعمر إلا من خلال الاحتلال الأمريكي منذ عام 1945م حتى عام 1952م حيث انتهى الاحتلال وعادت السيادة اليابانية، وفي أغسطس عام 1945م أسقطت الطائرات الأمريكية قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي، وبعد الدمار الشامل الذي أحاط بها ومقتل الألوف من أبنائها اختارت اليابان التركيز على الصناعة والتعليم والاقتصاد وفي غضون عقود تحولت من دولة مدمرة إلى قوة اقتصادية عالمية ثالث أكبر اقتصاد عالمي بعد أمريكا والصين، سميت أحيانا بالمعجزة الاقتصادية اليابانية، وأحد أفضل الأنظمة التعليمية في العالم. وذلك بفضل سياسات مدروسة لا ثورات، فغالبا ما جاء التغيير في اليابان من النخبة الإصلاحية وليس من الجماهير الغاضبة.
* الثورات في حياة الإسبان: تعد إسبانيا من الدول الاستعمارية الكبرى بداية من عام 1492م العام الذي سقطت فيه غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وفي نفس العام بدأت مرحلة الاستعمار الإسباني لأمريكا والفلبين في آسيا، وتدريجيا بدأت قواها تتراجع لصالح إنجلترا وهولندا وفرنسا، ونالت أغلب مستعمراتها في أمريكا اللاتينية فيما بعد استقلالها بفضل الثورات التحريرية، واستمرت في السيطرة على الصحراء الغربية حتى عام 1975م وإلى يومنا هذا مازالت تحتفظ بسبتة ومليلية في شمال المغرب. وشهدت أسبانيا عدة ثورات وأحداث تمرد وتحولات سياسية كبرى عبر تاريخها منها، حرب الاستقلال الإسبانية ضد الاحتلال الفرنسي من عام 1808م حتى عام 1814م اندلعت مقاومة شعبية وثورات محلية وتدخل بريطاني وانتهت بطرد الفرنسيين، بعد أن تحررت إسبانيا عام 1814م عاد الملك إلى الحكم وأعاد الحكم المطلق، ونتيجة لسياسته القمعية ولتزايد الفقر وتململ بعض رجال الجيش الإسباني من إرسالهم لقمع الحركات الاستقلالية في أمريكا اللاتينية، قامت ثورة عام 1820م واستمرت حتى عام 1823م ولكنها لم تنجح لتدخل فرنسا بإعادتها الحكم المطلق للملك، ثورة عام 1868م سخط شعبي على حكم الملكة وتم خلعها ونفيها وتأسيس حكومة مؤقتة ثم إعلان الجمهورية الأولى عام 1873م، ومنذ عام 1936م حتى عام 1939م حرب أهلية من أعنف الصراعات والثورات أسست لديكتاتورية لم تنته إلا عام 1975م، وفي الفترة من عام 1975م حتى عام 1982م تحول النظام بطريقة سلمية من نظام ديكتاتوري إلى ديمقراطي شمل إقرار دستور عام 1978م وإقامة نظام ملكي دستوري وانتخابات ديمقراطية.
* الثورات في حياة البرتغاليون: تعتبر البرتغال واحدة من أقدم وأكبر الدول الاستعمارية في التاريخ الأوربي وبدأت نشاطها الاستعماري قبل معظم الدول الأخرى، بداية من القرن الخامس عشر الميلادي ومستعمراتها في أفريقيا كانت أنغولا موزمبيق غينيا بيساو الرأس الأخضر ساو تومي وبرينسيبي. وفي آسيا جو في الهند ملقا في ماليزيا مكاو في الصين تيمور الشرقية. وفي أمريكا الجنوبية البرازيل، حسب معاهدة بينها وبين إسبانيا عام 1494م لتقسيم العالم المكتشف حديثا بينهما، وبدأ النفوذ البرتغالي يتراجع تدريجيا منذ القرن السابع عشر، كما احتلت البرتغال من إسبانيا في الفترة من عام 1580م حتى عام 1640م حيث اندلعت ثورة نجح البرتغاليون فيها في طرد الأسبان. وشهدت البرتغال عدة ثورات ضد الحكم المطلق منها عام 1820م وبها أصدر أول دستور برتغالي وتم تقليص سلطة الملك وتحول نحو الملكية الدستورية، ومنذ عام 1828م حتى عام 1834م اشتعلت حرب أهلية بسبب الصراع على الحكم بين الدستوريين والملكية المطلقة وتم تثبيت النظام الدستوري، وفي عام 1910م ثورة ضد الملكية، وتم خلع الملك وتأسيس الجمهورية البرتغالية الأولى، وإلى عام 1926م عانت البرتغال من اضطرابات سياسية وانقلابات وتغييرات متكررة للحكومات، وفي عام 1926م حدث انقلاب عسكري وسقطت الجمهورية الأولى وأقيم نظام ديكتاتوري حتى عام 1974م، حيث حدث انقلاب عسكري آخر سلمي أسقط الديكتاتورية، وأسس الجمهورية الديمقراطية الحديثة، وسميت ثورة القرنفل لأن الشعب خرج ووضع زهور القرنفل في فوهات البنادق بدلا من إطلاق النار، كما أنهى الاستعمار البرتغالي في إفريقيا
* الثورات في حياة الهولنديين: كانت هولندا دولة استعمارية كبرى وامتلكت إمبراطورية استعمارية واسعة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، احتلت في آسيا إندونيسيا سريلانكا مراكز في الهند تايوان، وفي أفريقيا جنوب أفريقيا وغانا، في الأمريكتين نيويورك سورينام وجزر الأنتيل الهولندية، وبدأت هولندا تفقد مستعمراتها خلال القرن التاسع عشر والعشرين. وشهدت هولندا ثورات فعلية أبرزها ثورة عام 1658م ضد الأسبان واستمرت لمدة ثمانين عاما، وكان الاضطهاد الديني للبروتستانت من قبل الكاثوليك الأسبان من أسبابها وانتهت بمعاهدة وستفاليا عام 1648م والتي اعترفت رسميا باستقلال جمهورية هولندا، وثورة 1795م استمرت لعام 1806م أطاحت بالحكم الملكي الهولندي وأسست الجمهورية والتي تحولت فيما بعد إلى مملكة هولندا، إلى جانب تحركات إصلاحية أخرى خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
* الثورات في حياة المكسيكيين: كانت المكسيك محتلة من إسبانيا منذ عام 1519م ولمدة ثلاثة قرون حتى عام 1821م وانتهت هذه الحقبة بطرد الأسبان واستقلال المكسيك، ثم احتلت أمريكا بعض المناطق في المكسيك منذ عام 1846م وتنازلت المكسيك عن مساحات شاسعة من أراضيها للولايات المتحدة التي تشمل الآن كاليفورنيا وتكساس وأريزونا خلال اتفاقية عام 1848م كشرط لخروج الأمريكان من ما تبقى من المكسيك وقد شهد الوجود الأمريكي مقاومة مسلحة، ومنذ عام 1861م حتى عام 1867م احتلت من فرنسا واشتعلت المقاومة الوطنية حتى تم طرد الفرنسيين. ومنذ عام 1910م اندلعت ثورة مكسيكية استمرت بشكل متقطع حتى عام 1920م، ولم تكن ثورة تقليدية بل سلسلة من الاغتيالات والحروب الأهلية والثورات المضادة والانتفاضات المسلحة، ولم تهدأ البلاد بعد الثورة بل شهدت عدة ثورات وانتفاضات وصراعات مسلحة ولكن لم تكن بحجم الثورة الأولى، منها صراعات بين القادة الثوريين أنفسهم على السلطة، وتم اغتيال عدد من الزعماء الثوريين حتى عام 1940م، ويمكن تلخيص أهداف تلك الثورة في منع الكنيسة من تدخلها في الأمور السياسية، وإنهاء حكم القبضة الحديدية وقمع الحريات السياسية وتهميش الناس ومن المكوث في الحكم عدة عقود، وشهدت بعد ذلك انتفاضات عامي 1968م و1994م.
* الثورات في حياة الكوبيين: خاض الكوبيون عدة ثورات ضد الاحتلال الإسباني منذ القرن السادس عشر الميلادي، وبعد هزيمة أسبانيا من القوات الأمريكية حصلت كوبا على استقلال شكلي عام 1898م من أسبانيا، واحتلتها أمريكا عسكريا وشكلت حكومة مؤقتة بقيادة حاكم عسكري أمريكي، وفي عام 1902م أعلنت أمريكا انتهاء الاحتلال وأعلنت جمهورية كوبا المستقلة ولكنه استقلالا مشروطا، مما جعل كوبا تابعة للولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا إلى إن نجحت الثورة الكوبية بعد عدة سنوات من قيامها في التخلص من هذه التبعية. وكانت بداية الثورة الكوبية تمردا مسلحا ضد الدكتاتورية العسكرية للرئيس الكوبي وقتذاك، والذي سبق وتولى الحكم على أثر انقلاب قام به عام 1952م، فشلت في بدايتها وأعتقل الثوار، ولكن لم تنته الثورة وبعد فترة السجن والخروج من البلد، عاد الثوار عام 1956م واتخذوا من الجبال مقرا للعمليات المسلحة ضد الجيش، وبدأت حرب العصابات والتي انتهت بانتصار الثوار ونجاح الثورة عام 1959م، والتي ألغت النظام الملكي الرأسمالي وأسست دولة شيوعية. وقد نشبت عدة حركات مقاومة مسلحة ضد الثورة ونظامها قادها بعض الساخطين والمعارضون السياسيون وضباط سابقون في الجيش الملكي، لكن هذه المحاولات قمعت بمساعدة الجيش والشرطة، ومن الملفت للنظر عندما تنحى زعيم الثورة حاكم البلاد عام 2008م تولى أخ له الحكم وظل بالحكم حتى استقالته عام 2018م، وفي عام 2021م خرج الآلاف في مظاهرات غير مسبوقة من حيث الحجم مطالبين بالغذاء والدواء وحرية التعبير ولكنها قمعت واعتقل المئات.
* الثورات في حياة الهايتيين: وجمهورية هايتي كانت تسمى سان دومينغو وتقع في منطقة الكاريبي بأمريكا الشمالية، من عام 1791م إلى عام 1804م حدث تمرد ناجح قاده العبيد الذين أعتقوا أنفسهم ضد الحكم الاستعماري الفرنسي، وانتهي بنيل الاستقلال. وتعتبر ثورة هايتي هي تمرد العبيد الوحيد الذي أدى إلى تأسيس دولة خالية من العبودية ولا يحكمها البيض، ورغم إنها كانت من أغنى المستعمرات الأوربية لكنها تدهورت اقتصاديا بعد الاستقلال، كما شهدت اضطرابات متكررة وعدة انقلابات واغتيالات، وحاليا هي من أفقر دول العالم وتنشر بها الجرائم والعنف.
* الثورات في حياة الروس: الإمبراطورية القيصرية الروسية كانت من كبريات الإمبراطوريات في التاريخ من حيث المساحة، وقد توسعت لتغطي أراضي شاسعة من أوربا وآسيا وحتى أمريكا الشمالية، حيث بلغت مساحتها أكثر من اثنين وعشرين مليون كيلو متر مربع أي ما يعادل نحو سدس مساحة اليابسة على كوكب الأرض، ومن يحكمها كان يلقب بالقيصر، والذي يعتبر حاكما بموجب التفويض الإلهي، أي أن سلطته تستمد من الله لا من الشعب، وتتركز كافة السلطات في يده، فهو الحاكم الأعلى سياسيا وعسكريا ودينيا بل هو حامي الدين، ونظام الحكم ملكي مطلق، لا برلمان حقيقي ولا ديمقراطية، قائم على الإقطاع والفلاحين الفقراء. اندلعت في شهر فبراير من عام 1917م من دون خطط رسمية أو قيادة محددة ثورة شعبية جارفة، والتي يمكن اعتبارها مؤشرا على حقيقة أن الشعب الروسي كان قد اكتفى تماما من النظام القائم، قامت بها الجماهير الروسية الجائعة منهية بذلك الحكم القيصري وأقامت مكانه حكومة مؤقتة، ومن المهم أن نذكر إنه عندما فقدت الشرطة السيطرة على الوضع، وجهت الأوامر للجيش بالتدخل، لكن الجنود الذي تم إرسالهم من قبل الحكومة لقمع أعمال الشغب كثير منهم انضموا إلى المتظاهرين وأطلقوا النار على الشرطة، وفي أكتوبر من نفس العام قامت ثورة ثانية أزال على أثرها البلاشفة الحكومة المؤقتة واستبدلوها بحكومة اشتراكية، تلا ذلك الفصل الأخير من الثورة وهو الحرب الأهلية الروسية والتي استمرت منذ عام 1918 حتى عام 1922م حتى استقر الوضع، وتحولت روسيا إلى أول دولة شيوعية في العالم، رغم تدخل قوى أجنبية مثل بريطانيا وفرنسا واليابان والولايات المتحدة لدعم المعارضين للبلاشفة. وقد شهدت روسيا فيما بعد تمردات واحتجاجات واضطرابات، وفي الفترة من عام 1985م حتى عام 1991م شهدت إصلاحات أدت إلى انفتاح شعبي، وظهور مظاهرات تطالب بالديمقراطية والحريات، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1993م حدث توتر بين رئيس روسيا في ذلك الوقت والبرلمان، صدر على أثره مرسوما بحل البرلمان، ورد البرلمان عليه بعزل الرئيس من منصبه وتعيين نائبه السابق رئيسا، بدأت اعتصامات ومظاهرات ومواجهات مسلحة في موسكو واحتل المعارضون مبنى البرلمان الروسي، وحين حاول المتظاهرون السيطرة على محطة التلفزيون الحكومية، أعلنت حالة الطوارئ وأعطت الأوامر للجيش بقصف البرلمان، قتل وجرح البعض وانتهت باستسلام النواب والمعارضون، كما شهدت روسيا فيما بعد العديد من الاحتجاجات والمظاهرات حتى قبل عامين من عامنا هذا، قمعت جميعها حيث تعاملت السلطات معها بالقوة اعتقالات ضرب تهديدات إغلاق منظمات معارضة.
* الثورات في حياة دول أوروبا الشرقية: شهدت في أواخر الثمانيات وبداية التسعينات من القرن الماضي موجة من الثورات أطاحت بالأنظمة الشيوعية وحكم الحزب الواحد، والتي كانت نقطة تحول في تاريخ أوربا، وفيما بعد سقوط الشيوعية شهدت هذه الدول احتجاجات وثورات جزئية أو موجات غضب شعبي للمطالبة بالديمقراطية ورفض إعادة إنتاج الاستبداد بوجه جديد ومقاومة الفساد. من هذه الدول بولندا بدأت سلسلة من الإضرابات والمفاوضات وسقط الحكم الشيوعي وبدأت مرحلة التحول إلى اقتصاد السوق والانضمام للاتحاد الأوربي. تشيكوسلوفاكيا بعد سقوط الشيوعية انفصلت البلاد إلى جمهورية التشيك وسلوفاكيا. رومانيا حدث بها انتفاضة عنيفة تم خلالها إعدام الحاكم وزوجته ومع بقاء بعض رموز النظام السابق في الحكم كان الانتقال للديمقراطية صعبا. بلغاريا حدث بها تظاهرات سلمية وبدأ الانتقال التدريجي نحو الديمقراطية وتعدد الأحزاب. ألبانيا تظاهرات واحتجاجات وموجات هجرة جماعية وانهيار النظام الشيوعي وبداية نظام ديمقراطي هش وغير مستقر تبعه اضطرابات كثيرة في التسعينات.
* الثورات في حياة المجريين: قامت بالمجر عدة ثورات من أبرزها ثورة 1848م -1849م ضد الحكم النمساوي، وتم قمع الثورة بقوات عسكرية مشتركة من النمسا وروسيا القيصرية، وثورة عام 1956م ضد النظام الشيوعي الموالي للاتحاد السوفيتي، بدأت كمظاهرة طلابية ضخمة سرعان ما انضم إليها المواطنين، حدثت اشتباكات مع الشرطة وبدأت أعمال العنف إلى أن رد السوفيت باجتياح الدبابات السوفيتية المجر مما أدى إلى قتل وجرح وفرار المئات من المجريين واعتقال وإعدام قادة الثورة، في أواخر ثمانيات القرن الماضي تفكك وانهيار النظام الشيوعي تم انتقال سلمي نحو الديمقراطية والسماح بتعدد الأحزاب وإجراء انتخابات حرة.
* الثورات في حياة اليوغوسلافيين: شهدت يوغوسلافيا عدة انقلابات وثورات في العهد الملكي، منها انقلاب عام 1903م على يد ضباط قوميين صربيين واغتيل الملك وزوجته، وفي عام 1918م تأسست مملكة من عدة قوميات الصرب الكروات السلوفينيين، عام 1929م تغير الاسم إلى يوغوسلافيا وتأسس نظاما ملكيا مطلقا علق البرلمان وألغى الدستور، عام 1934م اغتيال الملك على يد قوميين كروات وثوار مقدونيين تلك الحادثة التي أشعلت التوترات العرقية. وتلي ذلك اضطرابات سياسية وتزايد نفوذ الفاشية والنازية في المنطقة خاصة مع دعم ألمانيا لبعض القوميين الكروات. ومنذ عام 1941 حتى عام 1945م قامت ثورة مسلحة ضد الاحتلال الألماني الإيطالي وقوات الحكومة المتعاونة معهم وتم تحرير يوغوسلافيا وأنشئت جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية. ومنذ عام 1991م انهارت يوغوسلافيا عبر حروب أهلية وانفصال الجمهوريات وليس من خلال ثورات تقليدية، والدول التي انفصلت هي سلوفينيا عام 1991م انفصال شبه سلمي، كرواتيا عام 1991م حرب دموية، البوسنة والهرسك 1992م حرب إبادة جماعية، مقدونيا 1991م انفصال سلمي نسبيا، الجبل الأسود وصربيا 2006م، كوسوفو عام 2008م بعد نزاع طويل، فلم تشهد يوغوسلافيا ثورة موحدة تسقط النظام الشيوعي كما في دول أوربا الشرقية، ولكنها شهدت تفكك دمويا عبر حروب قومية وطائفية وانتفاضات شعبية.
* الثورات في حياة الكوريين: كانت كوريا مستعمرة يابانية منذ عام 1910م وانتهى احتلالها بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945م، ومنذ ذلك الوقت اتفقت أمريكا والاتحاد السوفيتي على تقسيم كوريا على طول خط العرض 38 شمالا إلى الشمال تحت إدارة الاتحاد السوفيتي والجنوب تحت إدارة الولايات المتحدة، وفي عام 1950م غزت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية في محاولة لتوحيد شبه الجزيرة بالقوة، وانتهت الحرب عام 1953م بالهدنة وأعيد رسم الحدود حول الخط العرض 38 مرة أخرى. ومازال الوضع قائما هكذا إلى الآن، وشهدت كوريا الجنوبية ثورة عام 1960م وانقلابا عسكريا عام 1961م ومظاهرات عام 1980م وثورة عام 1987م أدت إلى إصلاحات ديمقراطية حقيقية دفعت بكوريا الجنوبية “جمهورية كوريا” لتكون دولة ديمقراطية متقدمة بعد أن تجاوزت الحكم العسكري والثورات الشعبية. أما كوريا الشمالية “جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية” فلم تشهد أي ثورات بسبب القمع الصارم للشعب والحكم بقبضة حديدية.
* الثورات في حياة الصينيين: قامت في الصين من بين عام 1850م حتى عام 1864م واحدة من أعنف الثورات في التاريخ الإنساني، خلفت ملايين الضحايا، كانت خليطا من التمرد الديني والاجتماعي والسياسي ضد نظام الحكم القائم وقمعت بالجيش والدعم الأوربي، ومن بين عام 1899م حتى عام 1901م كانت حركة تمرد ضد النفوذ الأجنبي والمسيحية وبتحالف من عدة دول أجنبية سحقت عسكريا، وفي عام 1911م قامت ثورة ضد الحكم الإمبراطوري في الصين وأنهت أكثر من ألفي عام من الحكم الإمبراطوري، وأسفرت عن إعلان الجمهورية الصينية، وقد حدث صراع بين الحزب الشيوعي الصيني والحزب القومي الصيني في شبه حرب أهلية، بدأت مرحلتها الأولي عام 1927م وبسبب الغزو الياباني توقفت عام 1937م، وبعد استسلام اليابان بدأت المرحلة الثانية منذ عام 1945م وانتهت عام 1949م بانتصار الشيوعية وتأسيس الجمهورية الصينية وانسحاب الحزب القومي إلى تايوان، وتمكن الشعب الصيني من أن يحقق للمرة الأولى في تاريخه تحرره الكامل من الهيمنة الأجنبية، ومنذ عام 1966 حتى عام 1976م كانت هناك حملة تطهير للدولة من الرأسمالية والبرجوازية أدت إلى اضطرابات اجتماعية واسعة وسقوط ضحايا، وفي عام 1989م اندلعت مظاهرات بقيادة طلابية تطالب بالمزيد من الحرية السياسية وتمركزت في ميدان تيانانمن، مما دفع بالحكومة إلى استخدام الجيش للدبابات لإخلاء الميدان مما أدى إلى مقتل آلاف الضحايا، وانفضت الاحتجاجات.
* الثورات في حياة الهنود: شهدت الهند عبر تاريخها الطويل عدة ثورات وانتفاضات ضد الاستعمار وضد الأنظمة الحاكمة بعضها ذو طابع شعبي واسع والبعض الآخر محدود النطاق، منها ثورة عام 1857م انتهت بالفشل ورسخت الحكم البريطاني المباشر، وأعقبها فيما بعد ثورات ضد الإقطاعيين أو ضد الاستعمار البريطاني، ثم بدأت حركة اللاعنف بقيادة غاندي منذ عام 1920م حتى عام 1947م استخدم فيها أسلوب المقاومة السلمية ضد الاحتلال البريطاني بمقاطعته ومقاطعة منتجاته، كما ظهرت إلى جانب حركة غاندي، حركات أخرى ثورية مسلحة ضد رموز الاحتلال البريطاني، أدت هذه التحركات مجتمعة إلى استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947م، وما أن تحقق الاستقلال حتى أقامت الهند بعده نظاما ديمقراطيا برلمانيا تتداول السلطة فيه عبر الانتخابات العامة، وبقي الجيش تحت سلطة الحكومة المدنية، كما لديها دستور أقر عام 1950م وتعددية حزبية، ولذا لم تشهد أي انقلابات عسكرية للاستيلاء على الحكم، ولكنها شهدت بعد الاستقلال حركات احتجاجية شعبية وحركات طلابية وحركات انفصالية مسلحة، حيث يشهد إقليم جامو وكشمير انتفاضات شعبية ومسلحة للمطالبة بالاستقلال أو الانضمام إلى باكستان، كما طالب السيخ في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي بإنشاء دولة مستقلة في إقليم البنجاب، وفي عام 1967م قام بعض المتمردين بمحاولة إسقاط الدولة وإقامة نظام شيوعي، كما شهدت احتجاجات للفلاحين وثورات طلابية وشعبية متنوعة خلال الأعوام منذ عام 2019م حتى عام 2021م منها ما هو ضد تهميش المسلمين وسياسات الهندوسية القومية.
* الثورات في حياة الباكستانيين والبنجلادشيين: كانتا جمهورية باكستان وجمهورية بنجلاديش جزءا من الهند البريطانية والتي كانت تحت الاحتلال والاستعمار البريطاني حتى منتصف القرن العشرين، وفي ظل تنامي الحركة القومية الهندية برز الحزب الإسلامي بقيادة محمد علي جناح مطالبا بدولة مستقلة للمسلمين في شبه القارة، وفي عام 1947م تم تقسيم الهند البريطانية إلى الهند ذات أغلبية هندوسية وباكستان ذات أغلبية مسلمة والأخيرة تشمل باكستان الغربية باكستان حاليا وباكستان الشرقية حاليا بنجلاديش، حصلت باكستان على استقلالها عن بريطانيا عام 1947م، وفي عام 1971م أعلنت بنجلاديش الاستقلال، واندلعت حرب لتحريرها دعمتها الهند ضد باكستان، وبعد تدخل الجيش الهندي وهزيمة القوات الباكستانية تم إعلان جمهورية بنجلاديش في نفس ذات العام. وقد شهدت باكستان منذ استقلالها عام 1947م العديد من الانقلابات وبعض الانتفاضات الشعبية وكان للجيش دور محوري في الحياة السياسية، شهدت انقلابات أعوام 1958م وعام 1977م وعام 1999م، كما شهدت انتفاضات منذ عام 2007م إلى 2009م استقال على أثرها قائد الانقلاب الأخير برويز مشرف، وفي عام 2010م اندلعت مظاهرات بسبب الفساد وسوء الخدمات، وشهدا عامي 2022م و2023م احتجاجات وحملات جماهيرية ضد المؤسسة العسكرية ولكنها لم تحقق المرجو منها.
ومنذ استقلال بنجلاديش عام 1970م شهدت هي الأخرى عدة انقلابات منهم ثلاث انقلابات في عام واحد 1975م واستمر قائد الانقلاب الثالث الجنرال ضياء الحق في الحكم حتى اغتياله عام 1981م، ثم انقلاب رابع عام 1982م حكم البلاد بقبضة عسكرية إلى أن قامت مظاهرات شعبية ضده عام 1990م اضطر للتنحي وعادت الديمقراطية التعددية للبلاد.
* الثورات في حياة الإيرانيين: من أهم الثورات التي شاهدتها إيران كانت ما بين عام 1905م إلى عام1911م لتأسيس برلمان إيراني وصدور دستور ولكنها أجهضت بتدخل روسي وقمع داخلي، ومنذ عام 1921م حتى عام 1925م مرحلة ظهور الشاه وتأسيس الأسرة البهلوية حيث كان ضابطا في الجيش وقاد انقلابا عسكريا، في عام 1941م غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران وأجبرت الشاه على التنازل عن الحكم لابنه، عام 1953م حدث انقلاب مدعوم من المخابرات الأمريكية والبريطانية أعاد الشاه إلى الحكم المطلق، ويعتبر عام 1979م هو عام سقوط حكم الشاه وإعلان الجمهورية الإسلامية، والتحول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري واستبداله بالجمهورية الإسلامية، حيث نشبت في 7 يناير 1978م ثورة واستمرت حتى فبراير 1979م شاركت فيها فئات مختلفة من جموع الشعب، وسبق ذلك بعدة شهور مظاهرات، وتطورت إلى حملة المقاومة المدنية التي شملت كلا من العناصر العلمانية والدينية، ولحق ذلك إضرابات ومظاهرات شلت البلاد، وغادر الشاه إيران، وعاد آية الله الخميني إلى طهران بعد أربعة عشر عاما قضاها في المنفى بترحيب من ملايين الإيرانيين، ولتتحول إيران إلى ما صارت عليه حتى الآن، ومع ذلك لم تنته الاحتجاجات من إيران فحدثت عام 1999م وأخرى عام 2009م واحتجاجات اقتصادية واجتماعية أعوام 2017م و2018م و2019م وأخيرا وليس آخرا احتجاجات عامي 2022م و2023م، وجميعها قمعت بشدة وشهدت قتلى وجرحى واعتقالات.
* الثورات في حياة الأتراك: كانت تركيا مركز الخلافة العثمانية التي تعد من أعظم الإمبراطوريات الإسلامية عبر التاريخ والتي استمرت أكثر من ستة قرون من عام 1299م حتى عام 1924م، بعد أن فتح السلطان محمد الفاتح مدينة القسطنطينية عام 1543م والتي عرفت فيما بعد باسم اسطنبول، نقل العثمانيون عاصمتهم إليها، وفي عهد سليم الأول عام 1517م وبعد انتصاره على المماليك وضمه للحجاز ومصر والشام نقلت الخلافة رسميا إلى العثمانيين، وأصبح السلطان العثماني يلقب بخليفة المسلمين، وشملت أيضا العراق وشمال أفريقيا والبلقان واليونان وأجزاء من أوربا الشرقية بالإضافة إلى أسيا الصغرى “الأناضول” تركيا الحالية، وقد شهدت تركيا عدة ثورات وانقلابات وأحداثا كبرى عبر تاريخها الحديث، ففي خلال عامي 1908م – 1909م حدث انقلاب مدني عسكري قام به جمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد الثاني وأجبر على التنازل عن العرش في 1909م، وبدأت عملية علمنة الدولة وتقليص النفوذ الإسلامي، وفي عام 1918م احتلت تركيا من اليونان وفرنسا وبريطانيا ومعهم إيطاليا، ومنذ عام 1920م حدثت ثورة جماهيرية بل حرب استقلال قادها كمال أتاتورك ضد الاحتلال، انتهت بتحقيق نصر عسكري وهزيمة ساحقة لليونان وانسحاب فرنسا وبريطانيا ومن قبلهما إيطاليا. ومنذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923م وإنهاء الخلافة العثمانية عام 1924م، أصبح ينظر للجيش على إنه حارس العلمانية والدولة الكمالية، وكان يتمتع بنفوذ قوي في السياسة وسلطة على الأحزاب والسياسين وشبكة نفوذ واسعة في القضاء والتعليم والإعلام، ولكن رجال الجيش لم يكن لهم هدف حكم البلاد بأنفسهم ويدركون أهمية وجود تأييد شعبي للحكم، وقد حدثت عدة انقلابات عسكرية في عام 1960م، وآخر في عام 1971م، وثالث عام 1980م تم على أثره تجميد الحياة السياسية والدستور وإعدام العشرات، ورابع عام 1997م كان ضغطا من الجيش على الحكومة لإرغامها على الاستقالة وتم ذلك، ووراء كل انقلاب كانوا يكتبون دستورا جديدا ويجرون انتخابات، ومنذ عام 2002م جرى تفكيك تدريجي لنفوذ الجيش وحدثت تعديلات دستورية أصبح البرلمان أكثر قوة وباتت الانتخابات أكثر تحررا من قبضة العسكر، وفي عام 2016م حدثت محاولة انقلاب قامت به مجموعة داخل الجيش، وفشلت بعد ساعات بسبب تحرك جماهيري واسع ودعم القوات الموالية للحكومة، تلتها حملة تطهير واسعة في الجيش والقضاء والتعليم، لم تحدث في تركيا ثورة شعبية شاملة لإسقاط النظام وكانت الانقلابات العسكرية هي البديل، ولوجود تركيا في حلف الناتو كان هناك ضغط باستمرار لاحترام الآليات الديمقراطية.
* الثورة العربية الكبرى عام 1916م: بداية لا يمكن اختزال تلك الثورة باسم بلد معين لأنها شملت مناطق واسعة من الحجاز وامتدت إلى بلاد الشام “الأردن سوريا فلسطين” فهي ثورة عربية مسلحة قادها الشريف الحسين بن علي، أمير مكة، بدعم من بريطانيا ضد الدولة العثمانية، بغرض الاستقلال عن الحكم العثماني وتكوين كيان عربي مستقل، ويكون هو حاكم عليه وأولاده، ولكن وما قام به فعلا أنه أخرج الدول العربية من مظلة الخلافة العثمانية، وأوقعهم في براثن الانتداب البريطاني والفرنسي، وتم تقسيم العالم العربي إلى كيانات صغيرة خاضعة للاستعمار بدلا من أن يكون دولة عربية موحدة، كما تبددت أحلامه وأحلام العائلة الهاشمية في حكم البلاد، ففي بلاد الحجاز تمكن آل سعود من تغير الحكم والسيطرة عليه عامي 1924م -1925م، وفي سوريا بعد أن أعلن ابنه فيصل ملكا عليها هاجمته القوات الفرنسية وهزمته وسقط حكمه وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، ومن ثم تم تعينه ملكا على العراق من جانب البريطانيين إلى إن توفى وورث أبناؤه العرش واحد وراء آخر حتى قيام ثورة 1958م التي أنهت الحكم الهاشمي بها. ولم يبق من العائلة الهاشمية إلا أحد أفرعها وهو عبد الله بن الحسين بن علي الهاشمي حينما عين أميرا على شرق الأردن ويتوارث أبناؤه وأحفاده الحكم حتى الآن، وظلت العراق تحت الانتداب البريطاني إلى عام 1932م وظلت الأردن تحت نفس الانتداب حتى عام 1946م، وظلت فلسطين هكذا أيضا حتى سلمتها بريطانيا لليهود، ومازال العالم كله حتى يومنا هذا يعاني من استيلاء اليهود على فلسطين واحتلالهم لها.
* الثورات في حياة العراقيين: اندلعت في مايو 1920م، ثورة ضد الاحتلال البريطاني، لنيل الاستقلال، وبالرغم من اتساع نطاقها إلا إنها سحقت وفشلت، واستقل العراق رسميا عام 1932 عن طريق معاهدة بينه وبين بريطانيا، مع وجود تأثير بريطاني قوي سياسيا واقتصاديا وعسكريا بالعراق، بعدها مر الحكم في العراق بمرحلة الملكية من عام 1932م إلى عام 1958م والذي انتهى بإعدام الملك فيصل الثاني سليل العائلة الهاشمية، ثم جاءت مرحلة الجمهورية العسكرية، وشهد العراق عدة انقلابات أثناء الملكية وبعدها، في أعوام 1936م و1941م و1958م و1963م ثم انقلاب لحزب البعث عام 1968م حيث كان صدام نائبا لحزب البعث ثم تولى صدام الحكم منذ عام 1979م حتى عام 2003م وكان لا يتوانى عن استخدام القوة المفرطة لتصفية خصومه، إلى أن احتل العرق من أمريكا عام 2003م، وقد واجهت القوات الأمريكية مقاومة شديدة من بعض الفصائل العراقية ونتيجة لضغوط من الأمريكيين أيضا، وقعت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية اتفاقية انسحاب من المدن العراقية بحلول نهاية عام 2011م، ومنذ الاحتلال تول الحكم في العرق شخصيات من مختلف الطوائف والعرقيات، حيث إن الرئيس منصب شرفي والسلطة الفعلية في يد رئيس الوزراء. وآخر ما شاهدته العراق كان في أكتوبر من العام 2019م حيث شهدت مظاهرات احتجاجا على تردي الأوضاع بالبلد.
* الثورات في حياة السوريين: امتدادا للثورات السورية التي بدأت منذ أن وطئت قوات الاستعمار الفرنسي الساحل السوري في أوائل عام 1920م، انطلقت في 21 تموز عام 1925م ثورة سورية كبرى واستمرت حتى أواخر حزيران عام 1927م، ولكنها لم تؤتى بالنتائج المرجوة وانتهت بانتصار سلطات الانتداب الفرنسي عسكريا، وفيما بعد نالت سوريا استقلالها بعد ضغوط دبلوماسية دولية من بريطانيا وأمريكا والأمم المتحدة حتى تمام انسحاب القوات الفرنسية من سوريا عام 1946م. وعاشت سوريا منذ عام 1949م حتى عام 1970م في ظل عدة انقلابات عسكرية حتى سميت جمهورية الانقلابات، حتى وصل حافظ الأسد إلى الحكم في سوريا عبر انقلاب عسكري أيضا. وفي عام 1982م قامت قوات الجيش السوري بقصف مدينة حماة السورية بالمدفعية والدبابات والطيران لعدة أسابيع، مما أسفر عن مقتل عشرات الألوف وتدمير أحياء بأكملها حيث سويت بالأرض خلافا للإعدامات الميدانية والاعتقالات الجماعية واختفاء المئات، وبعد وفاته استقرت الأمور إلى تولي ابنه بشار عام 2000م الحكم بعد تعديل الدستور بتخفيض سن المرشح للرئاسة حتى يتمكن بشار من الترشيح. ثم حدثت ثورة سورية بدأت منذ عام 2011م باحتجاجات شعبية بسيطة ضد نظام الحكم في إطار ثورات الربيع العربي، ولكنها واجهت قمعا عنيفا من قبل الحكومة، مما أدي إلى تحولها إلى صراع مسلح بين النظام والمعارضة ومن ثم إلى حرب أهلية، خاصة بعد حدوث انشقاقات من الجيش السوري، والتفاف المعارضة حوله وميولهم إلى حمل السلاح، واستمرت هكذا حتى ديسمبر من عام 2024م، بسقوط نظام الحكم والحاكم وهروبه خارج البلاد.
* الثورات في حياة الجزائريين: ثار الجزائريون ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1954م حتى عام 1962م حتى حققوا الاستقلال، ويطلق عليها ثورة المليون شهيد لكثرة عدد شهدائها الذين قدموا أرواحهم فداء لوطنهم، وقد حازت بدعم من مصر والمغرب وتونس والاتحاد السوفيتي، ورغم استقلال الجزائر إلا أن فرنسا احتفظت بنفوذ ثقافي واقتصادي فيها، كما إن كثير من النخب الجزائرية تخرجت من المدارس الفرنسية وتبنت الفكر الفرنكفوني، تول الحكم في الجزائر بعد الاستقلال عدد من القادة والرؤساء منهم من جاء بانقلاب عسكري استمر في الحكم لاثنتي عشرة عاما حتى وفاته، ومنهم من مكث في الحكم عشرة أعوام أكثر من نصفها مصاب بعدم قدرة على الحركة والكلام وقعيد على كرسي متحرك، ورغم ذلك ترشح في الانتخابات، وفاز بولاية رئاسية رابعة عام 2014م، حتى أجبر على الاستقالة بعد احتجاجات شعبية في عام 2019م. ومن المآسي التي ألمت بالشعب الجزائري، ولم تكن من فعل مستعمر أجنبي، بل كانت بفعل من أبناء الوطن، في عام 1991م عندما أجريت انتخابات برلمانية حققت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية فوزا مؤكدا، مما حدا بالجيش الجزائري التدخل لإلغاء الانتخابات، وتم حظر جبهة الإنقاذ واعتقال أعضائها، ومع بداية عام 1992م بدأ صراع مسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لجبهة الإنقاذ الإسلامية، ولم يتوقف القتال إلا عام 2002م مخلفا عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين غير حالات التعذيب والاغتصاب والهجرة الداخلية ولذا سميت بالعشرية السوداء. كما سبق للجيش الجزائري أن فض باستخدام الذخيرة الحية أيضا انتفاضة اندلعت عام 1988م وامتدت لعدة أيام، مما أسفر عن مقتل المئات، والتي كانت هي السبب في التحول من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددي، والذي كان سببا في فوز الإسلاميين بالانتخابات والتي ألغاها الجيش وسببت في اشتعال الحرب الأهلية كما بينا سابقا.
* الثورات في حياة التونسيين: استقلت تونس عام 1956م بعد نضال طويلة قادة الشعب التونسي ضد الاستعمار الفرنسي الذي بدأ منذ عام 1881م، وفي عام 1957م ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية بقيادة الحبيب بورقيبة والذي استمر في الحكم حتى عام 1987م وتقدم زين العابدين بن علي بما يثبت عدم كفاءة الحبيب بورقيبة للحكم وتولاه هو منذ عام 1987م أعيد انتخابه عدة مرات عبر انتخابات مشكوك في نزاهتها، وفي ديسمبر من عام 2010م أقدم شاب على إحراق نفسه احتجاجا على تصرفات رجال الشرطة معه، وأشعلت وفاته احتجاجات شعبية عارمة، فر على أثرها بن علي خارج البلاد وسقط نظامه، وأطيح به في يناير 2011م، تم إعداد دستور جديد عام 2014م وحدثت انتخابات حرة فاز فيها المنصف المرزوقي ثم الباجي قائد السبسي والذي توفي أثناء حكمه حتى وصلت لقيس سعيد عام 2019م والذي انعطف بالبلاد منعطفا ديكتاتوريا، ولم تخل فترة حكمه من احتجاجات رافضة لسياساته.
* الثورات في حياة الليبيين: استقلت ليبيا عام 1951م ونالت استقلالها عبر الأمم المتحدة، وكانت ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي من عام 1911م حتى عام 1943م ثم تحت إدارة بريطانيا وفرنسا حتى الاستقلال، حكمها بعد الاستقلال الملك إدريس السنوسي حتى عام 1969م وأطيح به في انقلاب عسكري، قام به معمر القذافي والذي استمر في الحكم مدة أكثر من أربعين سنة وقتل في 2011م خلال الثورة الليبية. ودخلت ليبيا في حالة من الانقسام والصراع على السلطة ولا تزال ليبيا تعاني من الانقسام بين حكومتين حكومة الوفاق الوطني غرب ليبيا طرابلس والمعترف بها دوليا، والحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر شرق ليبيا بنغازي وطبرق، شهدت البلاد حروبا أهلية متقطعة خاصة مع محاولات حفتر دخول طرابلس في 2019م، تورطت قوى خارجية في دعم طرفي الصراع، في أكتوبر 2020م تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار دائم برعاية الأمم المتحدة، وفي مارس 2021م تشكلت حكومة وحدة وطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة بهدف توحيد البلاد وتهيئة الأجواء للانتخابات، ولكنها لم تتم، انقسمت الحكومة مجددا في 2022م حيث تم تعيين فتحي باشاغا من قبل البرلمان في طبرق كرئيس حكومة موازية، وبقى عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، ولا تزال تعاني ليبيا من انقسام سياسي اقتصادي أمني مع غياب سلطة موحدة تسيطر على كامل البلاد.
* الثورات في حياة اليمنيين: كان اليمن في أغلب مراحله التاريخية وحدة واحدة من الناحية الجغرافية والثقافية، وفي بداية القرن العشرين وبسبب الاستعمار والتدخلات الأجنبية انقسم اليمن إلى شمال اليمن وكان تحت حكم الإمامة الزيدية، وجنوب اليمن وكان تحت الاحتلال البريطاني. وفي عام 1962م قام مجموعة من الضباط اليمنيين بقيادة المشير عبد الله السلال بانقلاب عسكري ضد النظام الملكي في شمال اليمن وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية، وأعقب ذلك حرب أهلية استمرت ثمان سنوات بين أنصار الجمهورية مدعومين من مصر وأنصار الملكية المدعومين من السعودية والأردن، انتهت الحرب في عام 1970م، بتوقيع اتفاقية لتقاسم السلطة بين الجمهوريين والملكيين، وأُعلن عن قيام الجمهورية العربية اليمنية بشكل رسمي. أما جنوب اليمن فنال استقلاله عام 1967م بالانسحاب البريطاني، وتأسست جمهورية اليمن الجنوبية الديمقراطية الشعبية، والتي شهدت هي الأخرى صراعات وانقلابات داخلية أبرزها أحداث يناير عام 1986م حيث اندلعت حرب أهلية قتل فيها آلاف المدنيين والعسكريين. كما شهد اليمن وقوع حربين حدوديتين بين جنوب اليمن وشمال اليمن عامي 1972م و1979م. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في أواخر ثمانينات القرن الماضي دفع شمال اليمن لبدأ مفاوضات بشأن الوحدة مع الجنوب، وفي 22 مايو 1990م تم إعلان الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه وتأسست الجمهورية اليمينية برئاسة علي عبد الله صالح. وبالرغم من ذلك كانت هناك محاولة للانفصال من الجنوب ولكن الوحدة فرضت عسكريا. وفي عام 2011م بدأت المظاهرات ضد علي عبد الله صالح إلى أن تنحى في 2012م وانتخب آخر رئيس توفيقا، ولكن الصراعات الداخلية لم تنته بل زادت سوءا حيث ظهرت حركة الحوثيين عام 2014م الذين سيطروا على معظم شمال اليمن بما في ذلك العاصمة صنعاء، ثم بدأت المعارك بين الحوثيين وقوات التحالف بقيادة الإمارات للسيطرة على ميناء الحديدة. واليمن الآن منقسم بين الحوثيين يسيطرون على صنعاء وشمال اليمن، وحكومة شرعية تسيطر على مأرب وبعض المناطق من الجنوب، ومجلس انتقالي جنوبي يسيطر على عدن ومناطق جنوبية أخرى بدعم إماراتي.
* الثورات في حياة المصريين: الثورة العرابية عامي1881- 1882م في مصر، كانت ثورة ضد الاستبداد الداخلي المتمثل في الخديوي توفيق الحاكم على مصر يومئذ، وضد التدخل الخارجي في شئون البلاد المتمثل في تحكم الأتراك والشراكسة في الجيش وتزايد النفوذ الأوربي في الإدارة والاقتصاد المصري، تزعمها أحمد عرابي واعتبرتها إنجلترا تهديدا لمصالحها فقامت عام 1882م بالتدخل العسكري واحتلت مصر، وفشلت الثورة وانتهت بالقبض على أحمد عرابي وزملائه وكافة قادة الثورة، وصدر قرار بإعدامهم وتحول إلى النفي. وفي عام 1919م ثار المصريون ضد الاحتلال الإنجليزي للمطالبة بالاستقلال، وتصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وقد حققت تلك الثورة بعض النتائج منها إعلان دستور عام 1923م وإلغاء بريطانيا الحماية المفروضة على مصر منذ 1914م، ولكنها لم تحقق الاستقلال التام، فقد ظلت القوات البريطانية متواجدة في مصر، حتى قيام حركة الضباط الأحرار في يوليو عام 1952م والتي أنهت الحكم الملكي ووقعت اتفاقية الجلاء مع بريطانيا لجلاء قواتها والذي تحقق يوم 18 يونيو 1956م. كما شهدت مصر عدة مظاهرات منها عام 1954م وعام 1968م ومظاهرات 18و19 يناير عام 1977م واحتجاجات مجندي الشرطة عام 1986م، وفي عام 2011م قام المصريون بثورة واستمرت الاحتجاجات بعدها حتى عام 2013م، كما شهدت مصر مظاهرة في عام 2019م، وبالمقارنة بين وضع مصر الدولي المتمثل في مكانتها بين الدول والاقتصادي المتمثل في قيمة العملة ووضعها السياسي المتمثل في وجود برلمان ودستور قوي ووجود أحزاب قوية وفعالة، ووضعها العلمي الثقافي المتمثل في عدد المفكرين والأدباء، وسائر أوضاعها الأخرى في مختلف الميادين، خلال المائة عام السابقة يتبن لنا إن ما مر على مصر من ثورات أ كانت نعمة أم نقمة على المصريين.
* الثورات في حياة السودانيين: الثورة المهدية بالسودان 1881-1889م كانت حركة دينية وسياسية قادها محمد أحمد المهدي ضد الحكم المصري في السودان، هدفت الحركة إلى استعادة الحكم الإسلامي والعدالة، والقضاء على الفساد والظلم الذي كان يعاني منه الشعب السوداني، حققت الثورة انتصارات كبيرة، وتمكنت من السيطرة على الخرطوم، وأسسوا حكومتهم الإسلامية والوطنية وعاصمتها أم درمان، وإقامة دولة المهدية، حافظت الحكومة المهدية على السيادة والسيطرة على الأراضي السودانية حتى أنهي وجودها من قبل القوات الانجليزية والمصرية عام 1898م، وبعد فترة من الحكم الثنائي بريطاني مصري كانت بريطانيا صاحبة النفوذ الحقيقي فيها، جاء الاستقلال في 1 يناير عام 1956م نتيجة مسار سياسي تفاوضي سلمي لا عن طريق ثورة مسلحة، حيث طالبت حكومة الضباط الأحرار في مصر بحق تقرير المصير للسودانيين مما دفع بريطانيا للموافقة على ذلك. وعلى الرغم أن السودان من الدول القليلة التي نالت استقلالها بدون عنف أو ثورات، إلا أنها دخلت بعد الاستقلال في سلسلة من الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية الطويلة. ومنذ حكم السودانيين السودان منذ عام 1956م لم يستقر الحكم فيها فترة طويلة من الزمن حيث شهدت العديد من الانقلابات العسكرية وكلما تسلم المدنيون السلطة ولو عن طريق العسكريين، سرعان ما يحن عسكريون آخرون للانقلابات ليقضوا على أي أمل للحكم المدني، وكلما حاول الشعب انتزاع الديمقراطية واجه تدخلا عسكريا.
نال السودان استقلاله من الحكم البريطاني المصري عام 1956م وأعلن برلمان منتخب برئاسة إسماعيل الأزهري. عام 1958م قام الجنرال إبراهيم عبود بانقلاب عسكري وأطاح بالحكومة المدنية. عام 1964م ثورة شعبية سلمية قادها الطلاب والنقابات أجبرت عبود على التنحي، وتم تشكيل حكومة انتقالية مدنية، عام 1969م قام العقيد جعفر النميري بانقلاب عسكري. عام 1971م محاولة انقلاب شيوعي فاشلة بقيادة هاشم العطا أدت إلى مجازر واعتقالات واسعة. عام 1985م أطاحت انتفاضة شعبية واسعة بنظام النميري بقيادة النقابات والطلاب والجيش وتم تشكيل مجلس عسكري انتقالي بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب. عام 1989م قاد عمر البشير انقلابا عسكريا وأطاح بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، استمر حكم البشير ثلاثين عاما شهد صراعات أهلية وعزلة دولية. عام 2018م اندلعت الاحتجاجات وتحولت إلى ثورة شعبية شاملة. في عام 2019 أطاح الجيش بالبشير وشكل مجلس عسكري انتقالي، تم التواصل بين قوى الثورة والمجلس العسكري على تشكيل مجلس سيادي مختلط وحكومة بقيادة عبد الله حمدوك. في أكتوبر من عام 2021م قاد عبد الفتاح البرهان انقلابا ضد الحكومة الانتقالية وبهذا الانقلاب أعاد الحكم العسكري إلى الواجهة مرة أخرى، وأشعل موجة احتجاجات جديدة. وفي إبريل عام 2023م اندلعت صراع دموي وحرب مدمرة بين شركاء الأمس، الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان من جانب ومن الجانب الآخر قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، وكل يوم يزاد الصراع اشتعالا وتزداد الأمور سؤ وتتفاقم معاناة الشعب السوداني مما أدى إلى كارثة إنسانية وملايين النازحين وانهيار شبه كامل للدولة، وتهديد لمستقبل السودان كوطن موحد، وذلك كله بفعل بعض الدول الخارجية.
وسبق أن تم تقسيم السودان إلى شمال وجنوب، فمنذ استقلال السودان عام 1956م شهد صراعات متكررة بين الشمال ذي الغالبية العربية المسلمة والجنوب ذي الغالبية الإفريقية والمسيحية أو الوثنية، اندلعت حرب أهلية بين عامي 1955م-1972م ثم هدأت باتفاقية أديس بابا، ثم اندلعت مرة ثانية من بين عامي 1983م حتى عام 2005م بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، انتهت بتوقيع اتفاق سلام بمنح الجنوب حكما ذاتيا وإجراء استفتاء لتقرير المصير بعد ستة سنوات، وأجري الاستفتاء في يناير 2011م بأغلبية مطلقة لصالح الانفصال، ومنذ ذلك الوقت أعلن رسميا استقلال جمهورية جنوب السودان وعاصمتها جوبا.
* الثورات في حياة البحرينيين ودول الخليج: شهدت البحرين عام 2011م ثورة تميزت بخصوصية طائفية قبل أن تكون سياسية واقتصادية، بدأت سلمية وازداد التوتر وتحول الاحتجاج إلى صدام، وطلبت الحكومة مساعدة عسكرية من مجلس التعاون الخليجي، دخلت قوات سعودية وإماراتية وتم فرض حالة الطوارئ وقمع الحراك بالقوة، وحدثت اعتقالات جماعية، وتم تحويل مئات النشطاء لمحاكمات عسكرية ومدنية. ولم تكن هذه هي الأولى في البحرين بل كانت هناك انتفاضة عام 1922م ضد حكم الاستبداد والتمييز ضد الشيعة واجهها الانجليز بالقمع، حركة عام 1954م حتى عام 1956م ضمت السنة والشيعة في جبهة موحدة ضد الاستعمار البريطاني وقمعت أيضا، ثورة عام 1965م ضد الحكم البريطاني واحتكار آل خليفة للسلطة واستمرت عدة أشهر وواجهتها السلطات بالقوة، انتفاضة عام 1994م ودامت لسبع سنوات قتل فيها العشرات وسجن المئات.
ووقعت البحرين تحت الحماية البريطانية منذ عام 1861م ونالت استقلالها عام 1971م، كما كان الحال في الكويت منذ عام 1899م حيث نالت استقلالها عام 1961م، أما قطر فخضعت للحماية البريطانية منذ عام 1916م ونالت استقلالها عام 1971م، وبدأت الحماية البريطانية للإمارات العربية المتحدة منذ عام 1820م واستقلت عام 1971م، ولم تكن عمان محتلة من بريطانيا ولكن كان لبريطانيا نفوذ قوي وبالتالي لم يعلن استقلالها ولكن قل النفوذ البريطاني تدريجي في سبعينيات القرن الماضي، ومع ذلك كان هناك ثورتين مسلحتين ضد السيطرة البريطانية وحكم السلطان عامي 1957م وعام 1965م وقمعا كلاهما. ولم تشهد الكويت ثورات مسلحة ضد البريطانيين، وكذلك الحال في قطر ولكن ظهر في قطر بعض الاحتجاجات الشعبية المحدودة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ضد الحكم المطلق والتبعية البريطانية كما شهدت محاولة انقلاب عام 1963م ولم تنجح، ولم تحدث ثورات جماهيرية كبرى في الإمارات ولكن نشطت بعض القبائل في مقاومة البريطانيين في بدايات القرن التاسع عشر.
* الثورات في حياة الفلسطينيين: وبالطبع لم تخل أرض فلسطين من ثورات ضد المحتل سواء كان البريطاني قبل عام 1948م أو الصهيوني فيما بعد ذلك ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا مما تعد من أطول الثورات والانتفاضات ضد محتل ومن أهمها: ثورة عام 1920م أول انتفاضة فلسطينية ضد البريطانيين واليهود بعد وعد بلفور عام 1917م، ثورة يافا عام 1921م، ثورة البراق عام 1929م ومن بين عامي 1936حتى عام 1939م شهدت جميع أنحاء فلسطين ثورة ضد الإدارة البريطانية، للمطالبة بالاستقلال وإنهاء سياسة الهجرة اليهودية، وجهت بقمع شديد وقتل واعتقل الآلاف، ولم تؤت بالمرجو منها. ومنذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948م ظهرت محاولات فدائية ضد المستوطنات والجيش الإسرائيلي، حتى تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م والتي تولت قيادة ثورة فلسطينية انضمت لها باقي التنظيمات والفصائل الفلسطينية، وبدأت عمليات فدائية ضد الاحتلال خارج وداخل فلسطين، منها معركة الكرامة عام 1968م، كما بدأت انتفاضات شعبية، الأولى من عام 1987م حتى عام 1993م وسميت بانتفاضة الحجارة والثانية منذ عام 2000م حتى عام 2005م وقد شهدت علميات فدائية واشتباكات عنيفة خلفت آلاف الشهداء والجرحى، وبعد فوز حماس في الانتخابات عام 2006م خاضت حروبا مع الكيان الإسرائيلي، وحدثت عدة انتفاضات واحتجاجات أعوام 2015م ومن بين عامي 2018م حتى 2020م وكذلك عام 2021م حيث تصاعدت إلى مواجهة شاملة مع الاحتلال في غزة والضفة والداخل الفلسطيني، وما يميز المقاومة الفلسطينية مشاركة كل فئات الشعب فيها من أطفال ونساء وشيوخ، وقوة تحملهم لأشد أوجه المعاناة من تهجير قسري وهدم منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم فضلا عن التجويع وقطع المياه والكهرباء عنهم ومنع أي إمدادات تأتيهم من الخارج، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة بتاتا بل تطورت لديهم أدوات المقاومة من الحجارة إلى الصواريخ والطائرات المسيرة في السنوات الأخيرة. شعب يأبى الاستسلام يحبون الموت حب أعدائهم للحياة، تقف سيداتهم وأطفالهم في مواجهة العدو المغتصب وقفة رجل لرجل لا يهابوهم ولا يخشونهم، وليس لذلك تفسير إلا انه داخل هذا الشعب جينات تأبى الذل والقهر وأخرى جهادية توارثتها الأجيال المتعاقبة عبر تاريخهم السحيق. وعلى الرغم من ذلك ففي بعض المناطق توجد سلطة فلسطينية محدودة تتهم بأنها تدار بالتنسيق مع الاحتلال وتمنع المقاومة.
* الثورات في حياة الأنغوليين: تقع أنغولا في جنوب غرب أفريقيا، وهي من أغنى الدول الأفريقية بالموارد الطبيعية خاصة النفط والألماس، قامت بها ثورة ضد الاحتلال البرتغالي منذ عام 1961م حتى 1975م سقط نحو 50 ألف قتيل أنغولي في الأشهر الأولى من القمع البرتغالي للثورة، ووجدت دعما من الاتحاد السوفيتي وكوبا ومن الكونغو وأمريكا والصين، استمرت الحرب حتى عام 1974م حين أطيح بالنظام الديكتاتوري في البرتغال تحت مسمى ثورة القرنفل مما أدى إلى انسحاب البرتغال من أنغولا، وبعد أن نالت أنغولا استقلالها عام 1975م اندلعت حرب دموية بين الحركات التي كانت تحارب الاحتلال سابقا واستمرت حتى عام 2002م.